الفنطازيا لاختراق هالة الموت

حجم الخط
0

قراءة في ‘ شركة ‘ أنيس الرافعي القصصية:

أبو بكر العيادي ‘ الموت، كالشمس، لا يملك المرء إلا أن ينكّس أمامه البصر ‘ ( فكتور هوغو ) عرفت أنيس الرّافعي، الكاتب المغربي المتميّز، منذ سنتين، وعرفت أنّه من الكتّاب العرب القلائل الذين ظلوا أوفياء للقصة وحدها، لا يرومون عنها بديلا، ثم أقبلت على قراءة مدوّنته المؤلفة من خمس مجموعات هي على التوالي: السيّد ريباخا، البرشمان، اعتقال الغابة في زجاجة، ثقل الفراشة فوق سطح الجرس، وعلبة الباندورا، وهي على صغر حجمها ( باستثناء المجموعة الأخيرة التي تمسح 157 صفحة من القطع المتوسط ) غزيرة المعاني، غنية بأسئلة فنية ووجودية جمة، وبمغامرة تمضي في التجريب أشواطا بعيدة.

يشدّك إلى قصص الرافعي، علاوة على التكثيف والإيحاء، بحثه الدؤوب عن صيغ من القص فريدة، تقوم على الإدهاش والإغراب اللذين يذكران بعوالم دينو بوتزاتي في ‘ك’ وهوراثيو كيروغا في ‘حكايات حب وجنون وموت’ وإدغر ألان بو في ‘حكايات عجيبة’ وبكتّاب آخرين يذكرهم الكاتب بالاسم في المتن القصصي، قصة ‘زير الجثث’ ( ص 62 ) تحديدا، وفي الهامش ( ص 63 ). صدر له هذه الأيام كتاب قصصي جديد يتجلى الإغراب من عنوانه: ‘الشركة المغربية لنقل الأموات’ ، فيخيل إلينا للوهلة الأولى أننا إزاء يافطة محل أو عنوان على الإنترنت، وفي الأقل دليل الشركة المعنية، فإذا ما اطلعنا على المتن اكتشفنا أن العنوان دالّ على مدلول، فالنصوص في جملتها تحفل ( إن جاز القول ) بالموتى، حتى ليصحّ أن تقام لهم شركة تتعهد جثثهم قبل مواراتها التراب، ثم تتولى تأجير أرواحهم. الكتاب كما جاء في عنوانه الفرعي هو ‘طقس قصصي في أربع عادات وسبعة محلات’، ويشمل تعاريف متأتية من قراءات لكتب متخصصة وإفادات من ذوي الخبرة والمعرفة ومشاهدات حسية لليلة من ليالي أتباع الطريقة الكناوية ( الكاف تنطق كما في تونس نطق الجيم القاهرية المعطشة )، وهي جماعة من المتصوفة في مدينة الصويرة تمارس طقوس هذه الليلة على نحو يقدمه الكاتب بإيجاز غير مخلّ، تتخلله نصوص قصصية من وضعه أشبه بالمتتالية، تحوم كلها حول موضوعة الموت، حيث الشخصيات تتناظر في لعبة مرايا، تتعدد وتتوحد، تتباعد وتتقارب، وتناسخ أحيانا في ما يشبه المثُل les doubles ، فإذا هي جمع بصيغة المفرد أو مفرد بصيغة الجمع، تشترك جميعا في كونها تشهد موتها الجسدي ( ص 25 ) مثلما تشهد انفصال الروح عن جسدها ( ص 38 ) ، أو تعي موتها قبل حدوثه ( ص 9 ). عالم من الفنطازيا يأتلف فيه الواقع بالخيال، واليقظة بالحلم، والحياة بالموت، فإذا الشخصيات تتحرك وتتنقل في فضاء تتعدد أزمنته وتتناسل بتناسل الأرواح والأشباح.

ولو أمعنا النظر لألفينا أن أحداث القصص تسير في موازاة طقس الليلة الكناوية، حيث تبدأ بالصعود المتدرج حتى تبلغ بالممسوس ( شارب لعفو بلهجة أهل الطريقة ) ذروة الوجد ( ذروة الحال ) التي تصبح خلالها الذات ‘المجذوبة’ في حال تسمح لها بمخاطبة الأرواح أو الامتثال لأوامرها، ثم تأخذ في الهبوط الوئيد نحو الهمود، فالسكينة. ذلك ما نلمسه بجلاء في قصة ‘مونتاج خشن’ بخاصة، حيث البطل يشهد اللحظات الأخيرة التي تقربه من موت محتوم، ووعيه ( أو لا وعيه ) مشتت بين الماضي والحاضر والمستقبل، حاضر حضورا يتدرّج طوله بشكل مخادع لأن ‘كل زيادة فيه ما هي إلا محض نقصان’ ( ص 50 )، وهي لعمري استعارة لحياة الإنسان على هذه الفانية، كلما ازداد عمره دنا من النهاية، صعود إلى أوج ليس بعده غير الانحدار ( لكل شيء إذا ما تمّ نقصان، كما يقول الرّندي ). لا مراء أن الموت ثيمة كبرى، قديمة قدم ابني آدم قابيل وهابيل، وقع الاهتمام بها منذ العصور الآبدة من الناحية الدينية والروحية، مثلما شغلت الكتاب والشعراء والفنانين والفلاسفة في سائر الأمم، إما باعتبار الموت مرفأ مشتركا ترسو إليه كل المراكب بعد مطاف معلوم قد يقصر أو يطول، أو هو فاتحة لعالم آخر فردوسي تجري من تحته الأنهار ( أو جحيمي فيه نار تلظّى، وقودها الناس والحجارة ). ولكنهم اختلفوا في النظر إلى الموت: فأصحاب النظرة القدرية يستعدون له استعدادا يشغل فكرهم على الدوام، والمؤمنون يتلهفون عليه لملاقاة ربهم، والأبيقوريون في شغل عنه بما هم فيه من انغماس في الملذات، فيما الملحدون يكرهونه لأن التفكير فيه حسب اعتقادهم يلهيهم عن تحقيق أهدافهم في الحياة. إلا أن فئة أخرى اختارت لها طريقا مغايرا، أحسب أن أنيس الرافعي سلكه في قصصه هذه، يتمثل في محاولة تبديد هالة الموت، كدرء السوء بذكر السوأة، كما في المعتقدات الصينية، فيعمدون إلى تمثل الموت وأطواره، الفاجع منها والهاجع، المفاجئ الصّادم والمألوف المتوقَّع، ليس على طريقة الفن الباروكي الذي كان دعاته يتفننون في عرض الموت ووصف حالاته ومآل من حاق به، ولا على منوال روايات التحليل النفسي حيث للموت أهمية سيكولوجية كنهاية لتطور ما وأثره على الآخرين، وإنما يقاربونه بطريقة تخلع عن الموت مهابته وتنزع منه هالته، فيغدو حدثا كسائر الأحداث اليومية، حيث يروح الميت ويغدو مثل الأحياء، ومثل الأحياء أيضا يروي ذكرياته ويصف مشاهداته ويعلق على ما عاشه أو يعيشه لحظة بلحظة، حتى وهو في القبر كما هي الحال مع أحد أبطال خوان رولفو، مبتدع الواقعية السحرية، في روايته الشهيرة ‘بدرو بارَمو’، بل قد يختلط الأمر بشكل يجعل الأحياء والأموات متعاوضين interchangeables ، فيصبح الموت حينئذ مرادفا للحياة، أو لنقل وجهها الآخر الذي يمنحها معنى. وما كان ذلك ليتم لولا توسل أولئك الكتاب بالفنطازيا. في هذه القصص التي غالبا ما ترد على لسان المتكلم، يتماهى المؤلف مع الذات الساردة والشخصية المحورية المهيمنة على المجموعة، دونما تخفّ حيث يضع نفسه في مسرح الأحداث، يتملى عيشه وموته وانبعاثه في أكثر من وجه، كذا في القصتين الآنفتي الذكر ( ص 9 ) حيث يتوقع ما سوف يحدث له في الصبح والمساء. وفي قصة ‘صانع الجنازات’ ( ص 12 ) حيث يراقب شخصا غريب الأطوار نكتشف في النهاية أنه هو المراقَب، وأنه يتنبأ بموته الوشيك. وفي قصة ‘الشركة المغربية لنقل الأموات’ ( ص 21 ) التي اختارها عنوانا لكتابه يشهد موته وتشريحه. وفي قصة ‘اليوم الأول بعد الموت’ ( ص 25 ) يستبق نهايته ويرى صورته حينما يصير إلى أرذل العمر. وفي قصة ‘يوم زائد بين الاثنين والثلاثاء’ ( ص 32 ) يسير بقدمي ميت ويكتشف أن الصوت القادم من هاتفه الجوال هو صوته بعد أن لقي مصرعه في حادث مرور. وفي قصة ‘ثلاثة أحجار صغيرة في قاع النهر’ ( ص 38 ) يعي موته إذ صار شبحا يرتاد أماكنه القديمة. وفي قصة ‘ مونتاج خشن’ ( ص 45 ) على محفة ما بين حياة وموت، يختفي عن الوجود أياما ستة ولا ينبعث إلا في اليوم السابع. وفي قصة ‘صحراء في الطابق الأخير’ ( ص 52 ) شبح تتعدد تحولاته فإذا هو قادر بشكل دائم على أن يولد في الصباح ويكبر في الظهيرة ويشيخ في المساء ويموت في الفجر. وفي قصة ‘زير الجثث’ ( ص 59 ) يخاتل قاتلا وقد غدا هو نفسه قاتلا ثم ينتأ هو كالمثيل في المعتقدات الإفريقية ليخلص القاتل الأول من القاتل الثاني. وفي قصة ‘سبعة أرواح’ ( ص 65 ) وهي سبع قصص قصيرة جدا تؤلف مجتمعة قصة متكاملة تغدو فيها الأرواح هائمة قابلة للبيع والشراء والإيجار ( نسيت روحك المستأصلة تماما وانتهى بك الهجران أن عرضت عليهم في المستودع شراءها بأي ثمن. روحك الضائعة والمشردة بين الأجساد المضيفة التي تكلمك تليفونيا بين الفينة والأخرى من كل أصقاع العالم. ص 68 ). كذلك يعرض علينا أنيس الرافعي في لغة حداثية موحية صورا لموته ‘الافتراضي’، ويهتدي بالفنطازيا مطية فنية لاختراق هالة الموت، وتبديد المخاوف التي تحوم حول نهايتنا المحتومة في هذه الدار الفانية، وهو إذ يؤكد منذ السطور الأولى بأنه الميت المعنيّ، يكون كمن يستعين بحروز وتمائم تبطل سحرا وتردّ كيدا، فالغاية في النهاية ليست رفضا لفكرة الموت، بل اعتبارها من مقومات الوجود لا تكتمل حياة المرء إلا بها. (*)كاتب تونسي يقيم بباريس.

باريس في 22 يونيو 20111 منشورات اتحاد كتاب المغرب – 72 ص من القطع المتوسط. 20112 في رواية ‘الأرض الطيبة ‘ لبيرل باك، لا تفتأ الأم تعدد مساوي طفلها الخَلقية وترفع رأسها إلى السماء تخاطب الملائكة، لاعتقادها أن الملائكة تختطف أرواح حسان الصورة، وتغضّ الطرف عما دون ذلك. 3 جاء في هامش القصتين الأوليين: ذاك الذي بات يعرف أن هذا حدث مساء… ذاك الذي بات يعرف أن ذلك سيحدث صباحا، اسمه أنيس الرافعي… تأكدوا من ذلك. ( ص 9 ) انظر مثلا رواية ‘مذكرات شيهم’ للكنغولي ألان مابَنْكو. منشورات سوي، باريس 20054

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية