كمال الرياحي في روايته ‘الغوريلا’ يكتب كواليس الثورة التونسية

حجم الخط
0

صلاح بن عيادصدرت ‘الغوريلا’ عن دار الساقي وهي الرواية الجديدة للكاتب التونسي كمال الرياحي منذ أيام، الرواية جاءت في أقل من 200 صفحة مقسّمة إلى لمحات متفرّقة تحمل عناوين مثل (العصيان، الجنازة، علي كلاب، خبر عاجل، حبيبة تشتعل في الساحة، في مقهى تونس حديث غريب عن أصل الثورة، سرّ شكيرا، محاولة لقتل الماء، بوخا يعود من الموت، بيتزا بيتزا وسقوط الصبّارة، مبيد الخ…) تنتهي الرواية بعبارة ‘انتهت’، ليكتب بعد النهاية نصا تحت عنوان 14 كانون الثاني/يناير 2011 هذا التاريخ الذي يمثل ثقلا عند التونسيين والعرب جميعا وهو تاريخ فرار الديكتاتور وجماعته وانتصار ما بات يعرف بالثورة التونسية.

يجمع ‘الغوريلا’ أو صالح الشخصية الرئيسية للرواية بين حكايات تبدو بلا نهاية لتشابكها وبلا حد لجرأتها، كما يجمع حشدا من الناس في ساحة عُرفت بساحة ‘7 نوفمبر’ أين ينطلق برج ساعة باتت تعرف بها تونس والتي لم تكن سوى رمز قويّ للنظام السّابق الذي قام على إثر انقلاب على البورقيبية في تونس. ‘الغوريلا’ المتعلّق بأعلى الساعة لمدّة سبع ساعات ما هو إلا الشاب الذي حاول الانتحار على أرض الواقع ودون جدوى يوم 21 تموز/يوليو 2009 والذي أرهق الأمن لمدة سبع ساعات أيضا حال ما ورد في الرواية، الخبر تناقلته وكالات الأنباء أمّا الصحافة التونسية التي باتت اليوم ثورية فقد كتبت عن محاولة شاب مختل العقل الانتحار رغم أنه لم يتجاوز الثلاثين من العمر.

كمال الرياحي جعل الحادثة منطلقا لما فيها من رمزية كافية ولما يمثله الشارع ومكوناته وشخوصه من ثقل أيضا. شارع الحبيب بورقيبة هو الزحمة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والهامشية، هكذا أراده النظام على ما يبدو قفصا لأيقونات رسمية وهامشية. تدور الرواية إذن في المكان المذكور وفي أذهان شخصيات لها علاقة بالشارع المذكور. ‘الغوريلا’ المتسلق في الساعة المسمومة في تحدّ واضح لكل سمومها ورموزها ما هي إلا ‘تعلة’ على حدّ تعبير الروائي التونسي كمال الرياحي كي يغوص فنيّا ومعنويا في الهامش التونسي المصاب بالحزن والإحباط والحبّ. ينتهي ‘الغوريلا’ انتهاء كهربائيا ليمثل ضربة بداية ثورة روائية وهو ما جمع ذاك الهامش التونسي في عبارة ارحل، ‘ديقاج’ العبارة المشحونة بالألم والإحباط وحب الحياة: الإرث المتوسطي لكل التونسيين في بلد هو أجمل ما يكون في شمال إفريقيا جغرافيا وحضاريا وهو في رأينا ما دفع الشابي إلى كتابة قصيدة تترجم بجدارة حب الحياة لدى التونسيين، القصيدة الموسومة بإرادة الحياة والتي منها ‘إذا الشعب يوما أراد الحياة’ إلى آخر البيت. الغوريلا، الرجل الذي ‘من ظنون’ يقدح نارا سردية ما ان يعتلي الساعة. هو من أولئك اللقطاء الذين نسميهم ‘أطفال بورقيبة’ يتمسك لمدة سبع ساعات بعقارب الساعة المشرفة على العباد والبلاد. في أسفل الغوريلا شخوص منها الشرطيّ ذو ‘التدخّل السريع’ والحنكة والوحشية ومنها الشيخ العارف بما وراء الغوريلا والمتفرجة على المشهد خلال التلفاز والتي اختلطت جسديا بالغوريلا ومنها الشاذ جنسيا والمومس والسياسي والمثقف والسارق والحشّاش الى ما لا نهاية من مكونات مجتمع متوتّر ‘نمليّ’، ‘هاهو الآن يتجوّل فوق الساعة مثل نمر مسعور يبحث بين جماهير النمل تحته عن فريسة’، لسبع ساعات يشرف الغوريلا على ‘الأعناق المشرئبّة’ ليعوض الوقت المغلوط الذي أتاه التونسيون في الأسفل ثلاث وعشرين سنة. يروي الرياحي في أسلوب تلميحي سينمائيّ ما فعلت سنون بن علي في مختلف شرائح المجتمع التونسي، المجتمع بما هو كواليس يتبلور فيه الغضب الجماهيريّ الذي لا تحمد عقباه.

جاءت رواية كمال الرياحي خالية من تلك المباشرتية التي صبغت معظم ما كتب عن الثورة التونسية، ويعود ذلك ببساطة إلى أنها رواية كتبت قبل أحداث كانون الثاني الشهيرة بل ونشر منها مقطع في كتاب جماعي مما عاد على الروائي بوبال الإقصاء ليجد نفسه بعد إضراب جوع قام به، مهملا كاللاجئ تماما في الجزائر باحثا عن كرامة الكاتب والمثقف. كان الرياحي يكتب بحس كبير وكان معظم ما يكتب يتحقق ولو بنسب متفاوتة. الأمر لا يصدقه إلا من عايش الأمر من الذين لا يخفون تعجبهم إلى اليوم وهم يتحدثون حول هذه التجربة الروائية التي أرسلت لدار الساقي قبل حتى اندلاع الثورة ومع تأجل نشرها أضاف الرياحي اضطراريا بعد الثورة القسم الأخير منها المعنون بالرابع عشر من كانون الثاني/يناير. الغوريلا، الأسود يعرّي من نواحي عدة أمراض النظام وأمراض المجتمع على حد سواء، ففي النظام تفسد العائلة الحاكمة على إثر تصوير مشاهد من التعذيب والتفنن فيه في دهاليز وزارة الداخلية إلى التنظيم الإرهابي الذي هز تونس سنة 2009 والذي انتمى إليه الغوريلا في الرواية وهو ما يفسّر غيابه سنتين عاد منهما في ‘عصيان’ واضح للرمز المسموم الذي يتوسط العاصمة وللأب الراحل ‘بورقيبة’ حيث دارت بينه وبين قبره مشادات كبيرة وهو يعمل حارسا على المقبرة. ‘وحيدا يسير خلف الجثمان مثل حقيقة خجولة. تفصله عنه الأكاذيب الضارية. تأكله حمّى الهزيمة فيرى نفسه في معطف ثقيل في قبو مظلم بأرض غريبة. تتلبّسه فجأة صورة والده في جزيرة جالطة يقضي شهور النفي بنفس المعطف. كلاهما وحيد. كلاهما منفي. يأكلُهما البرد، تسير الجنازة مثل ناقة نبي، وخلفه قافلة تسير كما أرادها وخلف القافلة غوريلا من صلبه يتركه فجأة للظلام’. هكذا هو الغوريلا خلف جنازة أبيه ‘بورقيبة’، وهكذا يرى الروائي ومن مكان ما يدور في قلب الذي سيموت صعقا بالكهرباء كما يشير الرمز البوليسي الروائي ‘علي كلاب’ الخبير في تقطيع أوصال الاحتجاجات وحتى الإنسان: ‘ بل عليك أن تتذكّر’. (قال علي كلاب جملته وصفع الحارس فتناثر من فمه خيط دم خاثر ليرسم على الحائط طريقا إلى الرعب). بين ‘علي كلاب’ والغوريلا حكاية قديمة، فالأخير مطلوب بشدة قبل تسلقه الساعة كآخر تحدّ واضح والثاني من الأوفياء المحبين للنجاح في إطار نظام قمعي كامل أرساه الجنرال منذ توليه السلطة. لكن بين علي كلاب والشعب المتفرّج عداوة غير معلنة وبين الغوريلا والشعب تعاطف معلن أحيانا ودونه أحيانا أخرى، لذلك كان فتيل نارهم في آخر الرواية بأن حملوه فحميّا على الأكتاف وهبّوا هبتهم دون خوف أو تردد وبعثوا ‘الديقاج’ الشهيرة التي أطاحت بالجنرال و’كلابه’. حكايات جانبية في هذه الرواية هي من الأهمية بمكان، تنتقل الكاميرا الذهنية للكاتب إلى الحميم وأثر السلطة السياسية عليه، في نص تحت عنوان ‘تسطيرة وديانة اليقطين’ يذهب الروائي إلى تشريح العلاقة الحقيقية التي تربط الدين بالسياسة، فلكي يتمّ بيع ‘القرع الأحمر’ ‘خرج الداعية في جبته البنفسجية بالمحطة السابعة وتحدّث عن ولع النبيّ بأكل القرع الأحمر لأنه يزيد الباه، والناس لا حديث لهم إلا عن القرع.’ يصغّر الروائي زاوية النظر حتى يصل ما يدور بين نساء تحت نفس السقف وهن يقشرن القرع ويتضاحكن ويتخاطبن في دارجة تونسية مشحونة ‘القرع خلى اللي ما عندوش ركبة بو ركبة’ تتضاحك النساء وهنّ يقطعن اليقطين أمام التلفزيون في انتظار عمرو خالد. قالت إحداهنّ: ‘فسدها البارح ما بكاش’. لا يترك الرياحي كبيرة أو صغيرة حتى يمرّ عليها مرورا متفاوت الموقف. حكاية الغوريلا المتعلق بالساعة هي حكاية إطار تتداور وسطه حكايات كنقاط صغيرة فكبيرة في ترابط بارع وفي علاقة أو أخرى بالغوريلا، سيّد الجميع الذي تجتمع عند رجليه العوالم، كنبيّ منتظر، كمؤذن حتى أنه لسواده شبهه ببلال الحبشي. وهو صورة أخرى للباندي التونسي أو الفتوة، الذي ‘لا يخاف الحاكم’. تصل الرواية ذروتها ما إن جال الكاتب في داخل البطل العائم في الأعلى، ففي نص عنوانه ‘الغوريلا يتأمّل إبطه في السماء’ يعلن الروائي عن نفسه بقوله ‘ هناك في الأعلى لا أحد يعرف ما يدور في ذهن الغوريلا غيري’ … ها أنا أسمع صوته يجيش بصدره مغمغما وهو ينظر إلى ساقه اليسرى التي لفّت بضمائد وتسرّب منها دم خاثر. لا أحد يرى هذا الجرح وهذا الدم غيري:’هل تكون نهايتي كنهاية ياشين؟ العنكبوت الأسود! حارس السوفيات’. قد يطرح هذا المقطع ما كان المثقف المغضوب يرى ما لا يرى غيره. رأى الرياحي في ‘محاولة شابّ مختلّ’ الانتحار من أعلى رمز الديكتاتورية باعثا لثورة لأن الأسفل بدوره ما هو إلا كواليس آهلة للتثوير. عن تلك الكواليس صبّ الروائي التونسي المتفرّد كمال الرياحي جام قلمه. أدار تقنياته هنا وهناك الأمكنة والنفوس والتفصيلات بانيا لنصّ هو بعيد عن الثورة التي لم تتحقق وهو قريب من ثورة ربما تتحقق، تثوير النص في معنى الثورة الفنية ما يركب الروائي. لذلك فقط نفهم الرياحي عندما أسس ناديا للسرد في تونس أطلق عليه ‘ناس الديكامرون’ الجماعة التي فارقت الطاعون السياسي إلى أعالي الفن السرديّ.

شاعر تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية