عسى أن تكرهوا ‘دولتهم’ وهي حل لكم

حجم الخط
0

مالك التريكي

يؤيد كثير من المثقفين والسياسيين الليبراليين في بلاد الغرب قيام دولة فلسطينية ‘تعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل’ في كنف السلام. وكثيرا ما يعبر هؤلاء عن موقفهم في صيغة معادلة بين ‘حق إسرائيل في الأمن’ وحق الفلسطينيين في إقامة ‘دولتهم’. ولهذا فقد نشروا في الأسابيع الماضية مقالات فردية وبيانات جماعية تدعم مسعى محمود عباس إلى استصدار قرار من الأمم المتحدة بإعلان الدولة الفلسطينية. لكن لم يكن بينها ولو مقال أو بيان وحيد يضع المسألة في نصابها الصحيح، باعتبارها قضية تحرر وطني ضد آخر معاقل الكولونيالية الغربية (بصرف النظر عن أمانيّ القوة الاستعمارية ومزاجها الرسمي أو الشعبي الذي يغالي الخطاب الغربي في التذرع به تذرعا يثبت أنه خارج الموضوع!)، بل إن معظم ما نشر لا يعدو أن يكون تمرينا في محاولة استدراج إسرائيل وإغرائها بالقبول البراغماتي بفكرة السماح للفلسطينيين بإقامة ‘دولتهم’. لا على أساس الاستحقاق التاريخي، بل على أساس ‘عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم’. ماذا يقول هؤلاء الغربيون الطيبون؟ يقولون لحكام إسرائيل إن كثيرا من الدول والشعوب أصبحت تحمل عنكم انطباعا بأنكم متشددون وغير مستعدين لتقديم ‘التنازلات’ اللازمة للتوصل إلى السلام. لكن حرصنا على دولة إسرائيل يجعل من واجبنا أن نصارحكم بأن إحلال السلام يستوجب تنازلات. نعرف أن هذه التنازلات سوف تكون ‘أليمة’، لكن ليس هناك من حل آخر. فإما أن تقبلوا قيام دولة فلسطينية ‘تعيش جنبا إلى…’ وإلا فستنغلق آفاق الحل السلمي تماما. وإننا قلقون على مصير إسرائيل لو بلغت الأمور هذا الحد. ويقول بعضهم، لمزيد من التوضيح، إن ‘حل الدولتين’ هو، بكل بساطة، في مصلحة إسرائيل، لأن انعدام حل الدولتين لا يترك من حل تاريخي آخر سوى الدولة الواحدة التي سوف تجعلها ‘القنبلة الديمغرافية’ الفلسطينية أمرا حتميا. وقد كتبوا أخيرا يقولون إن من ‘الحيوي’، أكثر من أي وقت مضى، بالنسبة لإسرائيل ‘أن تفتح ذراعيها للدولة الفلسطينية’. لماذا؟ أولا لأن ‘الربيع العربي’ (حسب العبارة السائدة غربيا) قلب الموازين الإقليمية الموروثة من فترة تصفية الاستعمار، بحيث أن بروز نخب سياسية عربية تعشق الحرية والديمقراطية قد أصبح يمثل بالنسبة لإسرائيل ‘الديمقراطية’ فرصة تاريخية لفتح علاقات جديدة مع جيران سيكون قادتهم في المستقبل ذوي ثقافة سياسية أقرب إلى ثقافة إسرائيل. ويضيف هؤلاء ‘لكن خلطة الأوراق الجديدة في العالم العربي تمثل، ولنكن صريحين، النهاية المبرمجة للتعاطف الذي كانت تحظى به إسرائيل حتى الآن لدى كثير من أنصارها الغربيين، بحكم ما كان يبدو من التعارض بينها وبين دكتاتورية الأنظمة العربية المجاورة. فلا يستبعد إذن أن يأخذ هذا التعاطف مع إسرائيل في التناقص’. أما السبب الثاني، فهو أن إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للبقاء قد أصبحت ملموسة أكثر من أي وقت مضى، حيث أن البنك الدولي وصندوق النقد يقدران أن لدى السلطة الفلسطينية مؤسسات تليق بدولة فعلية. كما يلاحظ الدبلوماسيون الغربيون أنه يوجد في ‘فلسطين’ (أي الضفة الغربية) قدر أكبر من وظائف الدولة الكبرى – مثل الحوكمة، والميزانية والأمن – مما هو متوفر في عدد من الدول القائمة. السبب الأخير، وهذه هي قمة محاولة الإغراء الغربي لإسرائيل، هو أن الاحتجاجات الشعبية التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ إسرائيل، والتي تضع التوازنات الاقتصادية والاجتماعية موضع السؤال في بلد تمثل النفقات العسكرية 8 بالمئة من ناتجه المحلي، إنما تبين أن تحقيق السلام مع الفلسطينيين سوف يكون أحد محركات النمو الاقتصادي الذي يسهل، بدوره، بروز نموذج اجتماعي أكثر توازنا ونجاعة.

هذا هو أشجع موقف يمكن أن يجود به الغرب عندما يخاطب إسرائيل: عسى أن تكرهوا أن يكون للفلسطينيين ‘دولتهم’، وهي حل تاريخي بخس الثمن لكم! والطريف أن بنية هذا الخطاب لا تعبأ ولو بمحاولة التستر على تحيزات أسطورية غربية مأخوذة مأخذ البديهيات: هكذا لا يحضر عدو إسرائيل في هذا الخطاب إلا أعزل من كل شيء، حتى من… الاسم. لذلك يوسم بـ’الفلسطينيين’، تشتيتا للمعنى الوطني أو تشكيكا فيه. أما الدولة، فيشار إليها بـ’دولتهم’، حشرا للمعنى الكياني في جحر خصوصية تهميشية لا تتجاوز بعد الملكية العقارية الافتراضية المتوقفة على سلطة المنح والمنع الإسرائيلية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية