حسنين كروممن الأمثال الشعبية الكثيرة التي كنت اسمعها في الطفولة والصبا والشباب في حواري حي بولاق ابو العلا بضعة أمثال لاتزال عالقة في ذهني، احدها، أتذكره عندما يظهر حنين الغالبية الشعبية، من وقت لآخر، نحو الزعيم خالد الذكر جمال عبدالناصر وحبهم وتقديرهم له، رغم انهم لم يعاصروه، وولدوا وكبروا وأصبحوا رجالا وهم لا يقرأون عنه إلا حملات تشويه لسمعته وتاريخه، منذ عام 1974 وحتى الآن، هذا المثل، هو: إذا أحب الله عبدا، حبب فيه عباده.
وحب الناس ـ أي العباد ـ هنا لزعيم أو رئيس لا يأتي من فراغ، إنما تيقنهم بعد تجربة بأنه يعمل لصالح الأغلبية ولنظافة يده وإخلاصه لبلده، حتى لو أخطأ، أو فشل في عمل ما.
ولذلك لا أتعجب من إجماع أشد خصومه السياسيين عنفا وضراوة، على نظافة يده ووطنيته، وأنا أتحدث هنا عن الإخوان المسلمين والوفديين، وأن مصر في عهده كان لها شأن وقيمة، وبعد ذلك يهاجمونه ويقولون عنه ما قاله، وما لم يقله، مالك في الخمر.
وما يعنيني في ذكرى وفاته، موجة التقدير والحب له، والحنين إليه بعد ثورة 25 يناير، وتمثلت في عدة مظاهر، بعضها شكلي، والآخر جوهري.
الشكلي مثل المقارنات بين ثورة 23 يوليو 1952 التي قادها، وثورة الشعب في يناير، والثانية قام بها الشعب وحماها وأيدها الجيش.
ومثل المقارنات التي ظهرت بعد وفاة الدكتور خالد عبدالناصر والحزن عليه والإشادة به وبوالده، والمقارنة بينهما وبين مبارك وابنيه جمال وعلاء وهما في قفص محكمة الجنايات يحاكمون بأشنع التهم التي يمكن أن تلحق بأي سياسي وبسمعته الشخصية.
لكن الجوهري، هو أن كل الذين هاجموا عهد عبدالناصر، بسبب الإجراءات والمحاكمات الاستثنائية التي تمت بعد الثورة، بدعوى حمايتها من أعدائها، هم الأعلى صوتا الآن في المطالبة باستخدام قانون محكمة الغدر الذي صدر عام 1952، وتم تعديله عام 1953، لمحاكمة الذين لن تطالهم المحاكم العادية من رجال نظام مبارك، وفرض العزل السياسي على أعضاء الحزب الوطني، ومنعهم من الترشح في الانتخابات القادمة، على الأقل لدورة واحدة، لحماية الثورة منهم كما تندلع المظاهرات والمليونيات للمطالبة بتطهير كل أجهزة الدولة ووزاراتها من أنصار نظام مبارك والأعلى صوتا في هذه المطالبات هم الإخوان والوفديون وشباب الثورة ومن لم تكن لهم اهتمامات أو ميول سياسية.
وفي حقيقة الأمر، فهذا لا يعني انني أؤيد ذلك، فقد كتبت معارضاً أي نوع من العزل السياسي لمن كان منتميا لنظام مبارك، أو في حزبه، ما لم يكن متهماً في وقائع محددة، أو يشارك في تزوير الانتخابات.
ووصل الأمر، الى ان مئات القضاة، خاصة من تيار الاستقلال، طالبوا بتطهير القضاء من العناصر التي قالوا انها كانت في خدمة نظام مبارك، أو لها علاقة بأجهزة الأمن، أو متورطة في تصرفات غير لائقة وحددوا العدد بثلاثمئة، ومن بين الذين يطالبون بذلك من دأبوا على مهاجمة عبدالناصر بسبب مذبحة القضاء عام 1969، حيث تم استبعاد حوالي مئتين، منهم من كان يطالب بإبعاد القضاة عن السياسة وبحرية أوسع، مثل يحيى الرفاعي وممتاز نصار، عليها رحمة ربك، وغيرهما، ومنهم من دارت حوله شبهات معينة، والبعض اصدر احكاما لصالح ملاك أراضي اتضح انهم ينتمون لعائلات تم تطبيق قانون الإصلاح الزراعي عليها، والمهم، انه تمت اعادة الأغلبية ورفض البعض العودة، ورغم ذلك، يستحيل لاي محب لعبدالناصر الدفاع عن هذا الإجراء، أو تبريره، لكن بعض القضاة الذين واصلوا التنديد بهذا الاجراء بعد مرور كل تلك السنوات، هم من يطالبون الآن بتطهير القضاء، وسبحان ربك، مقلب القلوب.
ومن الجوهري أخيرا، هو مطالبة الثورة ومن كانوا خصوماً للقطاع العام الذي أنشأه عبدالناصر، بضرورة ان تستعيد الدولة ما تم الاستيلاء عليه مستغلة الاحكام القضائية المتتالية، ببطلان بعض عقود البيع، وهي عملية بدأت قبل ثورة يناير، بصدور حكم بطلان بيع محلات عمر افندي، وغيره وتواصلت بعد الثورة، وكان منطقهم أن هذه ممتلكات ومدخرات الشعب، صحيح أن عبدالناصر هو الذي أنشأها، ولكنها لم تكن مملوكة له أو لعائلته، أو لأحد من أفراد نظامه، وكانت قواعد متينة لاقتصاد البلاد، وتوفير موارد مالية للدولة، وبالتالي ـ فالتفريط فيها خيانة، أو سرقة، سمها ما شئت، أي أن ما كانوا يعتبرونها اشتراكية ـ يستعيذون بالله منها ـ أصبحت من أبرز مطالبهم، لدرجة ان الدكتور علي السلمي نائب رئيس حزب الوفد ورئيس حكومة الظل للحزب صرح بعد تعيينه نائبا للدكتور عصام شرف بأنه لا بيع للقطاع العام بعد الآن، وأنه سيتم استعادة ما فقده مع تشجيع الاقتصاد الحر. ذلك كله، يأتي وذكرى وفاته حلت، صحيح، إذا أحب الله عبدا، حبب فيه عباده.
الغريب في الأمر، انني لم اعرف حتى الآن، من صاحب هذا المثل.