الآن وقد تم الاعتراف رسميا بالمجلس الانتقالي الليبي من طرف الجزائر تبين فعلا الضغط الشديد الذي كان ممارسا على الجزائر بخصوص هذه القضية ‘فهذه الأخيرة رفضت الاعتراف بالمجلس الانتقالي سابقا وقد اشترطت توفر سلطة منتخبة وممثلة لجميع شرائح وفعاليات وقبائل ومناطق ليبيا’ غير آن كواليس الدبلوماسية الجزائرية عرفت ضغطا غير مسبوق مارسته دول كبرى لجعلها تلتحق بركب المعترفين بالمجلس الانتقالي والمهنئين للدول الغربية على الصفقات التي فارت بها في السر والعلانية.
الجزائر التي كانت إلى عهد قريب جدا – وقبل الاعتراف المهين والمفروض – عميدة الدبلوماسية العربية بل الإفريقية ‘فمن موقف الجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة إلى الوساطة في قضية الرهائن الدبلوماسيين الأمريكيين في السفارة الأمريكية في إيران سنة 1979 إلى الوساطة بين العراق وإيران والمساهمة في إنهاء الحرب الطاحنة التي دارت بينهما لمدة ثماني سنوات إلى رعاية اتفاق السلام بين اثيوبيا واريتيريا إلى غير هذا من النجاحات الدبلوماسية المعلنة وغير المعلنة ‘لكن الأمر الغريب هو طريقة الاعتراف بالمجلس الانتقالي وليس الاعتراف بحد ذاته فنحن لسنا مع احد ولا ضد احد’ وجميع الملاحظين يدركون انه جاء مخالفا لإرادة الجزائر. الموقف الجزائري جاء في البداية مبنيا على الحذر في اتخاذ أي موقف متسرع تنجر عنه تبعات سلبية تسيء إلى سمعة الجزائر ‘بمعنى الحياد إلى غاية تبلور الوضع وظهور الطرف الغالب والمنتصر. غير أن بعض التطورات على الساحة الليبية جعلت الموقف الجزائري يتشتت ولو بطريقة غير رسمية من خلال التصريحات غير المسؤولة لبعض المسؤولين السامين في الدولة منهم وزير الداخلية ‘دحو ولد قابلية ‘، أما المرحلة الثالثة فتميزت باتخاذ الجزائر موقفا صريحا ألا وهو عدم الاعتراف بالمجلس الانتقالي إلا إذا كان منتخبا رسميا وممثلا لجميع شرائح وفعاليات المجتمع الليبي وهذا موقف حكيم إلى حد بعيد. لكن إطلالة الدبلوماسية الجزائرية الأخيرة والمخالفة للشروط التي وضعتها مسبقا تبين فعلا أن دولة المواقف – التي ليس لها أي مصلحة رئيسية في ليبيا مثل الدول الغربية – عانت من ضغط دبلوماسي شديد ‘فهذه الدولة ليس لها مصالح اقتصادية مهمة مثل الدول الغربية – وان كان امن ليبيا ذا أهمية قصوى بالنسبة لبلد المليون ونصف المليون شهيد – كما أن نقطة الاستثمار الجزائري المستقبلي في ليبيا غير مطروحة باعتبار أن الجزائر العذراء بحاجة إلى من يستثمر فيها أكثر من ليبيا’ وبالتالي الاعتراف بالمجلس الانتقالي لأسباب اقتصادية بحتة أمر غير وارد ‘ والفرضية الوحيدة والأكثر ورودا هي الضغط الغربي على الجزائر في الكواليس بل ربما وصل إلى درجة التهديد بإعادة سيناريو ليبيا في أكير بلد إفريقي خصوصا مع الأداء المحتشم بل المهين لوزارة مدلسي رئيس الدبلوماسية الجزائرية حاليا و المسؤول عن هذه السقطة التاريخية للجزائر وهو الذي اعترف في ‘قضية الخليفة’ أو بما يسمى ‘فضيحة القرن في الجزائر’ بأنه ‘لم يكن ذكيا بما فيه الكفاية’ وهو اليوم صاحب ‘سقطة القرن في الجزائر’ بالنسبة للسياسة الخارجية الجزائرية فهو ‘لم يكن ذكيا بما فيه الكفاية’ واليوم هو ‘غبي بما فيه الكفاية’ . وهذا التحول المهين والأوضح للعيان منذ نشأة الدبلوماسية الجزائرية بأنه نتاج ضغط يسوقنا إلى القول بان الجزائر من الممكن أن تعترف بإسرائيل رسميا من الآن فصاعدا ‘ فنظرية الجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة اندثرت واليهود في عهد بوتفليقة أصبحوا يزورن الجزائر سرا ثم علنا بل أصبحوا يطالبون بأملاكهم المزعومة في هذا البلد وهم الذين قصدوه لأول مرة طغاة غزاة. وهذا كله رد للجميل من طرف بوتفليقة للولايات المتحدة الأمريكية (وربما اللوبي الصهيوني) لمساعدتها في تقييد سطوة الجنرالات في الجزائر لصالح الرئيس بوتفليقة بتهديدهم بإحالتهم إلى المحكمة الجنائية الدولية بخصوص العشرية السوداء في الجزائر. والغريب أن الصحافة المكتوبة هذه المرة لم تعط اهتماما كبيرا لهذه الخطوة الدبلوماسية’ ولو أن هذا التغافل كان بطريقة مقصودة ومنسقة مع أصحاب القرار في الجزائر باعتبار أن غالبية ملاك الصحافة في هذا البلد حاليا هم من فئة ‘أكلي الجيفة’ ولايهمهم لاعدل ولا حقيقة بل الابتزازات والمساومات تحت الطاولة مع النافذين في الدولة من اجل تحقيق الربح السريع ‘ أما البعض الأخر من بارونات الصحافة فهم من عملاء المخابرات الجزائرية وهم معروفون على الساحة الإعلامية الجزائرية ‘كما أن اكبر دليل على تواطؤ الصحافة المكتوبة بشكل عام (ما عدا بعض الصحف) مع النظام الرسمي هو السكوت المطبق على تجاوزات كثير من المواطنين منذ بدء ثورات الربيع العربي من بناءات فوضوية إلى احتلال مساحات شاسعة ملك للدولةôالخ وكل هذا تطبيقا لاملاءات النظام الرسمي القاضي بترك هذه الفوضى تعم لإلهاء الشعب عن المطالبة بتغيير النظام ‘ لان همهم الوحيد هو المحافظة على الكراسي وليس إحقاق الحق وإبطال الباطل. وحتى أن بعض الجرائد الجزائرية استغلت قضية هنري برنار ليفي للتطبيل والتهليل للنظام الرسمي الجزائري واخفائه دائما وراء ستار المؤامرة الخارجية المعهودة. أما عن الصحافة المرئية فحدث ولا حرج فهي ملك للدولة وبالتالي. هل كل هذا يا ترى هو تحضير الأرضية لزيارة شيمون بيريز إلى الجزائر لتدشين سفارة إسرائيل في الجزائر. بلال بوخضرة الجزائر[email protected]