ثورة مابعد الإسلام السياسي

حجم الخط
0

ترجمة: نورالدين علوش يفسر الرأي العام الأوروبي التحولات السياسية الجارية بشمال إفريقيا ومصر, بخطاطة ذهنية قديمة تعود إلى الثمانينات: انتصار الثورة الإسلامية الايرانية.

فاروبا تتوقع من الحركات الإسلامية ( من قبيل الإخوان المسلمين)شيئين ا ثنين: إما أن تكون على رأس الحركات الاحتجاجية أو تقع في فخ الاستيلاء على السلطة.

لكن فطنة وبرغماتية الإخوان المسلمون تدهشها وتحيرها في آن: أين ذهب الإسلاميون؟

فإذا تأملنا جيدا, في الشباب المناهض للاستبداد فالأمر يتعلق بجيل جديد يمثل مرحلة مابعد الإسلام السياسي.

فالحركات الإسلامية الثورية التي كانت تنشط بين السبعينات والثمانيات لاتمثل له إلا ما ضيا قديما لآبائه.

فالجيل الجيد لايهتم إطلاقا بالايدولوجيا: فالشعارات المرفوعة تتسم بالواقعية , على عكس الشعارات الإسلامية التي كانت ترفع في الجزائر أواخر الثمانينات. فهذا الجيل الجيد يناهض الأنظمة الاستبدادية الفاسدة ويطالب بديمقراطية حقيقية.

هذالايعني أن هذا الجيل علماني بالكامل, لكن ببساطة لايعتبر الإسلام ايدولوجيا سياسية: فهو يجد نفسه اكثر في فضاء سياسي علماني.

ونفس الأمر ينطبق على باقي الاديولوجيات مثل القومية العربية التي يقدرونها.

الأكثر أصالة عنده هو رفضه لنظرية المؤامرة التي تقول بان أمريكا وإسرائيل هي السبب في ماتعيشه الدول العربية من تعاسة وتخلف.

حتى ولو اختفي شعار القومية العربية إلا أن ما تعيشه مصر واليمن تأثرا بما جرى في تونس يؤكد على كون القومية العربية حقيقة سياسيةهذا الجيل هو تعددي، ربما لأنه هو فرداني جدا. فالدراسات السوسيولوجية أكدت على تقدم مستوى التعليم لهذا ا الجيل مقارنة بالجيل القديم, بالإضافة إلى تغير الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه ( الأسرة النووية) مقارنة بالجيل القديم؛ لكن في نفس الوقت هذا الجيل يعاني من البطالة واكراهات اجتماعية خطيرة.

كما انه أكثر الماما بتقنيات التواصل الحديثة خاصة شبكات التواصل الاجتماعي التي تمكن من ربط العلاقة بين الأفراد بدون المرور من الوسائط التقليدية كالأحزاب.

فهولا تعجبه الأنظمة الإسلامية المستبدة في إيران أو في السعودية.

فالذين يتظاهرون في مصر هم انفسم الذين ي تحركون لمناهضة احمد نجدا بايران.

ي فهم مؤمنون لكن يفرقون بين الدين والسياسية؛ فالحركات الشبابية علمانية لأنها تفصل بين الدين والسياسية. فالممارسة الدينية لديهم شان فردي.

يتظاهرون من اجل الكرامة والاحترام: فهذا الشعار انطلق من الجزائر في اواخر التسعينات.

فالقيم التي يطالبون بها هي عالمية.

لكن الديمقراطية التي يطالبون بها لن تكون مستوردة من الخارج؛ ومختلفة عن الديمقراطية التي وعد بها الرئيس الامركي السابق بوش لللعراقيين و التي جاءت على ظهر الدبابة.. فالتناقض بين تقلص النفوذ الامركي في الشرق الأوسط وبرغماتية الرئيس الأمريكي اوباما هي السبب في ظهور مطالب داخلية بالديمقراطية.

فما يجري من تحولات سياسية يمكن نعتها بالعصيان وليس بالثورة. فالاحتجاجات الجارية ليس لها قائد ولا تؤطرها الأحزاب , وهذا ينسجم مع طبيعتها لكن يطرح إشكالية ماسسة الديمقراطية.

من المحتمل أن يؤدي سقوط دكتاتور تلقائيا إلى نشوء ديمقراطية ليبرالية كالتي بشر بها الرئيس الامركي السابق للعراق.

لكن في كل بلاد عربية المشهد السياسي معقد ومتعد بالرغم من كل القمع الممنهج على التيارات السياسية المعارضة من قبل الأنظمة المستبدة.

الإسلاميون لم يختفوا بل تحولواالإسلاميون هم من يعتبرون أن الإسلام اديولوجيا سياسية بإمكانها أن تحل جميع المشاكل المجتمعية. فالجهاديون تركوا الساحة وتفرقوا بين باكسات والجزائر وضواحي لندن. فهو لايتمتعون بقاعدة اجتماعية أو سياسية. فالجهاد العالمي مقطوع الصلة بالحركات الاجتماعية والتحركات الوطنية. فدعاية القاعدة تحاول أن تصور نفسها أنها طليعة المجتمعات الإسلامية في التصدي للغزو الغربي لكن بدون جدوى.

فالقاعدة تجند الشباب الجهادي الاممي الذي قطع الصلة مع الأحباب والاصدقاء. القاعدة تبقى منغلقة على نفسها ولم تحاول قط أن تنظم نفسها سياسيا داخل المجتمعات الإسلامية.

بالإضافة إلى ا ن الأهداف التي تركز عليها القاعدة خاصة في الغرب ليس لها تأثير في المجتمعات الإسلامية.

وهم آخر يتجلى في الربط بين إعادة الاسلمة المكثفة التي عرفتها المجتمعات الإسلامية والراديكالية السياسية. إذا كانت المجتمعات العربية إسلامية منذ ثلاثين سنة أو أربعين فكيف نفسر غياب الشعارات الإسلامية في الاحتجاجات الجارية؟

هذه مفارقة الاسلمة: حيث دفعت إلى عدم تسييس الإسلام. فإعادة الاسلمة الثقافية والاجتماعية تمت خارج التنظيمات الإسلامية؛ حيث كانت مفتوحة على السوق الدينية غير القابلة للاحتكار من طرف أي كان؛ هي أيضا جاءت في سياق بحث جديد للشباب عن الشأن الديني الذي يعتبرونه فرداني لكن الحامل لقيم التغيير.

بإيجاز الإسلاميون فقدوا احتكارهم صفة التكلم باسم الإسلام.

من جهة أخرى , الأنظمة الاستبدادية كانت تفضل إسلاما محافظا لكن غير مسيس, مرتبطا بالأخلاق. مسالة الحجاب اصبحت متجاوزة. فالنزعة المحافظة للدولة التقت مع الحركة السلفية التي تركز على اسلمة الإفراد وليس الحركات الاجتماعية. بإيجاز هذه مفارقة فإعادة الاسلمة أصبحت هي نفسها مبتذلة وفي نفس الوقت اتسمت بعد التسيس: اذاكانت كل الأمور دينية فلن يكون أي أمر ديني على الإطلاق.

من وجهة نظر الغرب مايجري هو موجة إسلامية خضراء تطبع كل الحياة من الوجبات السريعة إلى اللباس الخاص بالنساء.

لكن أشكال التدين أضحت أكثر فردانية:

اعادة بناء الإيمان للذات, والبحث عن الداعية الذي يتكلم عن تحقيق الذات من قبيل عمرو خالد وعدم الاهتمام بيوطوبيا الدولة الإسلامية.

السلفيون يركزون على الدفاع عن الرموز الإسلامية لكن ليس لهم برنماج سياسي.

والتيارت الدينية التي كانت نائمة أصبحت تتحرك وتتطور من جديد مثل الصوفية. هذه التعديدية الدينية خرجت من إطار الإسلام لتعانق موجة جديدة من معتنقي الدين المسيحي. مثل ما نرى في إيران والجزائر.

خطا أخر نرتكبه عندما نعتقد بان الأنظمة المستبدة كانت تدافع عن العلمانية ضد الأصولية الإسلامية. فالأنظمة المستبدة لم تعلمن المجتمع بل بالعكس باستثناء تونس دافعت عن أصولية جديدة حيث تدافع عن الشريعة بدون الحديث عن طبيعة الدولة.

فكل المؤسسات الدينية الرسمية والعلماء تم تد جينهم.

حتى أن المؤسسات الدينية التقليدية مثل الأزهر لم تتحرك سواء في المسالة السياسية أو رهانات المجتمع. لم يقدموا شيئا للشباب الباحث عن تدين جيد منفتح. ولا ننسى أن المؤسسات الدينية التقليدية تعار ض الاحتجاجات وتعتبرها خروجا على ولي الأمر.

مفتاح التغييرفالاحتجاجات السياسية الجارية طال تأثيرها الحركات الإسلامية مثل الإخوان المسلمين وحزب النهضة بتونس. في الحقيقة تحولت حركة الإخوان المسلمين كثيرا. النقطة الأولى هي بالطبع تجربة الفشل، سواء في نجاح واضح (الثورة الإسلامية في إيران) ، في المباراة التي خسرها (القمع الذي شن عليهم في كل مكان). فالجيل الجيد المناضل تعلم الدروس من الماضي كما تعلمها المعارض التونسي البارز الغنونشي. فهموا أن أخذ السلطة بعد ثورة ستؤدي إلى حرب أهلية أو ديكتاتورية:

في نضالهم ضد القمع تحالفوا مع القوى السياسية الأخرى. فهم يعرفون مجتمعهم جيدا وكذلك الدور الكبير للايدولوجيا.. اخذوا الدروس من النموذج التركي الذي تمكن من الجمع بين الديمقراطية والتنمية وال استقل الوطني والحفاظ على القيم الأصيلة في المجتمع إن لم نقل إسلامية.

لكن الإخوان المسلمون ليس لهم برنامج اقتصادي أو اجتماعي. فهم محافظون دينيا وليبراليون اقتصاديا.

بدون شك هذا هو التطور الأكثر بروزا: في سنوات الثمانينات ادعت ا لتيارت السياسية الإسلامية دفاعها عن المستضعفين وتبنت فكرة تأميم الاقتصاد وإعادة توزيع الثروة. البوم الإخوان المسلمون وافقوا على الإجراءات التي قام بها نظام حسني مبارك والتي تتناقض مع أي إصلاح زراعي حقيق في مصر.

لم نعد نجد الحركات الإسلامية في الحركات الاحتجاجية كما هو الشأن في دلتا النيل بل هناك ميل عام نحو اليسار: المناضلين النقابيين.

فالبرجزة التي أصبحت ملتصقة بالإخوان المسلمين هي ورقة رابحة للديمقراطية: مما سيدفعهم للبحث على التسويات وعلى المصالحة والتحالف مع القوى السياسية الأخرى. فلم تعد المسالة متعلقة بدور الأنظمة المستبدة في منع الحركات الإسلامية من الوصول إلى السلطة اولا تقوم بذلك الدور. فالإسلاميون أصبحوا فاعلين في اللعبة الديمقراطية. فهم يدافعون عن الأخلاق لكن ليس بالطريقة الإيرانية أو السعودية فهم يطالبون بحريات عامة لاتقف عن حرية الترشح فقط.

فالإسلاميون بمختلف تياراتهم فقدوا ادعائهم الاعتقاد في الإسلام والحداثة، أو أنهم سوف يضطرون ر إلى بذل جهد لإعادة النظر في تصورهم للعلاقات بين الدين والسياسةفالإخوان المسلمون والجيل الجيد المناضل ( الغير المنظم سياسيا)هم مفاتيح التغيير. سنبقى في التمرد أو العصيان المدني وليس تأسيس لنموذج جديد من الأنظمة. من جهة أخرى فالمجتمعات العربية لازالت تتسم بطابع المحافظة: فالطبقات المتوسطة التي استفادت من اللليرالية الاقتصادية تريد استقرارا سياسيا: فهي تناهض الطبيعة الوحشية للنظام الاستبدادي.

فالفرق بين النموذج التونسي والمصري واضح. في تونس تمكن النظام الاستبدادي من إضعاف كل المنافسين المحتملين واستبد بكل من السلطة السياسية والاقتصادية.

أما طبقة رجال الأعمال فكانت رهينة العائلة الحاكمة في تونس وبخصوص الجيش فهو خارج اللعبة السياسية والاقتصادية لهذا كان يطمح إلى نظام ديمقراطي يضمن له ميزانية كبيرة تناسب التضحيات والمهام.

بالعكس النظام المصر ي كان أكثر شرعية حيث كانت له قاعدة اجتماعية بالإضافة إلى تحالفه مع الجيش سياسيا واقتصاديا.

فالهدف من هذه التحركات السياسية القضاء على شبكات الولاء والزبونة التي كانت تطبع تلك الأنظمة المستبدة. هناك بعد انثر بولوجي أخر؛ فهل الديمقراطية المطلوبة قادرة على تجاوز شبكة التحالفات والانتماءات القبلية والمالية؟ ما هي قدرة الأنظمة المستبدة على استخدام ورقا التحالفات التقليدية؟ هل هذه المجموعات قادرة أو لا على لعب دور مهم في المستقبل؟

كيف نجعل من المرجعية الدينية متعددة ومتكيفة مع التحولات الجيدة؟

فالصيرورة الديمقراطية طويلة وصعبة لكن ما هو مهم وأكيد: أن أسطورة الاستعصاء الديمقراطي العربي الإسلامي تحطمت. فالتحولات الجارية تعكس تغييرا عميقا في المجتمعات العربية الإسلامية. فهذه التحولات كانت منذ زمن ليس بعيد لكن النظرة الغربية للعرب والمسلمين منعتهم من التقاطها والتفاعل معها.

منذ عشرين عاما كتبت كتابا حول نهاية الإسلام السياسي, فسواء قرأ أو لم يقرأ؛ فما يجري من الاحدات التاريخية بينت أن العرب اخذوا الدروس من تاريخهم الخاص. لم ننته بعد من الإسلام وكذلك الديمقراطية الليبرالية ليست نهاية التاريخ كما يزعمون. لكن يجب التعامل مع الإسلام في إطار ثقافته الخاصة التي أصبحت أكثر انفتاحا من ذي قبل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية