علمتنا تجارب الحياة أنّ الإنسان يحب أن يكون مظلوما خيرا من أن يكون أبلها، والحال هذا لا ينطبق على السلطة الفلسطينية في تعاملها مع توني بلير مبعوث الرباعية، فقد كانت السلطة الفلسطينية أرضا خصبة أعادت انتاج البلاهة وقبول الظلم في الآن نفسه، توني بلير كما تظهر سيرته الذاتية هو من مبرمجي الحرب الظالمة ومن مروجي أكاذيب الأسلحة غير التقليدية في العراق الشقيق، ومن البديهي أنّ الخنجر الذي يطعن خاصرتك اليسرى لن يكون مرهما لخاصرتك اليمنى، فكيف قبلنا هذا الخنّاق؟ وهل أحببناه حتى كنا نستقبله بحفاوة في رام الله؟ أيحب القط خنّاقه! أم هي البلاهة والخنوع للإملاءات الإسرا – أمريكية؟
توني بلير هذا تقمص دور الصهيوني المخلص أثناء عمله لمدة طويلة مبعوثا للرباعية، وكان آخر خيرات ‘حمامة السلام’ للإسرائيليين تحريض الأوروبيين ضد عضوية فلسطين في الأمم المتحدة! وجاء بإملاءات إسرائيلية بلكنة بريطانيـــــة حتى قال عنه أحــــد المسؤولين الفلسطيينيين: لقد تحدث معنا توني بلير كدبلوماسي إسرائيلي.
توني بلير تاجر، فمقابل أعماله وجهوده تضاعفت ثروته حتى قدرت بين 25 و50 مليونا من الدولارات، ومقابل خدماته الحميدة لإسرائيل تفحّل على نسائها، وقد دسّت الصحافة الإسرائيلية رسائل إلى زوجته النائمة على أذنها تنبهها إلى أفعاله، والفلسطينييون بطبيعة الحال لا يمتلكون مثل هذه الثروات، ولا تلك النساء، ولا هذه الإغراءات، ناهيك إن لم تكن المخابرات الإسرائيلية هي من كانت تنصب له مصائد العسل لتتلاعب به كما يحلو لها لا سيما أن بلير يمتلك كل مكونات السقوط والانتهازية والكذب المغلف بابتساماته الصفراء.
إننا كشعب فلسطيني وأنا واحد منهم لا نترجى من الغبار المطر، ولا من المستعمر القديم الإنصاف والتخلي عن غرائزه، فمهما حاول تلميع أنيابه فستبرز بحدّية الخناجر إذ ما تقع الضحايا ويشتم منها رائحة الدماء، ولو سألت الشارع الفلسطيني عن مبعوث الرباعية ودبلوماسيته فسيقولون لك إنّ الشيطان يمكن أن يكون ديبلوماسيا أنيقا ومعطرا أيضا، وقد قال لي أكاديمي يوما بأن توني بلير يمثل رجلا استعماريا يفضل ضرب لندن بالقنابل النووية على أن تضرب تل ابيب.
لكن لماذا فضحته الصحافة الإسرائيلية؟ ألأن حجم المكاسب التي أصبح يتقاضاها أكبر من حجم خدماته؟ أم لأنّه وصل لمنزلة من السقوط لم يعد دونها منزلة؟ فكما أنّ هناك سقفا للأشياء فثمة قاع لا تستوعب رواسبه وقمامته إلا المصارف.
وموقف السلطة من استيائها من بلير لا يصل في مستواه إلى تطلعات الشعب الفلسطيني الذي تناغم مع قيادته في الأمم المتحدة مؤخرا، لذا ينبغي حظر التعامل معه، وأن تعتبره السلطة شخصا ليس كما هو المصطلح الدبلوماسي (غير مرغوب به) بل شخصا كريها بامتياز بالرغم من بدلته الكحلية وابتساماته المنمقة.
الدكتور عدوان نمر عدوان- جامعة بيت لحم