نفي رسمي لخبر ‘غير رسمي’.. التراشق والتسريب الإعلامي

حجم الخط
0

حازم مقدادي تُطِلُّ علينا الصحف والمواقع الإخبارية ووسائل الإعلام المختلفة بأخبار حماسية تلتقطها تلك الوسائل عبر مصادرها المنتشرة هنا وهناك، وأغلبها إن لم تكن كلها تسعى لإستقطاب عدد أكبر من القراء أو الظفر بوسام السَّبْقِ الصحفي الذي لا تخفت جذوته أبدا. ومن المؤكد أن ما يجري خلف الحدود الشمالية للأردن يشكل مادة غنية للصحافة لإلتقاط الأخبار وتحفيز التحليلات التي تختلف وتتباين تبعا لقناعات معتنقيها. فالجميع يدرك أن لسورية إمتداد كبير في العمق الأردني يغذيه إنتساب الكثير من الأردنين لحزب البعث التقدمي الأردني ذو الوشائج الحميمة مع حزب البعث السوري، أو علاقات النسب والمصاهرة على جانبي الحدود، وكذلك إلتحاق أعداد كبيرة من أبناء البلدين لطلب العلم في جامعات كلا القطرين الشقيقين بالإضافة لعشرات اللجان المشتركة بين حكومتي البلدين لتعزيز ‘التعاون والمشاركة’ وغير ذلك الكثير.

ومن ذلك الكثير نستذكر حالة الفتور التي طغت على علاقة البلدين منذ أمد طويل، والتي في بعض الأحيان وصلت لحالة من الإحتقان الذي تمخض عن تعبئة عسكرية أدت إلى التناوش المسلح والإجتياح الذي أقدم عليه النظام السوري -إبان فترة صلاح شديد- لمدينة إربد شمالي الأردن نصرة لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية في أيلول عام 1970. نعم، للأسف لقد حدث ذلك، وَ رَدَّ الأردن وتصدى لأفعال أشقائنا السوريين وذاد عن حِمَاه، ولم يكتف الأردن بذلك، بل قدم الدعم للمثقفين والمعارضين السورين من خلال إستقبالهم وتسهيل إمكانية إقامتهم بين الشعب الأردني، كما كان الأردن الحاضنة لكثير من الممثلين والمسرحيين والشعراء السوريين لتقديم أعمالهم -المحظورة في سورية- عبر وسائل الإعلام الأردني الذي دائما ما كان متقدما على سورية الشقيقة ‘بديمقراطيته’ و’تسامحه’. ولكن البلدين الشقيقين لم يدخرا جهدا لإعادة الأمور إلى نصابها الأخوي، ومعاً ‘تحاملا حتى إحتملا’ على جراحهما لتخطي تلك المرحلة المؤلمة والإنفتاح على أفق يعكس العلاقة الأخوية الحقيقية لهما. غير أن ما يجري اليوم من أحداث مؤلمة تمر بها سورية الشقيقة، يلقي بظلال ثقيلة على الأردن نظاما وشعبا، ويفتح الباب واسعا على كل الإحتمالات والتساؤلات، سيما وأن النظام في كلا البلدين منخرط بتركيبة سياسية ودولية هي على النقيض من الأخرى.

فمنذ بدء الأحداث وتسارعها في سورية سارع الأردن بتقديم النصح لشقيقته، فوصل مبعوث النظام الأردني السيد طاهر المصري إلى دمشق محاولا إلقاء طوق النجاة للنظام السوري الذي كما جاء على لسان أحد المسؤولين الأردنيين- يعاني من غربة وإنعزال عن شعبه، فكانت النصيحة التي حملها السيد طاهر المصري إلى النظام السوري هي البدء فورا بتطبيق مبدأ الشفافية مع الشعب السوري وتسريب الشعور له بأنه مشارك في إتخاذ القرار وتحمل المسؤوليات، على غرار تجربة النظام الأردني مع شعبه، وقد ظهر هذا جليا في خطاب الرئيس السوري الثاني منذ بدء الأحداث، من خلال قوله مخاطبا أعضاء حكومته الجديدة- ‘أن الشعب السوري شعب واعٍ ويستطيع أن يتفهم’. ثم ساد الصمت بين البلدين من جديد، حتى بدأت تُطِلُّ بعض وسائل الإعلام بأخبار من هنا وهناك من شأنها تسخين الجو العام بين البلدين ‘بشكل مقصود أو ربما غير مقصود’. فتارة تُطل وسيلة إعلامية لتتحدث عن إتهام الرئيس السوري للأردن بأنه هو من يدعم ويدرب ‘الخارجين على القانون’ وذلك أثناء إجتماعه مع مبعوث أردني عسكري. وتارة أخرى يُومَىء للإعلام الأردني أن هناك بعض المندسين ‘مجهولي النسب والإنتساب’ بين صفوف اللاجئين السوريين الماكثين في الأردن يحاولون الظفر ببعض أسلحة جهاز الدرك الأردني بغية نقلها إلى سورية لتُضْبَطَ هناك، ومن ثم رفع أصابع الإتهام وتوجيهها نحو الأردن على أنه هو من يدعم ‘الخارجين على القانون’ ليس بالتدريب فحسب بل وبالدعم ‘اللوجستي’ أيضا. واليوم تتسارع الأحداث وتتنوع الأساليب، فنجد وسائل الإعلام الإلكتروني الأردني تتسابق لنقل خبر ورد في إحدى الصحف الكويتية يتحدث عن تهديد سوري رسمي بقصف سوري لمدن أردنية إذا ما شارك الأردن بعمل عسكري يستهدف سورية. ويؤكد الخبر أن ما ورد في سياقه جاء على لسان السيد آصف شوكت المبعوث السوري، مُوَجَّهَاً لرأس الدولة الأردنية ورمزها الملك عبدالله الثاني. غير أن الخبر لا يتوقف عند هذا الحد، بل يذهب متسلحا ‘بإدعاء’ أن مصادره من حاشية القصر الأردني التي حضرت هذا اللقاء وسربته- لينقل أن رد الملك الأردني كان أن الأردن لا يخاف أحدا وأنه وهنا الأهم- سيشارك في أي عمل دولي تحت غطاء الشرعية الدولية نصرة للشعب السوري ‘الشقيق’. الصحيفة الكويتية التي لم تبتكر الخبر ولم ‘تَفْتَرِهِ’ على أحد، وصلها كوسيلة من وسائل التسريب بغية إستشعار ردود الفعل لدى الشعب الأردني لتلمس معالم الموقف الأردني الرسمي إزاء تبلور أي موقف دولي محتمل يستهدف سورية. ولأن الباب مفتوح على كل الإحتمالات والضباب السياسي يكتنف كل السيناريوهات، فإنه لابد من إستفزاز الجبهة الأردنية الداخلية لتوطئتها تمهيدا لهكذا إحتمال هو الأصعب والأخطر بالنسبة للنظام الأردني الذي يواجه صعوبة كبيرة وحرجا شديدا في إدارة هذا الملف، مما يضمن إستجابة أردنية سريعة ومنسجمة في الوقت المناسب. وفي هذا السياق تبدو فكرة تسريب الخبر عبر وسيلة إعلامية غير أردنية وغير رسمية مُؤطَّرَةٍ بالشك وعدم اليقين، تبدو فكرة جيدة يسهل معها نفي الخبر إذا ما لزم الأمر دون خسائر تُذْكَرْ. وهنا نرى كيف إنبرى النظام السوري -الذي يُجيد قراءة ما هو غير مكتوب- إنبرى بخفة وسرعة لنفي هذا الخبر غير الرسمي- بشكل رسمي عبر بيان أصدرته السفارة السورية في عمان وليس الكويت- ولسان حاله يُرَدِّدُ المَثَلَ الأردني الشهير ‘ما بيفهم على رطني غير إبن بطني’ ، أي أن الأشقاء يفهمون إشارات بعضهم البعض.’ كاتب اردني مقيم في امريكا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية