حال الكوكب ‘الوحدوي’ الليبي تحت إمرة معمر القذافي!

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياب

نبدأ بقصة فصل ستة من الباحثين والكتاب والإعلاميين من العمل في وزارة الإعلام الليبية عام 1973. وأذكر منهم أستاذ الإدارة ورئيس المركز العربي للإدارة والتنمية بالقاهرة حاليا؛ صلاح الدسوقي، وهو نفسه الذي حوكم في ثمانينات القرن الماضي في قضية عرفت إعلاميا بقضية التنظيم الناصري المسلح، والإذاعي والكاتب الراحل محمد أبو الفتوح، والإذاعي المخضرم خفيف الظل صبري ياسين، وجاء ترتيب كاتب هذه السطور الثاني في قائمة المفصولين، واستمر سبب الفصل مجهولا حتى انجلى الموقف، وظهر من أفشى السر لصدفة أتت به في لحظة مناسبة فاطلعته على ما جرى من تفاصيل من مصدرها المباشر. جاء قرار الفصل استجابة لطلب أنور السادات، وحمله المسؤول عن ملف اتحاد الجمهوريات العربية عبد القادر حاتم نائب رئيس الوزراء ووزير الإعلام والثقافة المصري الأسبق؛ في أثناء زيارة له لطرابلس لبحث شؤون ذلك الاتحاد الوليد، في ربيع 1973. وقبيل مباحثاته مع نظيره وزير الإعلام الليبي الأسبق أبو زيد عمر دوردة التقى العقيد معمر القذافي، وتطرق إلى المشاكل التي يواجهها الاتحاد، ومن بين المشاكل ما قال عنه من وجود مصريين يعكرون صفو السادات وينظر إليهم كعقبة تعطل مسيرة وتطور الدولة الاتحادية! رد القذافي إذا كانت مشكلة اتحاد الجمهوريات تحل على جثث عشرة أو عشرين شخصا فهذا أمر يسير. وحمل حاتم هذا التصريح إلى نظيره الليبي، وانتهز الفرصة ليملي عليه الأسماء الستة، وكانت رخصة أولى بدأ بها مخطط التضييق على الوحدويين من كل الجنسيات العربية، بمن فيهم سعوديون، إضافة إلى الليبيين، وبدلا من توفير الحماية لأولئك العاملين فصلوا من العمل. وحتى لو كان القذافي يخاف السادات لهذه الدرجة ويحسب له كل هذا الحساب، كان يستطيع أن يتعامل مع طلبه (أي السادات) بطريقة أكثر اتزانا وتحضرا وإنسانية، ويعلم أن أربعة من أولئك العاملين الستة جاءوا إلى ليبيا بناء على طلب المسؤولين فيها وبإلحاحهم، ولم يحضروا بحثا عن عمل أو طمعا في ثروة.. وكان من الممكن منحهم مهلة يرتبون فيها أوضاعهم ثم يتركون ليبيا كما جاءوا في هدوء. ولأن القذافي بطبيعته لم يكن وحدويا ولا عروبيا تصرف على هواه، الذي لا يقيم وزنا لأقدار الناس ولا لقيمتهم. وهنا تحضرني قصة شاب ليبي متفوق ونابه، عمل معيدا بجامعة بنغازي (سميت جامعة قار يونس في ما بعد)، وكان ممن يُوليهم معمر القذافي اهتمامه الخاص ويعدهم بنفسه لتبني آرائه وطروحاته، وكان ذلك المعيد يرتاح في الحديث معي. وجاءني يوما في أعقاب لقاء مغلق مع معمر القذافي.. وهو في حيرة من أمر ذلك الرجل وخطاباته التي تتحدث عن الوحدة وتحرض الناس على فرضها بالقوة، وقال أتَذْكر المسيرة الخضراء سنة 1973 لفرض وحدة مصر وليبيا على السادات، وكانت مسيرة حاشدة تصدى لها السادات بالقوة عند سيدي براني قرب الحدود المصرية الليبية ولم يسمح لها بالوصول إلى القاهرة أو إلى أي مدينة مصرية أخرى؟ بعدها داوم الاجتماع بهم يحرضهم على العرب، ويقول لهم ‘غدوة ياما حيجيكم من العرب’. وسألني ماذا يفعل أمام هذا التناقض الذي يصل إلى درجة الانفصام ويمزق نفوس الشباب؟.. قلت عليك أن تثبت على موقفك، وأنت في مقتبل حياتك وما زال الطريق أمامك طويلا.

وتدور الأيام ويأتي ذلك الشاب الواعد لزيارتي في لندن، ويطلب استعارة آلة كاتبة لكتابة رسالة، ووفرتها له، وأغلق على نفسه غرفة جانبية، وبعدما أنهى كتابة ما يريد يبدو أنه جمع أوراقه على عجل، ونسي الصفحة الأخيرة مما كتب، وكانت جزءا من منشور يدعو للثورة باسم ‘جبهة الخلاص الوطني’ على ما أذكر ولم أصرح بهذا الموضوع لأحد، ولم أفتحه مع صاحبه مطلقا، مع أننا تقابلنا مرارا وتكرارا؛ كان آخرها في القاهرة من عدة سنوات. ولم أطلع أحدا على هذا السر حتى نشر هذه السطور، ولن يفاجئه النشر، بعد أن أصبح آمنا، ولا خوف عليه الآن، وشغل ذلك الشاب مناصب صحافية وأكاديمية ودبلوماسية عدة؛ كان آخرها سفيرا في بلد عربي.

وبدلا من أن يكون القذافي ‘الوحدوي’ سندا وعونا للوحدويين العرب صار عبئا ووبالا عليهم؛ تخلى عن كل مسببات القوة، وتبنى عناصر وقوى وأفكارا ومواقف مدمرة لكل فكرة أو شكل أو صيغة اتحادية أو وحدوية، وانتهز فرصة قيام دولة اتحادية جمعت مصر وسورية وليبيا، فأماتها قبل ولادتها، وكان دائما يوجه اللوم إلى غيره، ومن يقيم دولة اتحادية على أشلاء المؤمنين بها وأنصارها ومؤيديها والمدافعين عنها لا أمان له!. وتوالت عمليات التضييق المنظمة والممنهجة. وكنت من بين من اكتشفوا مبكرا التلاعب بالعواطف وبالأهداف النبيلة والإنسانية، وإيكال تنفيذها إلى أعدائها، فقَطَّعوا أوصال الأمة ومزقوها وأضعفوها، وكل المشروعات التي دعى إليها وساهم فيها القذافي؛ فرقت وأضعفت أكثر مما كتلت وقوَّت. ناور السادات بدولة الاتحاد لعلها تعفيه من دخول الحرب، لكن الضغط الشعبي فوت عليه الفرصة، ولما انتصر وظفها على عكس ما هدفت إليه، فكانت النتائج وخيمة، وكما أضاع حلم دولة الاتحاد انتكس بنصر اكتوبر واتخذه طريقا للاستسلام لشروط رُفضت، مع الصمود في وجه الهزيمة. وبدلا من أن يكون النصر العسكري مصدر قوة للدولة الاتحادية الوليدة جاء إيذانا بفصم عراها؛ بداية من تجاهل طرفيها المصري والسوري لشريكهما الليبي؛ لم يخبراه بتفاصيل خطتهما ولا ساعة الصفر المحددة للمعركة. وتعزز ذلك بتسويغ كل ما هو انعزالي وانفصالي وطائفي ومذهبي، ومعها دخل الوطن العربي إلى حقبة من أسود الحقب.. وكان هذا الدخول على حساب دور مصر وعزلها عن محيطها العربي وامتدادها الإسلامي والافريقي، وإشعاعها الآسيوي واللاتيني.

ونعود إلى ما حدث لأولئك الستة المفصولين من العمل، فقد جرت العادة أنه عند فصل ‘المغترب’ (هكذا كان يعَرَّف الموظف الحكومي غير الليبي) من عمله تتاح له فرصة العودة من حيث أتى، أو يسمح له بالخروج إلى مكان آخر، وجاءت التجربة الشخصية معاكسة لذلك تماما؛ لم تتم تصفية المستحقات، ولم يُخل طرفي، ولم يصرح لي بالمغادرة. وبعد خمسة شهور من الشد والجذب والانتظار كتبت لوزير الإعلام أشكوه لنفسه، وقلت له ما أود قوله، وأغضبه ذلك واشتكى لصديق مشترك، وكان ذلك الصديق وقتها محافظا لبنغازي وفي زيارة خاطفة لطرابلس.. قال للوزير إذا كان قد كتب ما لم ترضه فالأفضل أن تسمع منه مباشرة، ومن استطاع ذلك كتابة قادر على توضيح وجهة نظره شفاهة، ويبدو أن الوزير شعر بالحرج من ضغط ذلك الصديق المشترك فحدد لي موعدا للقائه في السادسة من مساء اليوم التالي للقائهما. وذهبت وانتظرت من السادسة إلا ربعا عصرا حتى الثامنة والربع مساء، بعدها طلب سكرتيره الخاص مني الحضور في الحادية عشرة من الصباح التالي للموعد الملغي، فتحججت بانشغالي واعتذرت عن العودة مرة ثانية، وذهبت للصديق أحكي له ما دار فقال لقد قمت بما يجب أن تقوم به. وصُرفت المرتبات المجمدة، وما هي إلا أيام حتى وصلت ‘الثورة الشعبية’ إلى الإذاعة والتلفزيون، وجاء من حملني إلى هناك، وبدأت عملي في قسم الأخبار والشؤون السياسية، وكانت فترة أخرى من العمل في الإذاعتين المسموعة والمرئية، وفيها رأيت وواجهت أساليب وطرق تعامل معمر القذافي مع أجهزة الصحافة والإعلام؛ فهو يتدخل في كل صغيرة وكبيرة. وغابت المعايير واختفت أي مساحة للإبداع والاجتهاد والتطوير، ورغم تدخله المستمر وتنفيذ القائمين على تلك الأجهزة لكل ما يريد ويطلب كان يصب جام غضبه على الصحافة والإعلام والعاملين فيه بشكل دائم.

وحدث أنني كنت أجلس في منزلي مساء؛ فجأة انقطع الإرسال المسموع والمرئي، وتصورت أن عطلا أصاب جهاز التلفزيون، ووجدت الجيران على نفس الحال، والقلق مرتسم على وجوههم، وذهبت إلى الإذاعي والإعلامي الراحل حسني الحديدي، وكان يسكن بالقرب مني في نفس الحي؛ ذهبت مستطلعا. وقال كل منا للآخر إن قطع الإرسال المسموع والمرئي في بلادنا يحدث لمصيبة كبرى أو انقلاب عسكري أو ثورة عارمة، إذن ماذا هناك يؤدى لقطع الإرسال؟ قال فلنذهب إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون على الشاطئ لنعرف الموقف عن قرب، وكنا نحمل بطاقات تعريف تسمح لنا بالدخول، ووصلنا لنجد جموعا غفيرة تحيط بالمبنى بدون أن يخرج مسؤول يرد على أسئلة الحشود الحائرة، وداخل المبنى وجدنا مدير الأخبار والشؤون السياسية مستندا إلى حائط وفي حالة تشبه الانهيار، وسألنا عن سبب وقف الإرسال؟ وعرفنا السبب ومع ذلك لم يبطل العجب!. كان ذلك اليوم هو يوم تأميم شركة النفط البريطانية المعروفة بالـ’بي بي’ في ليبيا، والقرار صدر عن وزير النفط، وحين تم بثه جاء في الترتيب الخامس بين الأخبار، ونظام تسلسل الأخبار حسب الوزن والوظيفة، وليس الأهمية أو القيمة، وقسم الأخبار لديه جدول بأولوية الأخبار ومصادرها؛ يبدأ برئيس مجلس قيادة الثورة والقائد العام للقوات المسلحة، يليه رئيس الوزراء وعضو مجلس قيادة الثورة، ثم رئيس الأركان وعضو مجلس قيادة الثورة، وتتبعها الأخبار المتعلقة بباقي أعضاء المجلس، وصدور قرار التأميم من وزير النفط وضعه في الترتيب الخامس، ولما استمع العقيد القذافي لأخبار الثانية والنصف ظهرا لم يعجبه أن يأتي خبر التأميم في المرتبة الخامسة، وأبلغ المسؤول بوضع خبر التأميم في صدارة النشرات التالية، وبنهاية نشرة الظهيرة عادة تنتهي الفترة الصباحية، ويتسلم مناوبو المساء مهمتهم من الثالثة مساء حتى الحادية عشرة ليلا، ونسي مناوب الفترة الصباحية إبلاغ زميل الفترة المسائية بالتعليمات الجديدة، وجاءت نشرة التاسعة مساء وبقي الخبر بنفس الترتيب، واستشاط معمر القذافي غضبا، وأصدر أوامره بالقبض على المتسببين، وأمر بإغلاق الإذاعتين المسموعة والمرئية ووقف بثهما، وحين حضرت الشرطة العسكرية للقبض على المتسببين، كان بعضهم قد هرب، وحين أراد القذافي إصلاح الخطأ أصدر تعليماته مجددا باستئناف الإرسال، والفنيون والمهندسون المعنيون بالتشغيل الذين فروا لم يعثر عليهم أحد، وحين عُثر على من يُعيد الإرسال كانت الساعة قد اقتربت من الثانية صباح اليوم التالي. وكانت البلبلة قد وصلت إلى أقصى مداها، واستمر الإرسال بدون انقطاع تغطية لما حدث!’ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية