العرب يسيرون الان الى اقامة ذات النظام الذي يرفضه صانعوه بل ويتظاهرون ضده في بريطانيا وامريكا وكل دول الغرب. الصحيفة هي ‘النيويورك تايمز’، والعدد صدر في 28 ايلول/سبتمبر 2011، والموضوع هو فقدان الثقة بصندوق الاقتراع. و’صندوق الاقتراع’ هو المعبود الجديد لكل الاصوات الجديدة في وطننا العربي!
من يقرأ مقالة Uicholas Kulish هذه يكتشف بان عرب الربيع العربي ذاهبون الى الحج والحجاج او الجيج عائدون وساخطون على الرحلة وشعائرها!
المقالة تتحدث عن مغزى الاحتجاج الى حد المواجهة العنيفة مع قوى الامن في بلد كبريطانيا مثلا وفي بلدان اقتصادياتها سيئة كاليونان وفي بلدان اقتصادياتها مزدهرة كالهند سواء بسواء.
وتخلص الى القول بان الناس لا سيما الاجيال الشابة الجديدة قد كفرت بالسياسيين وبالاحزاب وبالعملية الديمقراطية من اساسها.
البلدان التي تغطيها المقالة هي بلدان الديمقراطية والاحزاب وصندوق الاقتراع وحرية التعبير. ومع ذلك وعبر الانترنت تنظم الجماهير الشابة احتجاجاتها على اخفاق ‘الحكومة المشحبة’ (تعبير تتحلق حوله معارضة البحرين) في حل مشاكلهم ابتداء بالبطالة وانتهاء بالكوارث الطبيعية.
المقالة تذكر القراء انه بعد سقوط الاتحاد السوفييتي اعتقد مفكرون مشهورون بان الديمقراطية بتعريفها الراهن قد ‘انهت التاريخ’. السؤال المنطقي هو اذا كانت الديمقراطية تعطي الشعب فرصة دورية لاختيار الحكومة وتبديلها ان هي قصرت فلماذا يخرج الناس الى الشوارع، كما خرج العرب الى شوارعهم من اجل اسقاط النظام القمعي لماذا يخرج هؤلاء ضد الحكومة التي انتخبوها؟
ما يحزنني شخصيا هو ان امتنا تناضل هذه الايام من اجل اقامة ذات النظام الذي يرفضه صانعوه بل ويتظاهرون ضد رموزه اي الاحزاب والحكومات المنتخبة. الاحزاب والحكومة المنتخبة وصندوق الاقتراع قد افرزوا حكومات اخفقت في حل مشاكل الجماهير والجماهير تنظم الاحتجاجات بحثا عن حلول لمشاكلها.
هذا هو بالضبط ما برحت اتحدث عنه طوال عقد ونصف من الكتابة في صفحة المنبر من صحيفتكم المميزة.
طوال هذه الـ15 سنة قلت وبلغة يقينية ان الديمقراطية كما نشأت وتبلورت في الغرب ليست اكثر من خديعة ‘بلعتها’ الجماهير الغربية. وها هي اليوم تفيق من خديعتها وتتلمس عبر الانترنت طريقا للثورة على من’خدعها. الخادع هو صندوق الاقتراع والحكومة التي يولدها هذا الصندوق.
الجماهير الغربية شربت السم مع الدسم وها هو السم يكاد يقتلها بطالة وركودا وفسادا وحروبا الى آخر السلسلة. اين هو الدسم واين هو السم؟
الدسم والسم يكمنان في مقولة ‘حق الانتخاب. الدسم وهمي والسم حقيقي. الدسم هو الايحاء عبر ‘حق’ الانتخاب بأن الناس متساوون وهم الذين يختارون الحكومات عبر الاقتراع اذا شاؤوا. السم هو ان’الناس لا يذهبون جميعهم الى الاقتراع وان الذين يقترعون هم نسبة قليلة حتى التفاهة احيانا. وهكذا يتحول ‘الشعب’ الذي يقترع الى قلة موزعة بين احزاب لا تستقطب سوى نسبة قليلة الى حد التفاهة من الشعب ككل. فلم يحدث ابدا ان شعبا باكمله او حتى بغالبيته الساحقة قد خرج يوم الاقتراع للتصويت في صناديق الاقتراع.
هذه هي العلة الاساس في النظام الديمقراطي كما طبق في الغرب وكما ويطبق في البلدان التي تبنته حول العالم.
لفصل السم عن الدسم هناك طريقة واحدة ووحيدة هي اضافة نص من كلمتين الى كافة الدساتير ‘الديمقراطية’. والكلمتان هما الزامية الاقتراع اسوة بالزامية دفع الضريبة او الدفاع عن الوطن.
في هذه الحالة يخرج الناس كل الناس الى صناديق الاقتراع ويسمون المشرع او الحاكم. ‘الله والجماعة’ كما نقول في ادبياتنا الاسلامية والجماعة تعني الكل. الآية الكريمة تقول ‘وامرهم بينهم شورى’. هم تعني كل الناس ويثيهم نعني كل الناس.
الذي يترنح في الغرب كما تنبؤنا مقالة ‘النيويورك تايمز’ هو مفهوم ‘حق الانتخاب’ والنظام الذي افرزه.
هذا هو جانب واحد من الصورة وهناك جوانب مكملة ذات علاقة بالترشيح والتمويل خصوصا لجهة اختيار رئيس الدولة.
ولكي لا اقطع تفكير القارئ ساضع بقية ملاحظاتي تساؤلات قليلة هي:
لماذا لا تصدر وزارة العدل قائمة واحدة بأسماء كل الذين يرغبون في الخدمة العامة كنواب مع ترقيم هذه الاسماء؟
لماذا لا يطلب الى كافة الناخبين والناخبات الذهاب الى صناديق الاقتراع يوم الاقتراع بحيث يصوت كل مواطن لمرشح واحد فقط من بين آلاف الاسماء الموجودة في القائمة؟
لماذا لا يعلن وزير العدل فوز لنقل 300 مرشح الذين ينالون اكبر عدد من اصوات الناخبين؟
لماذا لا يجري وزير العدل قرعة علنية لتحديد الفائز في حالة تعادل الاصوات بين اكثر من مرشح؟
لدينا الآن مجلس نيابيا لمدة محددة. لماذا لا يقوم هذا المجلس بالاقتراع لاختيار خمسة مرشحين للرئاسة من بين قائمة يعدها وزير العدل باسماء جميع من تقدموا بطلبات الترشح للرئاسة؟
لماذا لا يجري رئيس المجلس النيابي قرعة لتحديد اسم المرشح في حالة تعادل الاصوات؟
لدينا الان خمسة مرشحين او مرشحات للرئاسة لماذا لا يطلب من كافة المواطنين الذهاب الى صناديق الاقتراع لاختيار الرئيس بعد اعطاء كل منهم (الخمسة) مبلغا متساويا من المصرف المركزي للصرف على حملاتهم مع تحريم وتجريم استخدام اي مال خاص، محلي او اجنبي. ومتى حدث شيء يشبه هذا يكون التاريخ قد بدأ وتكون اية ‘وامرهم بينهم شورى’ قد اصبحت مؤسستان احداهما لصناعة القانون والثانية لوضعه موضع التنفيذ.
واخيرا لا بد من كلمة حول القضاء الذي يفصل في المنازعات على انواعها. لا بد من ارسال المحكمة التي يرأسها قاض واحد الى المتحف. اية محكمة ينبغي ان يبث في قضاياها والتصويت الاكثري 3 و 5 او 7 او 9 قضاة كل وفقا لمعايير يضعها مجلس النواب الذي يصدر القوانين التي ينظر القضاة في اكمالها.
وهكذا ايضا يستعيد الغرب ثقته في صندوق الاقتراع ولا يختبر العرب نظاما ‘استفرغه’ صانعوه.
احمد سرور – نيويورك