التلفزيون المصري يحتفل بنصر أكتوبر في غياب ‘ صاحب الليلة’!

حجم الخط
0

سليم عزوز

تحتفل مصر هذه الأيام بنصر أكتوبر، الاحتفال هذا العام له شكل آخر، لم يعرفه الجيل الذي تفتق وعيه على الحياة وحسني مبارك يحكم مصر!. كان الرئيس الراحل أنور السادات هو ضيف الشرف في احتفالات الثلاثين سنة الماضية، إذ كان الرئيس المخلوع هو ‘صاحب الليلة’ بعد أن اختزل إعلامنا نصر أكتوبر في الضربة الجوية، وهذه الضربة في شخص مبارك، وخلال السنوات الماضية، كان ‘كذابو الزفة’ يروجون بأن الرئيس من يملك مصر، لأنه صاحب هذه الضربة، ومن حقه أن يحكمنا ما دام هناك نفس يخرج وقلب ينبض، على النحو الذي قاله هو، وإذا توقف النبض، وخرج النفس ولم يعد، فان الحكم هو لذريته من بعده، أليس الوالد هو بطل الضربة الجوية؟!

كان التلفزيون المصري يبث لقطات للسادات لذر الرماد في العيون، وعلى نحو يشير الى أن مبارك هو صاحب قرار الحرب وصاحب قرار السلام، وان السادات كان يعمل تحت رئاسته.

وفي هذه الأيام فان السادات عاد ‘نجم السهرة’، فالتلفزيون يبث لقطات من خطابه التاريخي أمام البرلمان، عقب النصر، وقد دُشن حينها زعيماً، قبل أن يحدث التحول الكبير بزيارته لإسرائيل، وتكون خطبه هي اشتباكات مع خصومه السياسيين، وفي الخطاب الأخير قال عن الشيخ احمد المحلاوي انه مرمي في السجن كالكلب، وهو من ضمن الأسباب التي دفعت خالد الاسلامبولي الى الإقدام على اغتياله.

عندما انتصرنا في سنة 1973، كنت لم أتجاوز السابعة من عمري، وقد ‘هبدتني’ مذيعة برنامج ‘دفتر أحوال مصر’ على القناة الثانية المصرية بسؤال مفاجأة نصه: أين كنت في يوم النصر، وما أزعجني في السؤال هو أنها ظنت أنني من ‘كبار السن’ ولا اخفي أنني حزنت على نفسي، ويزعجني كثيراً ان يخاطبني احد بالكاتب الكبير، مع اني لا زلت في سن الشباب، ومن هم في سني لم يدخلوا دنيا بعد!

فكرت أن أقول لها أنني كنت على الجبهة في هذه الأيام وأروي ذكرياتي عن النصر، لكن تذكرت ان ما اعرفه عن هذه الحرب هو ما تم تلقينه لنا طوال السنوات الثلاثين الماضية عن دور الرئيس المخلوع.

قبل أيامه السوداء كانت الاحتفالات بنصر أكتوبر تدور حول تحطيم خط بارليف المنيع، لكن منذ سنة 1982 وما يتم الترويج له هو دور حسني مبارك فقط، وكأنه كان وحده في الميدان، والشهادات التي تنقلها الصحف ويبثها التلفزيون لقادة وجنود شاركوا في المعركة هي للتأكيد على دور القائد الهمام، الذي جاء لنا بالنصر من ‘فم الأسد’. لقد كان التزوير هو سيد الموقف، الى حد أن تم نزع صورة الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان، ووضع صورة مبارك بجانب السادات في غرفة العمليات، وقد حدث هذا التزوير في الصورة والذي كان كاشفاً عن التزوير في الواقع، دون أن يحتج عليه احد، وإزاء ذلك تصرف المخلوع على انه صاحب نصر أكتوبر!

الشحن الإعلامي كان يوحي كما لو كان مبارك هو الذي قاد سرب الطائرات، في حين انه هو من نقل أوامر القائد الاعلى للقوات المسلحة الى سلاحه، وصاحب الضربة الجوية الأولى لم يكن حسني مبارك كما كان يتم الترويج له إعلامياً طيلة سنوات حكمه، ولكنه الشهيد عاطف السادات شقيق الرئيس الراحل.

لقد قال هيكل على ‘الجزيرة’ ان الضربة الجوية هي عمل من أعمال الوظيفة، وهو مع تعاملنا معه الآن بعد الثورة، وقد جاء موعد الاحتفالات هذا العام دون استعداد حقيقي له من قبل التلفزيون، الذي اعتاد على الاحتفال بمولد سيدي مبارك، لا بانتصار حرب أكتوبر، ومن العام المقبل ان شاء الله سيكون الاحتفال بالعودة للتأريخ لهذا الانتصار بدلاً من التزييف الحاصل طيلة السنوات الماضية في الصورة والواقع.

الفنانون والسياسةأكبر خطأ يقع فيه بعض مقدمي البرامج أن يتصوروا أن نجوميتهم لا تكتمل إلا إذا تكلموا في السياسة، وكثير من نجوم الفضائيات قبلهم المشاهد، دون ان يكون لديه قناعة بأنهم خبراء استراتيجيون في العلوم السياسية.. وما أكثر الخبراء.. وما اقل النجوم التلفزيونيين!

لكن وكما يحدث من قبل الفنانين والفنانات الذين يتكلمون في السياسة لإثبات أنهم مثقفون، يحدث من قبل مقدمي البرامج فتكون آراؤهم خصماً منهم وليست إضافة لهم.

محمود سعد مثلاً كان نجماً في مجال الحوار مع الفنانات، والتطرق الى حياتهن الخاصة، وكان محبوباً لدى الناس بلازمته الخاصة: ‘اشربي العصير’، وهو بدأ حياته محرراً فنياً الى ان أصبح رئيسا لتحرير واحدة من المجلات الفنية، لكن فجأة تلبسته الزعامة السياسية، فتحول الى محاور سياسي، فزعيم سياسي في وقت لاحق.

جورج قرداحي تحدث في لقائه مع معتز الدمرداش على قناة ‘الحياة’ فذكرني بخالدة الذكر عفاف شعيب، التي استعان بها النظام البائد لتهاجم الثورة، فقالت ان ما يحدث في ميدان التحرير عطل ناموس الكون وحركة الحياة، والدليل على هذا التعطيل الرهيب ان ابن أختها قال لها ‘ياطنط انا نفسي أكل بيتزا’ بالكسر الزائد عن الحد للباء، التي تجعل اللسان يتعلق في سقف الفم ولا أمل في نزوله منه.

مطعم البيتزا كان مغلقاً بسبب ما يجري في التحرير بطبيعة الحال، لدرجة انني تمنيت أن اعثر على نسخة من كتاب ‘آبلة نظيرة’ حتى أتمكن من أن أصنع له ‘بيتزايا’ معتبرة، واهديها له، فحرام أن يظل الطفل يطلب ‘البيتزا’ ولا نلبي طلبه، الذي يحول دون تحقيقه شباب التحرير!

وقد حزنت حزنا شديداً عندما عثرت على نسخة واكتشفت ان ‘أبله نظيرة’ قد وضعت كتابها الشهير قبل ان تتوصل البشرية الى ‘صناعة البيتزا’، وآخر فصل في كتابها هو عن ‘طشة الملوخية’ التي قال زميلنا ممتاز القط رئيس تحرير جريدة ‘أخبار اليوم’ السابق وهو يعدد تضحيات مبارك في سبيل بقائه في الحكم، أنه محروم ( ياولداه) من ‘طشة الملوخية’. الآن بإمكانه ان يشرب كل يوم ‘جردل ملوخية’، بالطشة والأرانب، وباللحم الضأني.. رائعة الملوخية باللحم الضأني يا مخلوع، بإمكانك ان تجربها بعد سنوات القهر والحرمان في السلطة.

الذي طمأنني على ان موضوع ابن شقيقة عفاف شعيب هو فبركة ويتم استخدامه في الحملة ضد الثورة، هو ما قالته سيادتها من ان الغلام طلب ‘لحم ريش’ وعندها أيقنت أننا أمام مسلسل هابط، وإلا كنت قد طلبت منها أن تهدئ من إحساس الفتى بالحرمان بأن تذكره بإخوانه في الصومال.

ابن شقيقة المذكورة لم يتجاوز الثلاث سنوات، ومع ذلك بدلاً من ان تهفو نفسه الى قطعة شوكولاته، اذ به في هذا السن يطلب ‘ريش’! لكن لا بأس فعفاف شعيب كانت مستدعاة من قبل النظام البائد لتقوم بدور، وقد رأت ان تتحدث في السياسة حتى لا تتهم في ثقافتها العامة، فهرتلت.. من هرتل يهرتل هرتلة.. أي قال أي كلام!. قرداحي ومحاكمة المخلوعجورج قرداحي ولأنه نجم رأى ان يتحدث في السياسة، ولأنه ليس مهتما بها إلا من باب الاستعراض الثقافي، فقد قال مع معتز الدمرداش كلاماً اضحك الثكالى!

سيادته أعلن ان محاكمة مبارك اهانة للكرامة الوطنية، ولا نعرف عن أي كرامة يتحدث الرجل وقد رهن المخلوع كرامة الوطن عند إسرائيل التي انزعجت لسقوطه وقال احد قادتها إن إسرائيل فقدت كنزها الاستراتيجي في المنطقة.

مبارك لا يحاكم بدوافع الانتقام، لكنه مقدم للمحاكمة بتهمة قتل الثوار، ناهيك عن جرائم النهب والسرقة للمال العام، التي كانت عنواناً لحكمه.

ومشكلة قرداحي في المصدر، فهو قال انه تابع الثورة عبر الفضائيات المصرية، وهذه الفضائيات عامّها وخاصها كانت ضد الثورة، وكان ميدان التحرير يقف فيه خمسة ملايين مواطن، فيقول التلفزيون المصري وضواحيه ان هناك المئات في الميدان.

لم يشاهد قرداحي الفضائيات الاخرى، وقتل الثوار كما لو كانوا دجاجاً ابيض، ولم يشاهد الخيل والبغال والحمير وهي تقتحم ميدان التحرير، ولم يشاهد القناصة الذين أصابوا في يوم هذه الموقعة أكثر من ألف شخص من شباب الثورة، على نحو دفع شباب الأطباء وهم يرون أنفسهم عاجزين عن علاج كل هذا العدد من المصابين، ان يذهبوا الى المنافذ بمعاطفهم البيضاء ويتصدوا بأنفسهم للبلطجية والمجرمين الذين زج بهم نظام مبارك وحماهم، فلم يتم تقديم واحد منهم للمحاكمة، وقد سلم الثوار أكثر من 250 من الشبيحة لمن يهمه الامر، وفي اليوم التالي كانوا يلقون على الثوار الزجاجات الحارقة والحجارة، ويهددونهم بالسيوف والسلاح الأبيض، فقد تم اخلاء سبيلهم!

لم تنقل الفضائيات المصرية، التي كان يتابع من خلالها جورج قرداحي الثورة المصرية، صورة السيارات التي كانت تدهس الثوار وكأنهم مجموعة من النمل، والتي تبين أنها مملوكة للسفارة الأمريكية بالقاهرة وقيل إنها كانت مسروقة.. ولم تكن هي السيارة الوحيدة المملوكة للسفارة وقيل انها مسروقة.. فهل كانت مسروقة فعلاً؟

معذور جورج قرداحي لأنه لم يشاهد كل هذا الإجرام، الذي يحاكم عليه حسني مبارك، ولهذا هو يرى أن محاكمته اهانة للكرامة الوطنية.. مع ان قبولنا ولو تحت تهديد السلاح بحكم مبارك ثلاثين عاماً هو الاهانة للكرامة الوطنية وللكرامة الإنسانية.

إنها كارثة عندما يقدم جورج قرداحي على انه مفكر سياسي فيكون كلامه تطجينا وإساءة له.

يقول المتصوفة: ان من الذنب ان يكلف المرء نفسه من البلاء مالا يطيق.. ورجل ثقافته السياسية مثل ثقافة عفاف شعيب حرام عليه ان يقحم نفسه فيما لا يفهم. أرض جوالحمد لله، فقد عاد بلال فضل الى قناة ‘التحرير’ وسوف يعود محمود سعد إليها وهو الذي أوحى للمشاهدين وهو يعلن انسحابه منها انهما قد وقفا على مصادر تمويلها بشكل جرح كبرياءهما الوطني، لاسيما أن طريقة سعد مالت كثيرا الى استخدام كل مخزون الشجن في مصر ودول الجوار.

وقد تبين أن الدافع للاستقالة ليس اكتشاف أمر مريب، لكن تبين ان مستثمراً جديدا دخل شريكاً مؤخراً والهدف هو دفعه الى رفع الرواتب. لا بأس فلا حرج في الأمر، وها انا اعلن وعلى طريقة محمود سعد، بأن جماعة ‘القدس العربي’ اذا لم ترفع راتبي، فسوف أغادر، لا اعرف ما إذا كانت المغادرة ستكون الى جدة أفضل أم الى شرم الشيخ؟!

وللعلم فان صديقا لي مؤمنا بالدور الوطني لكل من سعد وفضل هول في الأمر وقال ان سر انسحابهما هو تلقيهما تحذيرات بالتصفية الجسدية اذا استمرا في العمل بقناة ‘التحرير’. ها هما قد عادا ويا ميت ندامة على اللي حب ولا طالشي.

صحافي من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية