د. عزيز الحدادي
هكذا خاطبتني روما فأجبتها بلغة الشعراء: أنا من بلد شمسه لا تغيب، وأرضه يتقاسمها بحران؛ متوسطي وأطلنتي، بيد أن الإنسان فيه يعيش لحظات الغروب والاحتراق من شدة الانتظار إلى درجة أنه لم يعد بإمكانه أن ينتظر، فمنذ سقوط الأندلس وهذا البلد ينتقل في دائرة الانتقال، مغلقة وشرسة يحرصها أعداء النزعة الإنسانية الذين يعتبرون الثروة والسلطة مقياس الوجود، ويهملون طباعهم وأخلاقهم ويتبرأون من الثقافة والفكر، بل ويكرهون كل من يتعاطى هذه الصنائع والفنون.
ثم قاطعتني مندهشة، وهل يفرحون بأرواحهم، أم بأجسادهم فقط؛ وهل أن سعادتهم تشبه سعادتنا؟ وهل جئت إلى هنا هروبا من كآبتهم؟ وهل أنت متأكد بانك ستعود إليهم ولا يجهزون عليك إلى حدود القتل كما وقع لذلك الذي خرج من الكهف الأفلاطوني، ولما عاد تم قتله؟.
هذا المساء قررت أن لا أجيب عن أسئلة روما، لأنني كنت مع ابن رشد نتجول في تلك الأماكن التي ظلت مخلصة للرشدية، ومكنت من نشر العقلانية الأرسطية في مدرسة بادوفا، هذه المدرسة العظيمة التي انطلقت منها شرارة النهضة الأوروبية. هذه النهضة التي حرمنا منها في ذلك اليوم الذي حمل فيه جثمان الفيلسوف والفلسفة على ظهر دابة: الفيلسوف يوازن الفلسفة، ولم تتوقف هذه الدابة إلى أن وصلت إلى هنا، حيث أقف ومعي ابن رشد الذي فقد حركة الجسد واحتفظ بأبدية الروح، لانه أكل من شجرة المعرفة ولم يأكل من شجرة الحياة، هكذا حكم عليه بالنزول إلى المنفى الأبدي.
هل تسمح لي أيها الحكيم بأن أنطق بأسئلة مضطربة حملتها معي من بلاد حرمتك من الإقامة فيها سواء كنت حيا أو ميتا، وأخشى أن أكر عليك نفس الأحزان واحرك فيك نفس القلق، وبخاصة ونحن سويان في المنفى والمحبة؟ كان تأمل الحكيم أقوى من إجابته، لأن شراسة الزمان قد علمته حكمة الإنصات إلى نداء الوجود والابتهاج بمعاشرة الحكماء ومتعة الإقامة في جمهورية العباقرة التي تخلو من الشر والرداءة، لأن سكانها أفاضل وأخيار، لا يحتاجون إلى اطباء وقضاة إذ لا مشاجرة ولا تشاكس بينهم، والحمية فن للحياة. لكن بمجرد ما شعر الحكيم بحيرتي، وعدم قدرتي على الانتظار، ذلك لأنني انتظرت طويلا، قال لي، لقد جئت من أرض ولدت فيها، ومت فيها، ولذلك أنا أحمل معي قطعة منها تؤنسني في غربتي وتعيد إلي ذكرياتي المرتبطة بمرحلة الشباب عندما أكلت من شجرة المعرفة وتم طردي، وتدمير هذه الشجرة حتى لا تنبت ثانية، بيد أنني استغرب كيف استطاعت أن تنبت من جديد وتأكل أنت منها ثم تلتحق بي وتكسر هبة الصمت ونعمة السكينة، وقد لا أخطئ إذا قلت بانك عاشق أسير في المنفى، لا وطن لك إلا وطن الفلاسفة تطاردك اللعنة كما طاردتني من قبلك. فلتكن الشجاعة، والحكمة والعشق رفاقك في الطريق. وليس بإمكانك أن تهرب من قدرك، إذ لا أحد من الحكماء تمكن من الهروب من قدره، وبخاصة بعدما تحكمت الحكمة في وجوده، وحولته إلى حطام تتلاعب به أمواج البحر.
خذ حقيبتك واهرب من روما، والا حولتك إلى اسم بلا معنى، إشارة بسيطة على التاريخ، مهاجر أتعبه السفر. وبدأ يبحث عن مائدة في مساء شتائي، يلمع فوقها الخبز والدفء والشراب والحنين إلى الأحباء والوطن قبل أن يمزقهم الزمان. ويرمي بهم في جحيم العدم.
وفي الصباح سألتني مضيفة الطائرة قائلة: من أي بلاد أنت؟
، فقلت لها: أنا ذاهب إليه وربما أجده قد رحل هو الآخر؟.