سليم عزوز
أشعر في هذه الأيام بأن المخزون الاستراتيجي من الضحك قد أُستنفد، حتى صار الضحك في ندرة اليورانيوم المخصب، ومع هذا فقد ضحكت، وأنا أشاهد السيد وزير الإعلام المصري يقوم بدور السيد ناظر المدرسة ويطلب من وسائل الإعلام التهدئة في معالجة الأحداث الطائفية بمنطقة العمرانية بمحافظة الجيزة.
يوم الأربعاء الماضي اندلعت شرارة الأحداث، ووجدتها الفضائيات رمية بغير رام، لتنصرف بتغطيتها عن الحصار المفروض عليها في تغطية أحداث الانتخابات، التي قرر الحزب الوطني الحاكم أن تكون معركة حياة أو موت، لدرجة انه تعامل مع أحكام القضاء التي صدرت للخصوم على انها مقالات رأي للاسترشاد، فرفض تنفيذها، مما يجعلنا أمام برلمان باطل، قبل أن يتشكل، وفي عهد الرئيس مبارك حكم القضاء ببطلان ثلاثة برلمانات.. والبقية تأتي!
أحداث العمرانية، كانت بسبب تظاهر عدد من المسيحيين، أمام محافظة الجيزة، احتجاجا على قرار صدر بوقف البناء في كنيسة، وتم استخدام العنف من قبل المتظاهرين، فأصيب عدد من الضباط، وقتلت موظفة بالمحافظة، ولم يقف الأمن مكتوف الأيدي بطبيعة الحال، فسقط عدد من المتظاهرين.
الأمن كان يحمي قرار المحافظ، والمحافظ كان قراره من الناحية القانونية سليما، فقد أصدر ترخيصا لبناء مجمع للخدمات، وليس لكنيسة، والمتظاهرون معذورون لأنهم مضطرون الى هذا التحايل، للعنت الذي يلقونه في عملية بناء الكنائس، وهم جربوا من قبل استخدام القوة في مواجهة السلطة، فوجدوا تراخياً أغراهم بالمزيد.
كل طرف يمارس المناورة في التعامل مع الطرف الآخر، فقرار البابا شنودة لأتباعه بأن أصواتهم الانتخابية هي لمرشحي الحزب الحاكم، سواء الرئاسية أو البرلمانية. وفي الانتخابات التي جرت في سنة 2005 رشح حزب التجمع المعارض مسيحياً في احدى دوائر محافظة المنيا، كما رشح حزب الوفد صديقنا طلعت جاد الله في احدى دوائر محافظة القاهرة، ولم يصوت المسيحيون لهما، فقد انتخبوا مرشحي الحزب الحاكم.
والبابا شنودة نفسه لا يكف عن تأييده لجمال مبارك بعد حكم والده، إلا ليستلم منه الراية الأنبا بيشوي، فيؤكد تأييده لجمال مبارك وللرئيس مبارك، وبدون طلب من احد.
وفي المقابل فان الدولة المصرية تتخلى عن سلطانها للكنيسة، فإذااعتنقت زوجة كاهن الإسلام وهربت، تم تسليمها للبابا، ليتم اعتقالها في احد الأديرة مخالفة لكل القوانين الإنسانية.
وهذا لا يمنع من ان تتعسف الحكومة في مسألة بناء الكنائس، فلا يجد المسيحيون مناصا من التحايل على هذا، باستصدار قرار بالترخيص ببناء مجمع خدمات، ليفاجأ الناس ذات صباح بأنها أصبحت كنيسة، مخالفة للقانون، وفي المقابل تغض الكنيسة الطرف عن أقباط المهجر الذين يشنون هجوما ضارياً على السلطة التي تذبح المسيحيين على النُصب!. ومثلي يندهش لهذا التعسف الحكومي، الذي يصل في كثير من الأحيان الى رفض ترميم دورة مياه بكنيسة!
تعلمون حضراتكم أنني خضت الانتخابات في الدورة الماضية وسقطت بإرادة الناخبين.. حيث كنت أنا وخالد محيي الدين زعيم حزب التجمع من سقطنا بدون تزوير.
أثناء الدعاية الانتخابية جلست مع احد القساوسة وشكا لي من أن كنيسته آيلة للسقوط، وان قدميه حفيتا وراء نائب الحزب الحاكم من اجل أن يجلب له قراراً بترميمها، ودعاني الرجل لإلقاء كلمة على الحاضرين في الكنيسة، وخطبت فيهم عشر دقائق، قاطعوني فيها بالتصفيق الحاد أكثر من عشر مرات، وكانت الكنيسة في وضع مزر، الى درجة أنني خشيت أن تنهار على رؤوسنا من حدة التصفيق، وفي لجنة الفرز فوجئت بأني لم احصل على صوت واحد في لجنة هذا الكاهن، وسألت وعلمت أن تعليمات صدرت بعد هذا اللقاء من البابا بتجديد الثقة في مرشح الحزب الحاكم، ولا تزال الكنيسة على حالها حتى الآن!
عشية أحداث الجيزة كان نجم الـ ‘بي بي سي’ عمرو عبد الحميد يقدم برنامجاً عن المسيحيين والانتخابات، بمناسبة الانتخابات البرلمانية التي تشهدها مصر هذه الأيام، وميزة عمرو انه مستوعب للموضوع، وهناك كلام معاد ومكرر وكأنه مقرر دراسي يقال في مثل هذه المناقشات، وهو ان المسيحيين سلبيون، وعليه يتقرر مناقشة سر عزوفهم عن العمل السياسي، وهذا ليس صحيحاً على الأقل في العشر السنوات الأخيرة، وهو ما كان مقدم ‘بي بي سي’ ملماً به، فلم يناقش القضية وفق هذا المقرر.
وقد تعرض البرنامج لظاهرة جديدة نوعا ما في هذه الانتخابات، وهي الخاصة بالكنائس التي فتحت على مصراعيها لتكون ضمن وسائل الدعاية لمرشحي الحزب الحاكم، لاسيما النجوم منهم، كما حدث في دائرة الدقي حيث تخوض الانتخابات عن الحزب الحاكم الدكتورة آمال عثمان الوزيرة السابقة، وكما حدث في الإسكندرية مع وزيري شؤون البرلمان ووزير التنمية المحلية، وكما حدث في مسقط رأسي مع وزير الري.
ويبدو تعنت حكومة الحزب في مسألة بناء الكنائس غريبا، في وقت تؤيد فيه الكنائس مرشحي الحزب الحاكم، وذريتهم من بعدهم!
القانون يمنع استخدام دور العبادة في الدعاية السياسية، والدستور يمنع استخدام الرموز الدينية في الانتخابات، لكن إقرار هذه النصوص لم يكن مرده إلى ان اهل الحكم ينحازون للدولة المدنية، ولكن لأنهم يحاصرون الإخوان المسلمين، حتى يحتكروا هم الدين لصالحهم!
تلفزيون الريادة الإعلامية يقيم الدنيا ولا يقعدها هذه الأيام ضد استخدام الجماعة المحظورة (هكذا يطلق عليها الإعلام الرسمي) الدين في السياسة، لكن لا احد يتكلم عن استخدام الحزب المحظور أيضا للشعارات الدينية ولرجال الدين ولدور العبادة في معركته الانتخابية!
ما علينا، فالأحداث التي شهدتها محافظة الجيزة، لم تكن بين المسلمين والمسيحيين، كما سعى الإعلام الرسمي أن يصورها، وعليه طالب وزير الإعلام انس الفقي من الفضائيات التهدئة. ومن المؤكد، وفق سياسة الأمر الواقع، أن دار الخدمات في الجيزة ستتحول إلى كنيسة، ومن المؤكد أن أول مؤتمر سياسي داخل الكنيسة سيكون بعد اقل من عام من الآن لتأييد الرئيس مبارك في الانتخابات الرئاسية.
في فرحهم منسيون، وفي حزنهم مدعوون.
من قلب المعركةتحولت الانتخابات البرلمانية في مصر إلى معركة حقيقية تشهد كراً وفراً، وهي والشهادة لله بين الحزب الحاكم والإخوان المسلمين، وتبدو المعارضة الرسمية، خارج المنافسة، وسوف تحصل على مقاعد بالتزوير، وفق صفقات معلومة للكافة.. فالحزب الحاكم يؤمن بأن من يأكل لوحده ‘يزور’ لذا فهو يزور لنفسه وللمعارضة المستأنسة!
في هذه الأيام نشاهد ندوات بتلفزيون الريادة الإعلامية يشارك فيها ممثلون عن أحزاب المعارضة، بشكل يوحي كما لو كنا أمام مشهد ديمقراطي حقيقي، لكن المتابع يعلم أن الذين يحتلون مقاعد المعارضة هم صناعة حكومية في الأصل والفصل، فالسلطة في بلادنا، وبلاد العالم الثالث عموما، لا تكتفي بتعيين الوزراء وتشكيل الحكومة، فهي في الوقت ذاته تنصب زعماء المعارضة، وتختار المعارضين، بقرارات تنشر في الجريدة الرسمية!
في برامج التلفزيون يتحاشى المقدم ذكر اسم الجماعة، ولو من بعيد، فلا ينعتها بما عرفت به ‘الجماعة المحظورة’، ولكنه يقول ‘الجماعات غير المشروعة’، مع أن من ينافس الحزب الوطني هو جماعة واحدة غير مشروعة.. جماعة غير مشروعة في مواجهة حزب غير مشروع.. فالحزب والجماعة ليس معهما ترخيص من لجنة شؤون الأحزاب، ويمارسان نشاطهما استنادا إلى شرعية الأمر الواقع.
ذكرني هذا برئيس تحرير لصحيفة قومية كبرى، وقت أن كانت المملكة العربية السعودية لا تذكر في الخطاب الإعلامي المصري إلا في إطار من التفخيم والتبجيل، وقد ألقي القبض في مطار القاهرة على هارب من العدالة وهو عائد إلى مصر بعد أداء العمرة، وقد امسك المبجل رئيس التحرير بقلمه الفتاك وأعاد كتابة الخبر قبل نشره، فكشف عن عبقرية فذة إذ كتب: ‘كان يؤدي العمرة باحدى الدول العربية’.. من المؤكد أنها بنغلاديش!
ممثلو المعارضة الذين يشاركون في برامج تلفزيون الريادة الإعلامية بدلاً من ان يصبوا جام غضبهم على الحزب الحاكم منافسهم الحقيقي ولو نظريا، يجاملون الحزب بالهجوم على الإخوان.
إنها المعارضة المعينة بقرار رئاسي.
حصار بي بي سييبدو ان الحكومة المصرية غاضبة هذه الأيام على أداء فضائية ‘بي بي سي’. ومنذ أيام كان مكتب القاهرة قد قرر بث برنامج على الهواء، عن الانتخابات البرلمانية التي تشهدها البلاد، وتم حجز الأستوديو، ودفع المستحقات المالية المطلوبة، وفي الموعد المحدد جاء القرار بإلغاء الحجز بناء على أوامر أمنية!
ماذا فعلت المحطة المذكورة لتغضب أولي الأمر منا؟ في الواقع انها لم تفعل شيئاً، فكل ما هنالك ان جماعتنا يريدون ان يزوروا إرادة الشعب المصري بعيداً عن الأضواء الكاشفة.
لا بأس ففي يوم الانتخاب سأضبط جهاز التلفزيون على قناة ‘الحرة’ فبحسب نشرة ماري زعرب، ان القناة ستقدم تغطية شاملة لها، وللدوائر الملتهبة بالذات، وان كنت على يقين من ان أهل الحكم من الممكن ان يوقفوا البث، ويطلبون رأس مدير المحطة في واشنطن، ليس لأنهم في لحظة استقلال وطني نادرة، ولكن لأن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية هو عبد الله الضعيف أوباما!
صحافي من مصر[email protected]