ليبيا أمام قضايا هامة ترسم مستقبلها مع نجاح المعارضة في بسط السيطرة على معظم الأراضي الليبية ووصولها إلى طرابلس العاصمة وفي ظل حالة الانتشاء والإحساس بالانتصار التي يعيشها الثوار في ليبيا إلا أن هناك حقائق يجب أن لا تغيب عن الأذهان التي يجب أن يدركها الثوار منها ما يتعلق بصناعة مستقبل ليبيا بمشاركة جميع أبنائها وعدم الإقصاء فالجميع هم شركاء في الوطن الواحد متساوون في الحقوق وفي صناعة المستقبل الليبي حيث يبقى الوطن دائما ويبقى الشعب وتختلف الأنظمة وتتغير الحكومات، وهو ما يحتم على جميع الأطراف التفكير بشكل واقعي لتوحيد القوى وضخ الدماء في شرايين الكيان الوطني الجامع وتغليب لغة الوطن بغض النظر عن الاختلاف في وجهات النظر فالواقع سيفرض نفسه في نهاية الأمر وعلى الجميع التكيف مع الواقع الجديد من أجل استقرار أبناء الشعب الليبي في وطن آمن بعيدا عن المواجهات والاحتقانات والنزاعات كما أن هناك حقيقة ثالثة متمثلة في وجود حلف الناتو الذي جاء بتفويض دولي في مهمة محددة وقد انتهت مهمته الآن ما يعني لزوم ترك الساحة أمام أبناء الشعب الليبي ليقرروا مستقبل بلادهم بأنفسهم.
الواقع البراغماتي يفترض على أبناء الشعب الليبي بمختلف مشاربهم وأطيافهم الجلوس معا على بساطٍ الوطن الواحد وطي صفحة المواجهات مهما كانت الخلافات وفتح صفحة جديدة مبنية على جسور من الثقة والإخلاص والقيم الوطنية لبناء مستقبل زاهر لبلادهم والمشاركة الوطنية الجماعية بعيدا عن الأحقاد والضغائن والحسابات الخاصة لأن حسابات الوطن تسمو فوق الجميع والمصلحة العليا للأوطان فوق كل شيء، وبالتالي فمن المهم جدا على المجلس الوطني الانتقالي الذي يقوده مصطفى عبد الجليل السيطرة على الأوضاع في هذه المرحلة الحاسمة ورسم الخطوط والمحددات الآمنة للمستقبل وعدم ترك المجال للانفلات الأمني والالتزام بضبط النفس حقنا للدماء الليبية ومسك زمام الأمور جيدا وتنظيم المرحلة الراهنة وفق مسارات تتسم بالدقة والحكمة بهدف تحقيق النجاح لاحقا في المرحلة المقبلة من عمر ليبيا. إن سياسة الإقصاء والتهميش قد فشلت في الكثير من الدول وكان أقرب مثال على ذلك العراق بعد سقوط النظام العراقي الحاكم ويجب أن لا تتكرر التجربة العراقية في ليبيا من جديد لا سيما وأن هناك قواسم مشتركة بين التجربتين، كما أن هذه الحالات عادة مشوبة بحب الانتقام والتصفية التي تغرر بالنفس البشرية، وعلى أبناء الشعب الليبي وفي مقدمته المجلس الوطني توخي الحذر والانتباه لما قد تفرزه هذه البثور الخبيثة في المشهد الليبي، ومن هنا فأبناء الشعب الليبي جميعا إخوة كرماء على أرض الوطن، والمرحلة المقبلة تحتاج لكم جميعا من أجل البناء والمشاركة الوطنية في صناعة مستقبل ليبيا.
الحلف الأطلسي، الذي جاء إلى ليبيا بناءً على قرار دولي وغطاء عربي، وقد انتهت مهمته بعد تمكن أبناء الشعب الليبي من تولي زمام الأمور بأنفسهم ودانت جميع الأراضي الليبية تحت سيطرت الثوار وبوجود قيادة متمثله في المجلس الوطني الانتقالي فقد حان الوقت للخروج من ليبيا وعدم التورط في البقاء بأي شكل من الأشكال التي قد تعتبر نموذجا من نماذج الاحتلال وعلى الحلف أن يدرك جيدا خطورة بقائه في ليبيا أو أي محاولة مزعومة للمساعدة في صناعة المستقبل السياسي/ الأمني في ليبيا أو المساعدة على بناء الديمقراطية المزعومة أو أي نوع من أنواع التدخل في شؤون الوطن الليبي لاحقا، وعلى الناتو أن ينأى بنفسه عن تلك التوجسات التي كانت إحدى النقاط الغامضة والجدلية في نوع المهمة الأطلسية في ليبيا وهو ما حذرنا منه سابقا ونكرره اليوم من جديد خاصة مع الدعوة الفرنسية إلى عقد اجتماع دولي عاجل بخصوص ليبيا، ومن هنا فقد بات على المجلس الوطني الانتقالي الانتباه جيدا والتصدي لأي تواجد غربي على الأراضي الليبية لاحقا أو أي محاولة للتدخل في شؤون ليبيا وهذه المسألة من النقاط التي يجب حسمها سريعا قبل كل شيء، كما يجب على الدول الاقتصادية الكبرى تقديم مساعدات عاجلة لإعادة بناء البنية التحتية في ليبيا كما أن هناك مسألة الافراج عن الاصول الليبية المجمدة في بعض الدول كالولايات المتحدة وغيرها وباتت المسألة الليبية بحاجة ماسة لهذه الأصول لاعادة بناء ما دمرته الحرب وعلاج الجرحى وللمسائل الانسانية والاحتياجات المعيشية وذلك بشكل عاجل، وهذه المسألة تعد الأهم في المشهد الليبي الراهن. إن الوطن الليبي كان وما زال عنصرا فاعلا في الأمن القومي العربي وفي التضامن العربي وهو لن يخرج اليوم من هذا السياق وبلا شك أن هناك ثوابت ومرتكزات قومية يدركها كل مواطن ليبي غيور لا يمكن التخلي عنها ولا يمكن بأي حال من الأحوال الخضوع فيها للإملاء الخارجي، لذا يأمل العرب جميعا أن يكون الشعب الليبي اليوم إضافة مهمة للحراك القومي العربي الذي يضخ قواه في صالح القضايا العربية. خميس بن عبيد القطيطي – عُمان