واشنطن ـ ا ف ب: عبر تركيزها على ملاحقة الارهابيين والقضاء عليهم عمدت وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية (سي آي ايه) الى التسلح او حتى التداخل مع المهمات الموكلة الى الجيش، لكنها بذلك تجازف باغفال اساس وجودها المتمثل بمهمات التجسس التقليدية.
والعملية التي نفذت في مطلع ايار/مايو لتصفية زعيم شبكة القاعدة اسامة بن لادن تعتبر دليلا على ذلك، حيث قامت وحدة من القوات الخاصة في البحرية بالهجوم لكن العملية تحديدا تمت تحت اشراف وكالة الاستخبارات التي تقوم مهمتها اساسا على جمع وتحليل المعلومات لتقدمها الى الحكومة الامريكية. ويقول ريتشارد كون الاستاذ في جامعة كارولاينا الشمالية ان ‘مكتب الخدمات الاستراتيجية (او اس اس) الذي كان قائما خلال الحرب العالمية الثانية وحلت محله سي آي ايه كانت خدماته تتركز على العمليات شبه العسكرية ومحاولة بث الفوضى خلف خطوط العدو. ان وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية لم تتخل عن هذا النشاط منذ ذلك الحين’. لكن عمل هذا الجهاز السري تغير منذ 11 ايلول/سبتمبر حيث اصبحت وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية تقوم بملاحقة ارهابيين في العالم واعتقالهم او حتى تصفيتهم. وفي باكستان فان الطائرات بدون طيار تديرها السي اي ايه ولو انه يتم توجيهها من الولايات المتحدة من قبل عسكريين في سلاح الجو. وفي افغانستان جندت الوكالة ثلاثة الاف افغاني لملاحقة المتمردين. وقال مايكل هايدن مدير الوكالة بين 2006 و 2009 ان ‘وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية لم تكن يوما اقرب مما هي عليه اليوم الى سلفها مكتب الخدمات الاستراتيجية’. وكتب الباحث رافاييل راموس في مقال للمركز الاوروبي للابحاث الاستراتيجية ان نقاط التباين الثقافية بين البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية الامريكية اختفت ‘لا سيما بفضل محللي سي آي ايه الكثيرين في العراق الذين شجعوا انبثاق ثقافة مشتركة’. من جهته يقول مسؤول سابق في الاستخبارات الامريكية ان نشاط وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية اصبح ‘عملانيا الى حد كبير’ منذ بدء ‘الحرب على الارهاب’. واوضح ‘بسبب الطبيعة الخاصة لهذه الحرب، اصبح العمل السري ياخذ حيزا كبيرا من طاقة الوكالة’. ورأى انه في مجال مكافحة تنظيم القاعدة فان تحول دور سي آي ايه شكل نجاحا قائلا ‘نقتل الناس بسرعة اكبر من قدرتهم على استبدالهم’. من جهتها قامت قيادة العمليات الخاصة في البنتاغون بارساء تعاون مؤسساتي مع عملاء سي آي ايه. لكن ذلك اثار مشاكل قانونية بحسب اتحاد الحريات المدنية. وخلافا لوكالة الاستخبارات المركزية الامريكية التي يمكن ان تنكر الحكومة عملياتها السرية فان الانشطة العسكرية للقوات الخاصة تخضع لاطار تشريعي الزامي اكثر. ويرى وزير الدفاع الامريكي ليون بانيتا ان هذا التداخل بين القوات الخاصة ووكالة الاستخبارات المركزية الامريكية يعطي الرئيس ‘بعض المرونة’ في استخدام القوة. وما يثبت هذا التداخل ان وزير الدفاع الحالي كان سابقا مديرا لوكالة الاستخبارات المركزية الامريكية. وقد حل محله على راس سي اي ايه ديفيد بترايوس الجنرال الذي تقاعد لتوه. من جهته خلف بانيتا في البنتاغون الوزير السابق روبرت غيتس الذي امضى 27 عاما في وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية. لكن المخاطر وراء ذلك هو ان تغفل سي آي ايه سبب وجودها وهو العمل الاستخباراتي. وقال روبرت غيتس قبل مغادرته البنتاغون في نهاية حزيران/يونيو ‘رغم اننا شهدنا على المستوى التكتيكي والعملاني تقدما فعليا وابتكارا، الا انني ابقى قلقا ازاء نوعية استخباراتنا على المستويين السياسي والاستراتيجي’. وتحدث المسؤول السابق في الاستخبارات ايضا عن الحاجة الى التنبه ‘لخطر الانهماك بعمل الاستخبارات وعدم اعطاء ما يكفي من الانتباه للتحليل والتجسس الاعتياديين’. وقال ريتشارد كون ان المخاطر بالنسبة لواشنطن هي ‘الا تتوقع حصول التطورات الحاسمة في العالم’. ومن خلال تركيزها على الارهابيين واغفالها الشعوب بمجملها، لم تتوقع الولايات المتحدة ظهور ‘الربيع العربي’.