‘الكونت دي مونت كريستو’ ومسلسل الاقتباسات السينمائية

حجم الخط
0

افلام عن القصة الخالدة بمعدل كل 18 شهرا والمصريون قدّموا اثنين منها:

احمد عمريقول الروائي الكولومبي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز في كتابه ‘غريق على ارض صلبة’ بأنّ أحسن قصة قرأها في حياته، هي قصة الكونت دي مونت كريستو للفرنسي الكسندر دوماس الأب.

وقد اقتبست للسينما عدة مرات، وترجمت ومثلت باللغات الحية، وقد اقتبس عن القصة الفرنسية أفلام كثيرة، بلغ معدل الاقتباس فلما كل 18 شهرا:

الكونت دي مونت كريستو. فلم صامت عام 1908الكونت دي مونت كريستو. 1913 تمثيل جيمس اونيلالكونت دي مونت كريستو 1929 اخراج هنري فيسكورتالكونت دي مونت كريستو 1934 تمثيل روبرت دوناتالكونت دي مونت كريستو 1943 تمثيل بيير ريشارد ويليامالكونت دي مونت كريستو 1955 تمثيل جين ماريس وليا امانداالكونت دي مونت كريستو1956 (مسلسل) انتير تايمنت TVالكونت دي مونت كريستو 1961 تمثيل لويس جوردانالكونت دي مونت كريستو 1964 (مسلسل) إنتاج BBC تمثيل آلان يادل وناتاشا باريالكونت دي مونت كريستو 1968 لباول بارج وكلاود جيد وبيير براسورالكونت دي مونت كريستو 1975 تمثيل ريتشارد شامبرلين وكيت نيليكان وتوني كوتيزالكونت دي مونت كريستو 1980 (مسلسل قصير) جاكس ويبر وكارلا رومانيليالكونت دي مونت كريستو 1998 (مسلسل قصير) جيرارد ديبارديو واورنيلا موتيالكونت دي مونت كريستو 2002 تمثيل جيمس كافزيل وجمرا دومينيك كما اقتبس عنها أفلام أخذت عناوين أخرى مثل:

ابن الكونت دي مونت كريستو 1940زوجة الكونت دي مونت كريستو 1946عودة الكونت دي مونت كريستو 1946كونتيسة الكونت دي مونت كريستو 1948واقتبس فلمان مصريان على الأقل هما فلما ‘أمير الانتقام’ و’أمير الدهاء’.. غيّرت النسخ السينمائية الممثلين وأماكن التصوير والتقديم والتأخير لكنه احتفظت بخيوط الحبكة الأساسية. كما أن هناك اقتباسات إبداعية كما في فيلم ‘the shaw shank redemption’ بطولة تيم روبن ومورجان فريمان، وآخر هذه الاقتباسات التي تحتفظ بفكرة القصة الأساسية من غير التزام بحبكتها؛ فلم ‘ v vendia’ وهو من بطولة ناتالي بورتمان.

والسبب في إعجاب ماركيز بقصة الكونت هو انحساره بقدرة المؤلف على جعل ادمون دانتس، البحار الجاهل الفقير ينجح في الهروب من حصن منيع ثم يتحول إلى أكثر الرجال ثراء وذكاء في عصره! ماركيز أحب الكونت (كحكمة عالمية وثروة وثورة عارمة وتعطش للانتقام) .. لقد ألف معجزة قصصية؟ ترى هل ابتكر دوماس القصة أم انه اقتبس قصة معروفة؟

بطل هذه الرواية هو شاب ‘وسيم’، يعمل قبطانا للباخرة ‘فرعون’ ويعشق الحسناء مرسيدس، وهو محل حسد صديقه فرناند لنجاحاته البحرية والعاطفية فيسعى بتدبير مكيدة محكمة له بالتآمر مع صديقيهما كادروس وهو خياط في الخامسة والعشرين ودانجلر وهو أحد ملاحي فرعون، وذلك بدس رسالة سياسية انقلابية بدلا من أخرى يرسلها معه قبطانه موريل فيقع في المصيدة كمتهم سياسي موالي لنابليون بونابرت ضد الملكية، ويمثل أمام المدعي العام دي فيلفور الذي ما أن يطلع على الرسالة حتى يصعق لورود اسم أبيه نوارتييه الجيروندي الجمهوري فيها، فيحرق الرسالة ويودع البريء ادمون في سجن قلعة ‘ايف’ الرهيب لدفن الحقيقة.

في السجن يتعرف ادمون على الراهب الحكيم المعتقل فاريا الذي يصل إلى زنزانته بعد حفره نفقا بالاتجاه الخاطئ، فيحبه الراهب ويقتنع انه لم يبق له من العمر ما يكفي لحفر نفق بالاتجاه الصحيح، فيعلمه العلوم والتاريخ والرياضيات واللغات وفي لحظة احتضاره يطلعه على خريطة كنز الكردينال سباد، يخطر لأدمون، الذي كان قد باشر الحفر في الاتجاه الآخر، باستبدال جثة المرحوم فاريا بجسده فيخرج جثته ويخيطها على نفسه ويصبر إلى الصباح ليلقى في البحر بعد 14 عاما من السجن، فيقصد سباحة – وهي المهارة الوحيدة التي يجيدها – إحدى الجزر القريبة ويلتقطه قراصنة فيتمارض عند الوصول إلى جزيرة الكنز فيتركونه حسب رغبته فيخرج الكنز ويخفيه ويخرج إلى الحياة بشخصية الكونت دي مونت كريستو الذي أصبح منسوبا للجزيرة وملقبا باسمها- وبجواز سفر إنجليزي تبدأ مرحلة الانتقام.

حدثت تحولات في غياب ادمون في السجن، دانجلر جمع ثروة ضاعفها بالمضاربات في البورصة وحظي بلقب بارون و فرناند تزوج مرسيدس خطيبة ادمون بعد ثمانية عشر شهرا من الحزن على حبيبها السجين، وحظي بلقب كونت بعد خيانة الجنرال بونابرت لصالح الملكية. يحتال ادمون فيصبح صديقا لعائلات أصدقائه السابقين، الانتقام الذي يحضره لغرمائه من جنس الجريمة، انه يقيم عدالة العهد القديم (العين بالعين والسن بالسن) كما تتكرر فيها عبارات وأسماء توراتية (ادمون الذي يعني الاحيمر وهو لقب عيسو اخو يعقوب) أو مصرية مثل ‘فرعون’ اسم الباخرة. ويمكن إيجاد أكثر من قرابة تناص للقصة مع رائعة البؤساء للفرنسي الشهير فكتور هوجو مواطنه الذي ولد في العام نفسه ( 1802 ) الذي ولد فيه دوماس الأب وبين الكونت دي مونت كريستو. . قصة الكونت دي مونت كريستو اكثر تعقيدا من قصة دوماس وأكثر مخاطبة للوجدان لكن البؤساء ملحمة تاريخية ووجدانية ودينية وهي تروي قصة فقير سرق رغيف خبز ثم سجن ثم خرج ليصير عمدة المدينة. القصتان ترويان حكاية متهم بريء و كتبتا في زمن متقارب، في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وفيهما إشارات للثورة النابليونية والمؤامرات على الملكية الفرنسية.

كاتب هذه السطور يعتقد ان اصل القصتين موجود في ‘احسن القصص’.. والدلائل كثيرة.

يوسف عليه السلام كان صبيا في حوالي الثانية عشرة، ويتيم الأم، يعاني من حسد إخوته، يزداد الحسد بعد رؤية يوسف لرؤياه المعروفة بسجود الشمس والقمر والكواكب له (وهذا بعد شعري وكوني في القصة) وإذا كان ادمون وسيما فإن يوسف (كان حسن الهيئة وجميل المنظر العهد القديم) الأمر الذي يدفع الإخوة إلى التآمر عليه الاكتفاء برميه في البئر بعد تدخل روبين ومنعهم من قتله. نمط حبكة قصة يوسف هي نمط حبكة الحسد والتنافس على حب الأب، بينما في الكونت دي مونت كريستو هي التنافس على حب الحسناء مرسيدس وهي في قصة يوسف ألدّ لعدة أسباب؛ فالضحية ضحيتان الأولى هي أخ صغير بلا حول من لحم ودم الإخوة الأعداء، والضحية الثانية هي الأب العجوز الذي ابلغ بخبر قاس وهو موت فلذة كبده فريسة بين (أنياب وحش شرس). وإذا كان في سجن ‘ايف’ حراس ومساجين يستطيع أن يستأنس السجين ‘بمسحوق همسهم’ على الجدران، أو حتى بسياطهم فإن الغلام يوسف الغر رمي في بئر بعيدة القعر في فلاة نائية موحشة، إلى أن يخرجه بعض التجار المدينينون ليباع عبدا بعشرين من الفضة. يتعرض بعد محنة فراق الأهل، وغدر الإخوة، والرمي في البئر إلى محنة الاسترقاق والعبودية من ثم التعرض إلى محنة الإغراء الجنسي والاتهام في الشرف ومن ثم محنة الرخاء والابتلاء الإلهي بالنعمة. الشبه الثاني لحكاية الكونت دي مونت كريستو وجان فالجان بقصة النبي يوسف هو صعودهم في المكانة الاجتماعية والمناصبية السياسية، لكن الشاب العبراني هو أعلاهم منصبا وثروة في المرحلة الثانية فهو يتبوأ أعلى مكانة في مصر، وفي زمن المحل والجفاف، بعد سجن دام مدة طويلة مثلهما ثم ينال حريته ويخرج (بجواز سفر مصري إذا جاز التعبير). وإذا كان القس فاريا هو معلم دانتس في السجن والأسقف ميريل هو معلم جان فالجان فإنّ معلم يوسف النبي هو ربه. (القس والأسقف وكيلان للرب على الأرض في الدين المسيحي)، فلكل معلم رتبة تناسب رتبة التلميذ البشرية والدينية. معارف يوسف نبوية لدنية تتمثل في تأويل الرؤيا والنبوءات أما معارف ادمون وجان فالجان فهي اكتسابية. والسجن مدرسة قاسية تخرج الأبطال الصابرين والأبرياء. وبين كنوز الأبطال الثلاثة فروق، فقد أصبح يوسف وزير مالية مصر و أمينا على كنوز مصر كلها.. وفي القصص الثلاث شبهة مؤامرات سياسة و أجواء انقلابات، إذ يتهم يوسف إخوته بالتجسس السياسي على مصر كما أن الثلاثة يخرجون من السجن بشخصيات جديدة. جان فالجان وادمون يتنكرون ويغيرون هيئاتهم أما يوسف النبي فينكره الزمن والمنصب فلا يليق بنبي أن يتنكر (في هذه القصة على الأقل)، أما الانتقام الوحيد الذي يقوم به يوسف فهو انتقام ‘ابيض’ إذ يقوم بدس كأس الملك في عدل أخيه بنيامين ليلم شمل العائلة وتتحقق الرؤيا. انه اجمل انتقام عرفناه.

إن دوماس وهيجو يعرفان بلا شك قصة يوسف التوراتية ونرجح أن شخصية الكونت دي مونت كريستو وجان فالجان صورتان معاصرتان للنبي يوسف بعد تصحيف روائي وإعادة إنتاج وتخريج وتحبيك، ولكلتا القصتين (الكونت والبؤساء) حبكة المتهم البريء. أما قصة يوسف التوراتية فهي متراكبة ومؤلفة من عدة حبكات متوالدة ومتصاعدة ولو أنها تتعطل برواية التاريخ والسلالات الإسرائيلية كما يظهر اتهام يوسف لأخيه بالسرقة مجانيا وبلا مردود روائي. النهاية سعيدة في القصص الثلاث.. تلك كانت مقارنة بين القصتين وقصة يوسف التوراتية أما قصة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم فهي ‘أحسن القصص’ وأجملها وأكملها بتفاصيلها وأنماط الحبكات الدرامية كلها؟ إنها معجزة درامية، والبحث فيها يحتاج إلى مقال مستقل؟

كاتب من سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية