رأي القدس تتسم العلاقات المصرية ـ الاسرائيلية بنوع من البرود هذه الايام يزداد يوماً بعد يوم. فالمجلس العسكري المصري لا يريد اي مواجهة دبلوماسية مع اسرائيل بسبب تركيزه على الاولويات الداخلية، ومن بينها ترتيب البيت المصري دستورياً، والاعداد للانتخابات التشريعية، اما حكومة بنيامين نتنياهو فترى ان اي تصعيد مع مصر قد يؤدي الى توتر عسكري، خاصة في سيناء وقطاع غزة، يتطور الى اضطرابات امنية سيكون من الصعب تطويقها.
الاختبار الابرز للعلاقات بين الجانبين بعد انتصار الثورة الشعبية وسقوط نظام حسني مبارك الحليف الاقوى لاسرائيل، جاء عندما انتهكت قوات اسرائيلية السيادة المصرية في سيناء وقتلت خمسة جنود قرب الحدود مع قطاع غزة. الرد الرسمي المصري جاء منضبطاً يعكس رغبة في تطويق الازمة بسرعة من خلال القبول باعتذار اسرائيلي زائف، والمشاركة في لجنة تحقيق لم تتشكل، واذا تشكلت لم تبدأ عملها. اما الرد الشعبي فجاء قوياً ومفاجئاً في الوقت نفسه عندما اقتحمت الجماهير الغاضبة مقر السفارة الاسرائيلية في وسط القاهرة واحرقت علمها وبعثرت محتوياتها.
الاسرائيليون يتلذذون في احراج اصدقائهم، واهانة جيرانهم، من خلال تصرفاتهم الاستفزازية التي تتسم بالغرور والعنجهية، فاقدام حكومة نتنياهو على اعتماد بناء اكثر من الف وحدة سكنية في مستوطنة جيلو في القدس الشرقية هوالمثال الابرز في هذا الصدد.
فاذا كانت الادارة الامريكية قد احتجت على هذه الخطوة الاسرائيلية المهينة، واعتبرتها وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي عرقلة للعملية السلمية، فان الحكومة المصرية لم تستطع الاستمرار في الصمت مثلما فعلت نظيراتها في زمن حكم الرئيس مبارك، ولم تتردد في ادانتها بكل قوة على لسان وزير خارجيتها محمد عمرو.
السيد عمرو الذي التقى نظيرته الامريكية في واشنطن يوم امس وصف التوسع الاستيطاني الاخير ‘بانه يفتقر لاي شرعية، ويشكل تحدياً اسرائيلياً جديداً وسافراً لاطراف المجتمع الدولي التي ترغب وتعمل من اجل استعادة المصداقية لمسار التسوية السياسية، وان تلك الاطراف تقع عليها مسؤولية مواجهة هذا التحدي’. كلمات السيد عمرو قوية، ولكنها لن تكون ذات قيمة حقيقية او تأثير فعلي، الا اذا اقترنت بالافعال على الارض، خاصة من قبل مصر الدولة العربية الاقليمية الاعظم والاكثر تأثيراً في المنطقة.
فغياب مصر الرسمية عن الفعل، وتلكؤها في مواجهة التحدي الاسرائيلي بنفسها، خاصة في زمن الثورة والتغيير الديمقراطي والسياسي الذي افرزته، سيعرض امنها الوطني للخطر، وشاهدنا كيف تعرض خط انابيب تصدير الغاز المصري لاسرائيل في سيناء الى النسف مجدداً، بعد بضعة اسابيع من تقديم السلطات المصرية مبالغ مالية طائلة لشيوخ العشائر لحراسته، بعد ان قيدتها اتفاقات كامب ديفيد عن ارسال اي قوات امنية وعسكرية كافية للقيام بهذه المهمة.
لا احد يريد مواجهة عسكرية بين مصر واسرائيل في الوقت الراهن، حيث تعيش مصر مرحلة انتقالية صعبة، ولكن ما يريده الشعب المصري الذي فجر ثورته وقدم الشهداء ثمناً لازاحة نظام ديكتاتوري فاسد، بل مغرق في الفساد، هو ان تستعيد مصر دورها وثقلها على الصعيد السياسي على الاقل، فالشعب المصري الذي يعتبر من اكثر الشعوب العربية تدينا ووطنية، لا يمكن ان يقبل بالاستيطان الاسرائيلي في القدس المحتلة او غيرها، بل لا يقبل مطلقا ان يظل المسجد الاقصى تحت الاحتلال الاسرائيلي، ويتعرض في الوقت نفسه للحفريات التي تريد تقويض اساساته تحت ذريعة البحث عن هيكل سليمان المزعوم.
مصر تستطيع ان تقود تحركاً عربياً لاجبار الولايات المتحدة الامريكية واوروبا على العمل بجدية لوضع حد لهذه الاستفزازات الاسرائيلية، ووضع هذين الطرفين امام مسؤولياتهما في هذا الصدد من خلال التحذير المباشر والقوي بوقف التنسيق الامني معهما، سواء على صعيد مواجهة الارهاب او الهجرة غير الشرعية.
نتمنى ان تفعلها مصر فقد طفح كيل الاهانات والاذلال من جراء هذا الاستفزاز الاسرائيلي غير المنضبط.