فاطمة الزهراء الرغيوي

حجم الخط
0

زهر اللوز(إلى أخي أحمد.. إلى العصفور، ربما..) على حافة الحب أقف. أردد السؤال دون كلل: – هل هو الحب أم هي الثورة؟ هنا، الآن، زهر اللوز يَعد السنونوات بربيع متخم بالخصوبة. اللحظة تاريخية، أنا على عتبة الأربعين أو أقل، العالم(هذا الذي يضمني) على عتبة ربيع استعجلته إرادة شباب يغني ‘الراب’ ويرقص كطائر نسي خطواته. أتنهد قليلا، أضع فنجان القهوة وأتابع الأخبار، تلتف ساقي حول ساقي الأخرى، ترتبك أصابعي على لوحة المفاتيح، أفكر، أصمت.

قبل ثلاثين سنة أو أقل، كنت على عتبة الإدراك وكنت أسأل أحمد:- ما الثورة؟ كان يبتسم قليلا، يدفع بدخان سيجارته بعيدا ثم يلتفت صوبي:- أن تحلمي.. فتمتلك أحلامك شرعية التحقق.

كنت أكتم سؤالا عن الحب لأنه كان يضحك من شكل ضفيرتي وكان أحيانا يناديني ‘يا صغيرتي’ فكنت أصدق أن الحب أكبر من البرتقالة التي بين يدي فأقرر تأجيل السؤال. الآن، أحاول عبور ساحة ‘بلاصا بريمو’ بأقل خسائر ممكنة وقد رافقتني حمامة ترقب بفضول الناس الذين يحاولون جمع ما يكفي من الورد لإعلان بدء موسم الربيع. لا أحمل غيري، لا حقيبة وما تحتويه من مكملات الهوية، أفكاري وحدها وصورتي التي تنعكس في أعين العابرين تصحبني فأبدو أكثر ثقلا من المتوقع. كان أحمد يردد، وكانت يداه تكتبان القصيدة رفقة سيجارة أخرى:’أنا أحمد العربيفليأت الحصار’*صديقي الآن منشغل بورقتين ونقطتي حذف، حكايته/ حكايتنا وما تبقى من الحلم. سألته:- ماذا فعلت اليوم؟- صدقت الحكاية ورافقتها إلى الشارع، رفعنا الشعارات.. تأخر المطر، فتذكرتكِ.. ثم ساعدت صبية كانت ترسم على وجهها حلمها الجديد.

إنني أعد خطواتي في ساحة ‘بلاصا بريمو’، خلفي مبنى البريد يظلل خوفي من الصور الهاوية لرجل أمن متخف في ثياب ثائر موسمي.. أؤجل عزلتي وانتظر أن يمر اليوم بسلام.

وأحمد غائب فقد استعجله الموت ولم يتخلص من حارسه الشخصي بعد، حتى بعد أن مات الشرطي الذي كان يشاركه فنجان القهوة على بعد طاولتين في مقهى في ‘كواطرو كامينو’ ظل يشعر بوخز نظراته المهددة. كان أحمد قليل الكلام لكنه كان يضحك بصوت خافت كأنه يسخر من الشرطي الذي كان يبتسم أحيانا حين يروي أحمد حكاية مضحكة على ضفاف حكي عادي فهو كان ممنوعا من التعليق على ثمن الخبز والزيت والسكر. كان أحمد قد اقترف السياسة حسب الذين استجوبوه كما تقترف الجريمة فعلقوه قليلا لتسقط الذكريات إلى رأسه فيعترف بما اقترفت يداه من حلم وما رأت عيناه من فردوس مفقود لكنه ظل يردد: – جريمتي أنني مواطن هنا.

الحب أم الثورة؟ – لماذا أنت ثوري؟

قال، وزهر اللوز كان يوشك أن ينصرف مثل حلم مستحيل:- لكي يُنطق اسمي كاملا: أحمد العربي.

أحمد كان يحب بالأمازيغية وكان يضحك بالأمازيغية لكنه كان يقرأ للمتنبي والمعري ودرويش فأصبح عروبيا لأن اللحظة كانت تمهيدا لحرية ممكنة تتجاوز الحواجز ونهاية الورقة و آخر اليوم.

أعري قلبي قليلا ليُرى بلا أقنعة فيضحك صديقي. أود لو يبكي قليلا لأقرأ في دمعه اللون الدفين لعينيه، يحدثني عن عصفور هاجر إلى حكاية جديدة، لكنه هو ظل مقيدا بالتفاصيل، تعبه اليومي، حلمه القديم، نظارته الشمسية ومفاتيح سيارته.. أحيانا يصمت فأستغل الفرصة لألعب أمام المرآة، أكون للحظة شخصين: أنا وأنا المنعكسة في المرآة تلك التي يمناها يسراها ويسراها يمناها، تبدو غريبة قليلا فهي لا تشبه صوري، لذا أفكر في اسم آخر لها ولا أجده لأنني لا أعرف كيف أنطق اسمي معكوسا، احتفظ بأناي المنعكسة هناك، وأخبر صديقي أن الشمس باردة اليوم وأن موسم الربيع ينتظر أن نتخلى عن ثقل الثياب التي تغلف أحلامنا.

قال صديقي ولم أكن قد سألته ولم يكن قد أسمعني جوابه:- ستكونين أفضل بدوني، فلم لا ترحلين؟

كنت أحاول أن أضحك. كان الحزن باديا على وجهي حين قلت:- سأكون هناك.. على عتبة العمر الباقي، سأفرح لأجلي ولأجل أحمد… ابتسمَ ثم رحل.

كنت أفكر بي طفلة، أحمد يعد أصابعي:- أنت محتالة، تملكين أصابع أكثر مني.

أعدها بعده فلا أجد غير أصابعي العشر مرتبكات أمام صفحة الكتابة. قبل ثلاثين سنة أو أقل تركته يكمل سيجارته وانصرفت أبحث عنيّ، كان هو قد بدأ الغناء:’أنا أحمد العربيفليأت الحصار’*وأحمد نائم الآن. الشرطي الذي تعب من لعبة المطاردة ونام أيضا، قال في لحظة الموت: رافقت حلما. وحده زهر اللوز ظل محافظا على موعده: كل عام يأتي مبكرا بما يكفي ليعلن عن موسم الربيع.

كاتبة من المغرب من قصيدة ‘أحمد الزعتر’ لمحمود درويش.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية