محمد سالم الشرقاويها قد مر فصل الربيع ودخل فصل الخريف، من دون أن تتضح معالم التغيير الحقيقي الذي خرج الملايين من أجله إلى الشارع، في أكثر من ساحة عربية، اللهم إلا هذا الحجم الهائل من العنف المادي والمعنوي واللفظي، الذي يتداعى من مكان لآخر وتستمر الشوارع العربية في ترديد صداه، قبل أن يتأكد بعضنا أن خُُرافة ‘الاستثناء’ قد اصطدمت، بالفعل، بواقع صعب لا يرتفع.
ضحايا الأنظمة ووقود الثورات هم غالبية الشباب، أفراد الحالمون بالإصلاح، فإذا بهم يصطدمون، في كل مرة، بقلة من البشر طوعت نظام الحكم لنفسها وسنت القوانين لصالحها وأطبقت السيطرة على مصادر الرزق والثروات وزورت الانتخابات لتسهيل فوز الحزب الحاكم بغالبية مريحة، تمكنه من الاستمرار في الحكم. وأمام السيل الجارف للحشود، تأكد بعض الحُكام بأن خطاب الترهيب بقانون الطوارئ ثم الترغيب بفجر الديمقراطية، لم يكن ليرد عنهم غضب الشارع. فسقطت أنظمة وتداعت أركان أخرى، وبدأنا نتابع، على الهواء مباشرة، محاكمات لمسوؤلين كبارا، لم نشهد لها مثيلا في أعتى الديمقراطيات وأعرقها! و لم تكن لتخطر على بال أحد.
وبذلك تكشفت خيوط اللعبة، ورأينا كيف نجحت جوقة الرئيس المصري السابق ومستشاروه وجُلاسه في مراكمة الثروات على حساب الشعب وفقرائه، حتى جعلت نظام الحكم في هذا البلد العريق يمثل أنموذجا حيّا لسوء الحكامة.
ومع ذلك، يكاد المرء، يُشفق على مبارك ونظامه، بعد ما شهده العالم من هول البلاء الذي لحق بليبيا، عندما لم يتورع زعيمها في محاربة شعبه بترسانة عسكرية جرارة، بسبب التطاول على الرموز والمطالبة بتغيير ينشد تأميم مقدرات البلاد، التي استنزفتها عائلته وأبناؤه، وكأنها ضيعة يحق لهم، وحدهم، قطف ثمارها وتوزيعها، بكرم، كيف ما اتفق، في الأجواء وحسب الأهواء!
لقد لعب ‘شباب الفايسبوك’ دور رأس الحربة في إشعال جذوة الحراك السياسي، مقابل تراجع دور المعارضات التقليدية من أحزاب ونقابات وهيئات، وقد ركن بعضها إلى المهادنة، مقتنعة بمساحة الحركة المتاحة لها، بعد سنوات من الكر والفر، انتهت بالكثيرين في المقابر وخلدت آخرين في السجون وأغدقت على فصيل ثالث بالعطايا والصلات مُقابل خدمات الوشاية بالرفاق وتقديمهم قربانا للأنظمة.
ونحن، على أي حال، لسنا متأكدين مما إذا كانت دول الغرب المتقدم، وفي طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية، بإمكانياتها المادية واللوجيستية وقدرتها على التوقع والرصد، قد فوجئت، بالفعل، بهذه الثورات وظروف نشوبها وتوقيتها ومحركيها من الشباب المغمورين القابعين داخل غرف الدردشة والمتوارين خلف الجدران وبين أزقة ودروب مواقع التواصل الاجتماعي.
ومع ذلك، فإن العارفين بخبايا هذا الحراك لا يخفون توجسهم من دور أمريكي/غربي في تحريك خيوط التغيير، ودليلهم على ذلك كون الرئيس الأمريكي، هو أول من وظف هذا الشعار قبل أربع سنوات، معتمدا في الترويج له على ‘الفايسبوك’ واليوتوب والـ’تويتر’، لتحقيق أهدافه في بلوغ سُدة الرئاسة (…) وهي ذات الوسائل التي تُستعمل اليوم لتأجيج الساحات العربية.
ولذلك فإن تعقب هؤلاء الشباب، ومن ورائهم جحافل من فئات الشعب المظلومين والمحرومين والمقموعين والمستضعفين، لن يجدي في شيء مهما طالت أيادي النظام ومهما بلغت قوة جبروته، ما دامت تسعفهم لوحات التحكم في الانتقال إلى عوالم افتراضية تمني النفس بغد أفضل.
إن العُقلاء في بلدي مُطالبون بتأمل هذه الحيثيات والتفكر في أبعادها، والتعمق في دلالاتها واستخلاص العبر والإفادات منها، حتى يتسنى تدبير مسارات التحول في ضوء ما تمخض عنه الربيع العربي من نتائج أدت إلى إسقاط الكثير من الثوابت، ومنها ما يتصل بأسلوب الحكم وآلياته.
وعلى من سيقوم بهذا الدور أن يستحضر أصالة المغرب وعراقته وتاريخه المجيد، وقد نجح في المحافظة على قيمه الدينية والحضارية وتمكن من صيانة عزته وكرامته واستطاع أبناؤه حماية وحدته الترابية والوطنية، رغم المكائد والمحن، فتكسرت على حدوده الشرقية أطماع الإمبراطورية العثمانية واستطاع، بفضل تضحيات قيادته وشعبه، دحر قوات المستعمر وفلوله.
هذه القيم والمكتسبات، لا يمكن إلا أن تكون مبعث فخر لأجيال هذا الوطن، وموضوع سيرة متفردة تتناقلها كتب التاريخ والتربية الوطنية، ليتشربها الصغار ويتمثلها الكبار وتكون نبراسا يهتدي بهديه أصحاب القرار في وضع السياسات التي تحكم مستقبل البلاد وشعبها.
وعلى أية حال، فإننا نجد أنفسنا، بهذا الامتداد وبهذا الزخم، في حاجة إلى جيل جديد من الرموز والقيم والمبادئ السامية لنحتكم إليها إذا اختلفنا، مبادئي تحفظ للمغاربة حقوقهم في المواطنة الكاملة كما عرضها الدستور الجديد في ديباجته وفصوله، وتتحقق فيها شروط المساواة في الحقوق والالتزامات، متمتعين بالحرية وبالعيش الكريم وبتكافؤ الفرص في التكوين والتأهيل والتشغيل والانتداب الانتخابي والتمثيلية العامة والترشيح لمناصب المسؤولية وفي الاستفادة من الصفقات العمومية.
وبقدر حاجتنا إلى التمتع بهذه الحقوق، فإننا كذلك بحاجة إلى صيانة أمن واستقرار البلاد، ذلك أن بعضنا لن يقدر أهمية ذلك إلا حينما ينظر إلى عيون الصغار وهم خائفون ومتوجسون من خطر يتربص بهم، أو إلى وجوه النساء وهن هاربات مرعوبات ينشدن النجاة. وبذلك فإنه لا يمكن القضاء على الخوف واجتثاث منابعه، إلا بمقدار ما سنوفره من مقومات السكينة والهدوء والإحساس بالأمان.
دعونا نتفق، إذن، بأنه لا يحق لأي أحد مصادرة أحلام الشباب باسم الهوية والرموز المشتركة، كما لا يحق لأي أحد حرمان المغاربة من العيش بسلام في وطن يستحقهم ويستحقونه. وطن حقق لأبنائه الكثير من المكتسبات وقطع، في العشرية الأخيرة، أشواطا مهمة في إرساء دعائم المجتمع الديمقراطي، وتوج هذا المسار المتميز بإقرار دستور متقدم نال ثقة الغالبية العظمى، في استفتاء فاتح يوليوز 2011، بنسبة عالية لا تقبل الجدل.
وتأسيسا على ذلك، علينا أن نتأكد بأن البلاد ليست بمنأى عن العواصف، رغم مقومات الخصوصية المحلية التي تؤمن البلاد وتحميها وتحد من شرور التطرف بأنواعه، حتى أن بعضنا لم يكن ليقتنع بسهولة، بأن الانفجاريات التي سُمع دويُّها في عدد من مناطق الدارالبيضاء ليلة 16 ماي 2003، كانت بفعل فاعل، حتى اكتشفنا، بعد حين أن الأمر لا يتعلق بانفجار عرضي لقنينات الغاز.
وعندما تحرك الشارع العربي من تونس إلى القاهرة ثم المنامة فمسقط وصنعاء وبعد ذلك بنغازي ودمشق، لم يتقبل البعض حقيقة أن شوارعنا يمكن أن تكون مسرحا لمسيرات مماثلة تنادي بالإصلاح، بدعوى أن بلادنا قطعت مع نظام الأحادية الحزبية منذ الثلاثينات ودفعت بالتعددية وبالديمقراطية وحرية التعبير وأطلقت مسلسل المصالحة ومكنت فئات المجتمع المختلفة من كافة الحقوق المدنية، حتى خرجت، بالفعل، مسيرات 20 فبراير 2011، لتقدم للعالم صورة متميزة عن نضج الشباب وتبصر السلطات، مما قطع الطريق على المتربصين باستقرار البلد وأعدائه وجيرانه.
وعندما تأملنا صور الشباب المتظاهرين في شوارع وساحات مدننا، وهي تكاد تخلو من رجال الشرطة والعسكر، تنفس الكثير منّا الصعداء، وتأكدنا أن بلادنا قطعت أشواطا مهمة، بحزم وثبات، في طريق بناء نموذج ديمقراطي مغربي، جعلها تتبوأ مكانتها في مصاف الدول التي تحترم نفسها وتحترم التزاماتها مع مواطنيها أولا ومع شركائها في التنمية ثانيا.
ولذلك فإن الفاعلين السياسيين مطالبون اليوم، وأكثر من أي مضى، بالعمل على صيانة مكتسبات الخطاب التاريخي لـ 9 مارس 2011، وما تمخض عنه من توافق وطني حول وثيقة دستورية مشرفة ستنقل البلاد من عهد، اتفق المغاربة على نبذ سلبياته واستثمار حسناته، إلى عهد جديد واعد ومنفتح على كل الآفاق المشرقة.
ليس صعبا على بعض أحزابنا ونقاباتنا تجاوز وضعية المراوحة والانتقال من سلوك متعهدي الانتخابات متفاعلين مع ظروفها، إلى مؤسسات فاعلة برجال ونساء قادرين على حمل الأمانة، وإلا سيكون من غير المبرر إلقاء اللوم على الإدارة كونها كانت السبب في إضعاف الأحزاب وجعلها على ما هي عليه من شيخوخة ووهن. لقد تابعنا باهتمام الخطاب الأخير بمناسبة ثورة الملك والشعب ليوم 20 غشت 2011، ودُهشنا لما سمعناه من تفاصيل، تصب في الدفع بالفُرقاء السياسيين إلى التعامل مع اللحظة التاريخية بالجدية اللازمة ودعم هذا الانتقال، الذي سيمكن المغاربة، عند اكتماله، من حكم رشيد يُناسبهم ويتلاءم مع واقعهم ويُرضي طموحاتهم.
ولم يُخف الكثير منّا شعورهم بالتقدير لهذه الشجاعة الملكية التي تمتزج برغبة صادقة في تأمين انتقال هادئ للبلاد، يعزز قدرتها على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، ويجعلها في موقف قوي للدفاع عن المبادرة المقدامة للحكم الذاتي في الصحراء، وإعمال مشروع الجهوية المتقدمة، ودعم انخراط البلاد في مكافحة الإرهاب، والوفاء بالتزامها بالأهداف الإنمائية للألفية ورهانات الوضع المتقدم مع الاتحاد الأوروبي، وتأمين التوازن المطلوب في التعامل مع الجوار العربي في ظل الواقع الجديد الذي أفرزته ثورات الشباب. وبالرغم من هذا الالتزام على أعلى مستوى، فإن الإشارات المتواترة والتلميحات المستخلصة من تصريحات بعض القادة السياسيين، وإن كُنّا نتفهم طبيعتها التكتيكية، فإنها تنبئ، على الأرجح، عن سوء فهم خطير يُمكن أن تكون له انعكاسات مؤثرة على مشروع الانتقال الجديد، قد تعيد البلاد إلى المربع الأول وترهن مستقبلها وتعرقل مسار بنائها وتنميتها.
وعلى أيّ حال، فإننا على يقين بأن نتائج استحقاقات نوفمبر تشرين الثاني 2011 ستكون حاسمة في رسم مسار البلاد، وتحديد معالم مستقبلها على المدى القصير والمتوسط. ولذلك فإن غالبية المغاربة، مهما كانت نسبة مشاركتهم في الانتخابات المقبلة، لن يقبلوا بأن تؤدي الطموحات الضيقة للسياسيين إلى إجهاض أحلامهم بسبب ما بات يحدوهم بعضهم من رغبات مكشوفة في الحصول على مرتبة متقدمة، بأي ثمن، على حساب استقرار البلد وأمنه وأمانه.
وما من شك في أن مسايرتنا لهذه الرغبة يُعدُّ خطأ جسيما سيترتب عنه المساس بسمعة الجهاز القضائي واستقلالية القضاة، الذين سيوكل إليهم الإشراف على تدبير الجوانب التقنية في العملية الانتخابية، وبذلك سنجد أنفسنا في موقف المدافع عن اختيارات غير مقنعة، ما تزال معالجتها ممكنة، إذا توفرت الإرادة إلى ذلك، داخل غرف قيادة الأحزاب السياسية وعلى طاولة المشاورات مع الحكومة.
وللحيلولة دون تكريس الممارسات المرفوضة والسلوكات المشينة، التي ارتبطت ببعض التجارب الانتخابية السابقة والحد من عودة بعض أعضاء مجلس النواب الحاليين، المشهود لهم بسوء السلوك الانتخابي، إلى قبة البرلمان، فإنه بالإمكان إقرار ميثاق شرف لتأطير السلوك الانتخابي ويضع محددات أخلاقية لقبول ملفات الترشيح للولاية التشريعية القادمة. كما أن القوانين المنظمة للانتخابات يمكن أن تُطعم بالمزيد من الآليات التي تعزز شروط التنافسية السليمة وتَحُد من الجمع بين أكثر من صفة تمثيلية وتوسيعها لتشمل جميع المجالس المنتخبة إلى جانب المجلس الجهوي.
وسيكون ملائما النظر في إمكانية تحديد فترات الولاية النيابية للنواب في فترتين متتاليتين، لا يحق بعدهما للنائب البرلماني الترشيح لولاية ثالثة في نفس الغرفة، فيما يحسُنُ تعزيز التدابير الزجرية في القانون الانتخابي لتشمل إلغاء النتيجة وإعادة الانتخاب في الدائرة، في حال ثبوت المخالفة بحكم من قاض محلي، ووقف الإعادة ومنح المقعد للمرشح المنافس مباشرة في حال العود. ويمكن أن ينطبق ذلك على كافة الاستحقاقات التمثيلية، التشريعية والجماعية وعلى انتخابات الغرف والمجالس.
وبذلك، على الفرقاء السياسيين أن يعملوا على القطع مع أسلوب التعهد الانتخابي ومسلسل التوافقات والتسويات التي تُفرغ العملية السياسية من محتواها وتضع مصداقية المؤسسات على المحك وتُؤجل مصالحة المغاربة مع أحزابهم ونقاباتهم ومع صناديق الاقتراع، وتُبقي دار لقمان على حالها، بنفس الوجوه وبنفس الأساليب.
إن مسؤولينا وأحزابنا مطالبون بتحمل مسؤولياتهم كاملة في إنجاح الانتقال التاريخي ونقل البلاد بأمان من مرحلة إلى أخرى وذلك بالعمل على اجتثاث كل الأسباب التي يمكن أن تؤدي بالشباب إلى العودة إلى الشارع، بشكل رُبما أكثر خطورة من السابق، والانخراط الجاد في إعمال روح الدستور الجديد، والتفاعل الايجابي مع رهانات المرحلة بشكل يحقق العدالة ويكرس المساواة ويقطع مع الممارسات السلبية التي تقوم على مبدأ تفصيل الحقوق على مقاس هذا الفصيل أو ذاك، بمقياس قرب المسافة أو بُعدها من مصادر السلطة والمتحكمين في خيوطها.’ إعلامي مغربي