لماذا تنظر الكويت للعراق على انه المانيا؟

حجم الخط
0

للإخوة في دولة الكويت الشقيق مذهبٌ فريدٌ في الإعراب عن الصَفْح وتناسي جراح الماضي وطيِّ سجلّه الأليم، مذهبٌ أراهم استلهموه من روح الصحراء العربية الموحشة بمفازاتها المميتة وسراباتها القواتل واستقوه من فكر البداوة ونزق البسوس ومساومات داحس والغبراء، فذهنية الجهابذ من صانعي القرار الكويتي تنطوي بلا ريب على مقدار وفير من الدهاء والحيلة والحِنكة السياسية، لقد تفتّقت بُنات أفكار مستشاري الديوان الأميري عن حُلمٍ جهنميٍ انتحاريٍ يُلزم الأخيرة بِأن تبقى أبد الآبدين ممسكةً بفتيل القنبلة المشدودة إلى خاصرتها وسط شواظ النار وشرارها المستعر، وأن تحرق من خلفها كل الجسور وتهدم آخر القناطر.

لكويتنا عقلية قبليٍّ، تسمّرت عقارب الساعة وفق حساباته عند الثاني من آب 1990 فجعل من حياته مطيّةً لإفظع حقدٍ يمكن أن تحمله أمة ضد جارتها الأزلية، ترفض التسامح وتُصِرُّ على نسف المستقبل الواعد بتفخيخ الحاضر المُكفهر، كويت العَنَتِ فقدت الاحساس بجريان الزمن وابعاد المكان، خَدَرُ الجنرال شوارتزكوف لم يزل ونشوة النصر تطيش ببوصلة القرار ورجاحة الرأي، آب النحس ولّى وزال عن فيلكة والجهراء والسالمية منذ ما يقرب العقدين واستوطن للأبد الرصافة والأعظمية، ما زالت الكويت رهينة طقس عاصفة الصحراء وحرب التحرير التي قلّمت براثن’الوحش العراقي’ وطاردته حتى العرين، مُعيدة سمو الأمير ورهطه من صعلكة التشرد الى مهابة العرش حانقين غاضبين موتورين منتشين بكأس المجد المصنوعة في فلوريدا.

ولعل الكويت ترى في العراق صنواً لألمانيا النازية وتفترض تشابه الجُرم والدعوى وتماثل القضية والضحية وتُقيم شرعية مطالبها على أساس حقها المكتسب في إرغام المجتمع الدولي على الاستمرار بوضع العراق تحت طائلة البند السابع بوصفه دولة تهدد الأمن والسلم والعدل الدولي مع ما يترتب على ذلك من الغُلوِّ في استنزاف موارد العراق وثرواته وتعطيل نهضته وتنميته بذريعة التعويضات ومحو آثار الغزو، ورغم أننا نُكِنُّ أصدق مشاعر الأسف والتعاطف العميق لضحايا الاجتياح الغادر وما ذاقه شعب الكويت من رزايا ومِحن، فإنَّ ثمة العديد من أوجه الاختلاف الصارخ بين القضيتين ما يفند المزاعم الكويتية ويبرهن تهافت حججها.- لم يأت الرايخ الالماني الثالث على أبراج دبابات نزوة عسكرية أو بقوة غاشمة، بل عبر صناديق الاقتراع التي فركتها الديمقراطية الغربية فخرج منها مارد هتلر ولفيفه من النازيين (انتخابات عام 1933)، ومثله موسوليني في ايطاليا، كِلا الرجلين تسلقا السلطة بالتداول السلمي والاقتراع العام الحر المباشر، وكلاهما وضع الدواليب المشتعلة في عنق البشرية وأغرقا المعمورة في بحر دماء وعذاب ومجازر، فكان حقاً على الألمان دفع ثمن الغلطة الرهيبة التي أوصلت سفاحاً كهذا إلى سدة الحكم، أمّا أن يُلزم العراق بتسديد فواتير نظام جاء من رحم انقلاب عسكري مدججٍ بالكراهية ومزمجراً بالاستبداد فهذا مجافاة للحق ومجانبة للصواب مما لا تقبله سليقة نقية او فطرة سليمة.- وهذا يُحيلنا إلى الاسباب المُفضية لبزوغ نجم التطرّف القومي في ألمانيا وايطاليا ويعطي درساً مجانياً للإخوة الكويتين مفاده ضرورة تفادي ترحيل الصراع الراهن الى الاجيال القادمة وتجنب الامعان في إذلال أهل العراق لإنَّ الضمير الوطني لا ينسى الإساءة، فالنازية لم تولد من الفراغ بل بلورتها عوامل الرغبة في استعادة الكرامة الالمانية المهدورة بفعل أحكام معاهدة فرساي الجائرة التي كبلت برلين بتعويضات طائلة لا قِبَلَ للشعب الألماني باحتمالها، ودفعته لحظة اليأس المطبق تلك للارتماء في أحضان متشددين جرّوا على العالم نكبات وكوارث، أفلا تخشى الكويت أن تتغير عناصر المعادلة الدولية لتجد نفسها تحت مطرقة النقمة العراقية؟ – بلغت أذرع الأخطبوط الاحتلالي الالماني مشارق الارض ومغاربها، ورزح تحت وطأتها مئات ملايين الناس من اعتاب موسكو في الشرق وحتى رينيه الفرنسية غرباً، ومن صحراء ليبيا في الجنوب الى جليد النرويج شمالاً، سنوات أربع أو تزيد بلغت فيها حمى القتل والتدمير أوجها وكشفت للإنسانية عن ميولها الدموية العنيفة، أويقارن ذلك بمساحة الكويت النُقَطيّة؟ أو بالأشهر السبع التي استغرقتها حماقة نظام صدام الصبيانية؟- وعقب اندحار المحور وانجلاء غبار المعارك بدا الحلفاء هذه المرة أكثر تعقلاً وحكمة، فتجنبوا الإيغال في إرهاق الأمة الألمانية بإعباء التعويضات (German Reparations) بل إنهم ذهبوا أبعد من ذلك بوضع ألمانيا ضمن برنامج إعادة بناء أوروبا الغربية المسمى مشروع مارشال (Marshal Project) ، وأما الكويت السعيدة فلا يبدو أنها تحفل بمأزق شعب حطمته الحروب وأرهقته العقوبات واستنزفه الإرهاب والفساد وتُصر بشكل يبعث على الدهشة على المضي قدما في استحصال ما تراه حقاً شرعيا حتى آخر فلسٍ عراقي مغمّسٍ بالدماء والدموع والعرق.

ويوماً بعد يوم تتعمق الهوة بين الشقيقين وتتسع شأفة الخلاف وتتفاقم الأزمة، ومشاعر العداء المتبادل تتغلغل كالعدوى السريعة داخل النسيج الاجتماعي لكلا الشعبين مهما حجبها رقيب كبريائنا القومي أو دواعي المجاملة الدبلوماسية، يغذي ذلك ويؤججه تباين هائل في مستويات المعيشة والدخل والرفاهية والاستقرار والتنمية وتقاطعات حادة في الرؤى والاهداف والتطلعات. وتبقى حقيقة الجوار الجغرافي الصعب رقماً عسيراً على التجاهل والتخطي.

ليث العبدويس[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية