شعرية البوح والعزلة في ديوان ‘ مدارج البوح والعزلة’ لمحمد المسعودي

حجم الخط
0

محمد الزميج ‘ مدارج البوح والعزلة ‘ عنوان اختاره الشاعر المغربي محمد المسعودي لديوانه الأول الصادر سنة 2007 ليختزل التيمتين المركزيتين في قصائده؛ تيمتي البوح والعزلة، وهو ما يتبين للقارئ من خلال بنيته الثنائية، إذ قسم إلى قسمين، عنون القسم الأول بـ ‘ مدارج البوح ‘، وعنون القسم الثاني بـ ‘ مدارج العزلة’.إن العنوان باعتباره عتبة أساسا للديوان، يمكن القارئ من التقاط خيوط نور تساعده على تلمس الطريق وسط متاهاته الغائرة، والكشف عن الرؤيا الشعرية الثاوية والمتخفية وراء لغة شفافة وصور تشكل عالما شعريا له قواعده ونظمه.صيغ العنوان ضمن بنية تركيبية قائمة على الإضافة حيث أضيف دال ‘ مدارج ‘ الذي يحيل على التنامي والتصاعد والارتقاء، إلى دالين تجمع بينهما علاقة العطف بواسطة الواو وهما ‘ البوح ‘ الذي يسعى من خلاله الشاعر إلى الكشف عما تختزنه الذاكرة من أسرار، و’ العزلة ‘ التي ربما لم تتمكن الذات من التحرر من عقالها بالرغم من إمكانية اعتبار البوح ممارسة تساعد على التخفف من تبعاتها النفسية والوجودية. إن العنوان من خلال بنيته التركيبية والدلالية يشي بتنامي التجربة الشعرية وتصاعدها في سياق درامي وجداني تتفاعل فيه الذات الشاعرة مع أطراف متعددة، إيجابا وسلبا.يتضمن القسم الأول من الديوان ثمانية نصوص يجمع بينها البوح بما تختزنه الذات، وما تختزنه الذاكرة من أحاسيس ومواقف ورؤى وذكريات.ففي القصيدة الأولى ‘ حوار وبوح ‘، وضمن حوار داخلي، يبوح الشاعر بصبوة نفسه وبرغبته في الخلاص والانعتاق ومعانقة لحظة الإشراق:صبوة نفسي ترحل من شرنقة الضياعتعبر عنابر المدىتبحث عن وهج يلم خيوط النورينسج منها ملاذا لشوقي وسلوىفتنداح حصون شكوى ( ص 7) وفي سياق البوح بما تختزنه الذات من رؤى ومواقف، نجده في قصيدة ‘ رؤيا خريفية ‘ يبوح بأسرار رؤياه التي تعبر عن النهاية، وموت الحياة، وفناء الذات؛ يقول في المقطع الأخير من القصيدة:كذا رأيت ذاتي تفنى كما تفنى الفصول،كما تحول الظلال،وتموت الطيور… ( ص 10 )إن الشاعر، وبالرغم من هذه النغمة المأساوية المرتبطة بلحظة من لحظات التجربة، نجده يبوح في المقابل بفرحه، وبحبه للحياة، وعشقه للجمال السرمدي، وتفاؤله بالمستقبل؛ يقول في قصيدة ‘ تغريبة الفرح والعشق الآتي ‘:يشردني الفرح سحاباحين أراك سارحة في لحظات المكان،ترنمين أغاني بابلية الكلمات،على وقعها ترقصين،رقصات عشق يونانية،وأنت تلبسين الآس والريحان. ( ص 18 )إن البوح لم يقف عند هذه الحدود التي يمتزج فيها الأسطوري بالوجداني بلغة تتجه نحو أعماق الذات، بل تجاوزها إلى التصريح والبوح بما خلفته ذكريات عشق حقيقية عاشها الشاعر برفقة خديجة في مرتيل، فيفقد الزمن جبروته وقوته على محو أثر هذه الذكريات، يقول في ‘ قصيدة مرتيل ‘:مرت خديجة من هنا منذ قليل،قال لي القلب، لا زال عطرها ينتشي به المكان.وتذكرت بحر مرتيل يلثم منها القدم،ورأيت مرتيل تزهو في ربيع لا ينتهي،والنوارس تسعى في فرح إلى شجر خديجة المثمر. ( ص 26 )ينتهي القسم الأول بقصيدة طريفة مفعمة بالحس الأبوي وبلغة لا تخرج عن سياق البوح، غير أنه بوح من نوع مختلف، بوح يمزج بين رغبته في أن يرى صغيره ـ محمد ياسر ـ ينعم بالسعادة والانتشاء بقطرات المطر، وبين توجيهه الابن إلى ضرورة الاحتراس من البلل:يحتمل أن يسقط المطريا صغيري هذا الصباحالعبارقصامرحلكن احرص ألا تبتل.يتضمن القسم الثاني تسعة نصوص ( جمعت أربعة منها ضمن عنوان واحد ) تندرج ضمن سياق التعبير عن العزلة التي تعيشها الذات الشاعرة، كما تعيشها ذوات أخرى في الآن نفسه، وهي كما يبدو من خلال استقراء هذه النصوص عزلة وجودية ووجدانية، ارتبطت بانفصال هذه الذوات مجتمعة عن الواقع، وعجزها عن خلق الارتباط بالعالم الخارجي وتحقيق الانسجام مع مختلف أطرافه نتيجة تكسر أحلامها البلورية أمام صخرة الواقع المتغير باستمرار، وأمام جبروت الزمان وسطوته. يقول في قصيدة ‘ أشلاء من مقامة الماء و النار ‘:في جفن التلاشينام هرقل في كهفه المنسي..في لسان البحر حُمِلَت أحلامه النبيلة صُرِعَت على أنياب الفداءِ!…إن صرع أحلام هرقل النبيلة على أنياب الفداء، هو صرع لأحلام الشاعر، وأحلام كل ذات تسعى إلى إشاعة قيم الفضيلة والنبل في واقع مادي مفرغ من كل محتوى إنساني.في قصيدة ‘ أحلام شاردة ‘، يرتفع الشاعر ويرتقي إلى سماوات الأحلام والخيال، غير أن هذا الارتقاء سرعان ما ينتهي إلى السقوط مما يشي بالإحباط ومن ثم الانكسار:حينما تحملني الريح الأخيرةإلى الأعلىتمرح بي بين نهود الأحلام،وخلاخيل الخيال…أسقط عن السرير إلى زمهرير الغرفة الشاتية . ( ص 41 )في قصيدة ‘ صديقان ‘ ـ وهي قصيدة تكشف عن عمق إحساس الشاعر بمعاناة أخيه إسماعيل الذي فقد بصره ـ نقف عند شكل آخر من العزلة، عزلة مصدرها فقدان نور البصر، حيث أصبح إسماعيل يعيش في عتمة أبدية عزلته عن العالم المرئي، ولم يبق له سوى تلقف قطرات الذكرى، وتلقف بقايا صور بقيت عالقة في الذاكرة:حينما تعود مساء وحيداإلى غرفتك،انفض الغبار العالق بالصورة،تلقَّف قطرات الذكرى،المنهمرة من عينيك،تلقف حزنك الأبدي… ( ص 44 ) اختتم الشاعر القسم الثاني بأربعة نصوص تشكل في مجموعها نصا واحدا عنون بـ ‘ غرف وحالات’، وهي نصوص اتسمت بطابع سردي، وكأننا إزاء قصص قصيرة صيغت بلغة شعرية شفافة، ووظفت فيها صور إيحائية متوهجة تحكي أحداثا إنسانية، وتصور حالات من العزلة تؤطرها مكانيا أربع غرف.فتحت عنوان ‘ سطور على الجدار ‘ يصور الشاعر عزلة امرأة، رجعت وعلى جبينها غضون السنين تبحث عن بقايا طفولة ملقاة في زوايا الصمت والنسيان، في غرفة مازالت تحتفظ ببقايا صور من هذه الطفولة المندثرة:دمية صغيرة بثوب قرمزيمشط صغير أحمر،حذاء صغير اسود،كراس باهت اللون أكلته حوافر الخيل والغزلانالمسرعة نحو اللامنتهى…، خضبته دماء الفراشات التي سحلتها الأيام.. ( ص 49 )وتحت عنوان ‘ يزورها الفراش وطيور الجنة ‘ يروي الشاعر قصة عاشقة شهدتها غرفة تشربت آهات العذاب، ورقصت من الفرح جدرانها، واهتزت بصخب العنفوان، لكنها تنكرت للعاشقة الولهى التي ظلت تنتظر فارسها الذي غيبه شجر الطريق:لم أيتها الغرفة تنكرت لها؟لم تنكرت للتي لم تغادر ظلك أبدا،فظلت مسلوبة الرؤيةتنتظر الفارس الذي غيبه شجر الطريق؟ ( ص 52 )وتحت عنوان ‘ بقيت فارغة في انتظار أوبتها ‘يروي قصة حزينة لحجرة تنتظر أوبة طفلة هي أحلام شقوري التي غيبها الموت:إنه الموتغيب زهرتها في عروق الأرض،وبقيت حجرتها تنتظر أوبة ملائكتها الصغار. ( ص 53) وتحت عنوان ‘ تلك النيلوفرة المشعة في خواء الليل! ‘ تصوير للغرفة الرابعة والأخيرة التي ليست سوى مكان، أو مملكة تشتعل ليلا بذكريات امرأة عادت إليها لتقتنص أشياءها الأثيرة بعدما قسا عليها الزمان وحرمها من السعادة ومن تحقيق أحلامها الوردية:هذه مملكتهاالتي تشتعل ليلا بالذكريات…هذه غرفتها المنفردة في برج العائلة،عادت إليها ثانية لم تقتنص سوى أشياءها الأثيرة،سوى بقايا دمها،سوى رائحة البحر والحناءوطيب الليلة الأولى على زهرة ذابلة. ( ص 55 )تندرج مجموعة من قصائد الديوان ضمن القصائد التي تحتفي بالأسطورة وتوظفها كقناع يخفي رؤيا شعرية تتجاوز الآني لتغوص في جوهر الأشياء وصميمها، وتحسها إحساسا كشفيا محاولة الكشف عن عالم يظل أبدا في حاجة إلى الكشف كما يقول الشاعر الفرنسي رنيه شار. وللوقوف عند طبيعة توظيف الشاعر للأسطورة، سنتأمل نصين وظفت فيهما أسطورتان إغريقيتان توظيفا بنائيا.ففي النص الأول الموسوم بـ ‘ الوقوف على أطلال إسبرطة ‘ تمتزج ملامح إسبرطة الأسطورية / التاريخية ـ المدينة التي أسهمت إسهاما كبيرا في بناء الحضارة الإغريقية ـ بإسبرطة الشاعر التي أصبحت خاوية على عروشها، ولم يبق منها سوى أطلال وقف الشاعر سادرا بينها ينتظر نشور إلهته المعشوقة هيليني أجمل نساء الأرض ـ حسب الأسطورة الإغريقية ـ التي يبدو أنها لن تحقق رغبته، فتدخل إسبرطة أحزان القصيدة، ويعلن الشاعر خيبته في النهاية:’وأعلن أن لا شيء بعد الأفق،غير الأفق..كل الوجود بحر’ …،والبحر سيد الأشياء. ( ص 16 )أما في النص الثاني الموسوم بـ ‘ الوقوف على أسرار طيبة ‘ فيعلن الشاعر رغبته في الكشف عن أسرار طيبة، ويلجأ إلى الكاهنة لتسقيه أسرارها المهربة كي يدخل قصر الحقيقة المسحور، فيلج الدروب والأقبية لكن السبل تضل أمام الشوق واللهفة لتنثال الرؤيا التي تبشر بالتحرر من سطوة الحاكم والكاهنة، واندلاع نار المحبة في الوطن. تنتهي القصيدة كما انتهت سالفتها بخيبة الأمل، حيث ضلت الرؤيا، وضلت الرؤية أمام جبروت الكاهنة وسطوة سنابك خيلها:… لكن سنابك خيل الكاهنة طاردتنا،طاردت الحلم..كسرت سرحة الصبابة،فضلَّت الرؤيا…وضلَّت الرؤية.. ( ص 25 ) يتضح من خلال هذين النموذجين أن ملامح الأسطورة الأصل تتضاءل لتحل محلها أسطورة القصيدة وأسطورة الشاعر؛ أسطورة تشكلت معالمها من العالم الشعري عبر خلق علاقات تنبثق من لغة شعرية مكثفة تعبر عن رؤيا إبداعية تنقل التجربة الخاصة من مستواها الشخصي إلى المستوى الإنساني، متجاوزة المضمون المباشر، ومعبرة عن عزلة الذات الشاعرة التي عجزت عن تحقيق رغبات مستحيلة نتيجة قوة وسطوة أطراف أخرى تستحيل مقاومتها.إن ديوان ‘ مدارج البوح والعزلة ‘ للشاعر محمد المسعودي يتميز عموما بلغة شعرية انزياحية تمنح نصوصه إمكانات لا محدودة من الدلالات، وبخصائص تجعله قابلا لقراءات متعددة قد تكشف عن بعض من ملامحه الفنية والرؤيوية. طنجة ـ المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية