بحث اكاديمي يبرز قوة الإسلام كعامل هوية في مدن ضواحي باريس وتغلبه على قيم الجمهورية الفرنسية

حجم الخط
0

حسين مجدوبي مدريد ـ ‘القدس العربي’ كشف تقرير أكاديمي فرنسي حقائق جديدة عن الجالية المسلمة في فرنسا تتجلى في ارتباطها بقيم الإسلام أكثر بكثير من قيم الجمهورية الفرنسية، وتعتبر جريدة لوموند الفرنسية التقرير بالمزعج جدا للسلطات لاسيما في شقه المتعلق بمفهوم الاندماج، حيث يتطل الأمر إجراءات تحد من التهميش.

والتقرير من إنجاز الباحث السياسي الفرنسي المعروف جيل كيبل وخمسة من مساعديه، وهو الباحث الذي كان قد برز منذ 25 سنة بكتاب حول ‘ميلاد الإسلام في فرنسا’ ‘أو إسلام ضواحي فرنسا’ الذي ألقى الضوء على مشاكل الجالية الإسلامية في هذا البلد الأوروبي. ومضمون البحث الذي تصدر الصفحة الأولى لجريدة لوموند في عددها أمس الأربعاء يركز على أوضاع الجالية المسلمة وجلها مغاربية في كل من مدينتي كليشي سوس بوا ومونت فيرمي، وهما مدينتان في ضواحي العاصمة باريس لا تتعدى ساكنتهما 60 ألف نسمة، واشتهرتا عالميا بعدما كانت مصدر الاحتجاجات القوية للمهاجرين في سبتمبر وأكتوبر من سنتي 2005. التقرير يؤكد على وضع الإسلام كعنصر هيكلي في حياة الجالية أو الفرنسيين المسلمين في حياتهم اليومية ومعاملاتهم أكثر بكثير من ‘روح وقيم الجمهورية الفرنسية’. ويعالج نتائج التهميش الذي من أسبابه وجود نوع من الاستقرار في كل ما هو إسلامي، إذ أن من مظاهر ذلك في المدينتين الصغيرتين هو ارتفاع نسبة المساجد والإقبال على الصلاة ولو خارج مواعيد الصلوات الخمس وانتشار مكثف لتجارة الحل وما يرتبط بها وسيادة مفهوم الحل والحرام أو الممنوع دينيا في المعاملات اليومية والاجتماعية. وهذه الأمثلة تعزز من الهوية في مواجهة التهميش.

وتقدم الدراسة نموذجا يعتمد المقارنة حول التلاميذ، فالجيل الأول من المهاجرين في فرنسا كانوا ينصحون أبنائهم بتفادي أكل لحم الخنزير في المطاعم المدرسية، وهؤلاء الأبناء الذين أصبحوا آباء ينهون أبنائهم عن الأكل في هذه المطاعم بشكل نهائي. ويرى الباحث جيل كيبل أن ‘الأكل في المطعم الدراسي يعتبر من عوامل التعايش مستقبلا في إطار الجمهورية’. وعانى المهاجرون في المدينتين في التسعينات من آفة المخدرات القوية مثل الهروين، وفشلت الشرطة في القضاء على هذه الظاهرة، لكن جماعات إسلامية مثل ‘جماعة الدعوة والتبليغ’ نجحت فيما فشلت فيه الشرطة والمصالح الاجتماعية، أي إقناع الشباب بالابتعاد التدريجي عن المخدرات وتعويض ذلك بالعبادة وتهذيب النفس. ويبرز التقرير أن هذا من أسباب ما يصفه ‘بأسلمة المدينتين ثقافيا’، حيث تغلبت المبادئ هذه على الفراغ الذي أحدثته قيم الجمهورية. ومن ضمن الأمثلة على ذلك هو أن العلمانية التي تميز فرنسا لم يعد لها حضور في الحياة اليومية في المدينتين وتقتصر فقط على ما يتم فرضه بالقانون مثل ‘منع الرموز الدينية في المدارس’، وهو ما يتم احترامه ولكن على مضض.

ويقدم التقرير وصفا مأساويا للوضع الاجتماعي في المدينتين حيث الإهمال الدراسي وقلة وسائل النقل وغياب التوجيه، الأمر الذي يجعل الفرنسيين المسلمين أو المهاجرين لا يستفيدون من الدينامية الاقتصادية التي تتميز بها باريس والمناطق المحيطة بها.

التقرير يخلص الى مجهودات تبذلها الدولة في تغيير شكل المدينتين خاصة من الجانب العمراني، لكن ما يتطلبه الوضع هو سياسة حقيقية تنهي شعور التهميش السائد في لمدينتين والإدماج الحقيقي للشباب خاصة في سوق العمل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية