من على منصة الانتصار على دم أبناء الشعب العربي الليبي – أطل ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا- وكأنه يستعيد مجد إمبراطورية من لا تغيب عنها الشمس- أطل بحماسة منقطعة النظير- لم يظهر فيها سابقاً- ليهتف للحرية التي نالها الشعب الليبي وبريق النفط في عينيه غير مصدق أن الناتو’حرر’ ليبيا- و الرئيس الفرنسي ساركوزي المدافع- السابق- الشرس عن ليبيا والعقيد القذافي ينتظر ليلقي خطبة ديمقراطية الموت التي حصدت أكثر من 50 ألفا من الشعب الليبي – والمفارقة أن هناك من كان يحتفي ويصفق للقتلة الذين دمروا ليبيا ليعيدوا إعمارها بالمال الليبي في صورة غرائبية فظيعة لا يفهمها حتى أعضاء المجلس الانتقالي أنفسهم- الذين بدوا كوزن الريشة في حفلة جنون أبطالها أحفاد المستعمرين الذين قسموا الوطن العربي في سايكس- بيكو ولم يزل بعض ‘العربان’ بالنواجذ والأظافر يحرس التقسيم بل زاد عليه في التآمر على كل من يرفع راية القومية العربية.. أو يفكر في رؤية تعيد لهذه الأمة تاريخها المجيد.
من حق الشعوب العربية أن تنال حرياتها السياسية والاقتصادية وتبني مجتمعات ديمقراطية حرة.. وهي جديرة بذلك وتمتلك كل إمكانيات النهوض.. ومن حقها أن تحظى بكل أسباب التقدم في وجه التهميش والعزل والقمع عن إمكانيات التطور في كل المناحي.. ومن حق الإنسان العربي أن يجد نفسه في مجتمع يكفل له غد بلا خوف وسجن.. وهذه من بديهيات المواطنة.. لكن على أية قاعدة يبنى ذلك؟
ربما هناك من يقول لا ضير أبداً في أن يمد الخارج يد المساعدة. ولكن هل يد الخارج نظيفة ولم يجف الدم بعد في شوارعنا العربية وقرانا ومدننا وعلى حبال غسيلنا من سلاح الموت في العراق وفلسطين؟ وفضائح سجن ‘أبو غريب’ تنطق بالدم وتتهم أصحاب نظريات الديمقراطية الفاشية.
ليست الأمثلة بعيدة.. فما حصل في العراق كان مقدمة لبرنامج استراتيجي في مفهوم الهيمنة.. التي تسن حرابها من بوابة التدخل العسكري.. لتفتتح فصلاً جديداً عنوانه الديمقراطية ودعم الشعوب العربية في حرياتها واستقلالها.. وما يحدث اليوم في ليبيا وإن شُرعن من أنظمة عربية بعينها.. فهو لا يعني أن شعوب منطقتنا العربية قد خدرت ونامت على حرير الكلام.. وهذا يجب ألا يغفل في التعاطي مع ما يدور في منطقتنا.
لكن علينا هنا أن ندقق في الحالة الليبية التي تبدو أعقد مما يظهر على السطح.. في ظل تنازع لتقاسم المصالح والفوز بالغنائم في أجواء من الفوضى تدب على الأرض الليبية.. فالمجلس الانتقالي الذي يتناحر في ما بينه لا يمسك من الخيوط إلا القليل وقد ظهر ذلك في اغتيال عبد الفتاح يونس.. والحملة المتصاعدة ضد محمود جبريل المسمى رئيساً للوزراء.. والصورة أعقد مما تظهر في وسائل الإعلام. وإن نفخت بعض الدول الخليجية وغيرها بصورة المجلس الانتقالي ونقلت لنا عبر مراسيلها أن الوضع يسير نحو الاستقرار وهذا نتمناه- لكن الوضع يزداد قتامة مع تواصل الفلتان الأمني وعمليات الثأر إلى حد وصف منظمات حقوقية ما يجري في ليبيا بجرائم حرب ومن كلا الطرفين. وهذا لن يعجب أميركا والناتو في سعيهما لإظهار ‘حكمة’ المجلس الانتقالي والخطابات الرنانة التي اضطلع بها رئيس المجلس.. لكن وقائع الحدث تقول إن الصورة كارثية.
الاستعجال الأوروبي للظهور في الصورة السياسية المباشرة من بنغازي وطرابلس تؤكد عليها الخطى الحثيثة في وضع اليد مباشرة على ليبيا ومقدراتها الاقتصادية – وقد ظهرت بعض الصور لجنود من الناتو في طرابلس وبنغازي و- هذا أول الغيث – والقادم في الخطوة الأمريكية والأوروبية ووفقاً لتقارير نشرها معهد بروكنغز الأميركي أن إعادة الاستقرار لليبيا والاطمئنان على النتائج التي حُققت على الأرض يحتاج لدور فاعل وإعادة ترتيب الداخل الليبي بما يضعها على طريق الديمقراطية.
وهذا الخطاب نعرفه ونتائجه في العراق ملموسة للشعب العربي.
لا تكمن القضية فقط في الحسم العسكري وتحرير ليبيا من حكم القذافي.. بل في أي ليبيا يريد الغرب؟! ليبيا النفط الذي سيكون داعماً للخروج من الأزمات المالية العالمية.. أم ليبيا التي ستبقى تدفع ثمن قصف الناتو وغاراته التي أكلت الأخضر واليابس؟ أم ليبيا النموذج للعلاقات العربية مع الغرب وأمريكا؟
يبدو أن دول الناتو تستعجل جدا ً لتقاسم الحصص.. ومن يهتف أكثر من على منصات المراسم ويسبق في جولاته سينال الحصة الأكبر.. هذه صورة الاستعمار التي رسخها عبر مئات السنين.. وذاكرتنا ليست مثقوبة.
د. بسام رجا – دمشق