د. عبدالوهاب الأفندي
يمكن اعتبار جائزة نوبل التي حصلت عليها الناشطة اليمنية توكل كرمان، أول جائزة من نوعها تحصل عليها شخصية عربية، لأن الجوائز السابقة كانت في حقيقتها جوائز حصلت عليها قيادات إسرائيلية، بينما لعب القادة العرب دور الكومبارس في ذلك المسرح. هذا بدوره يعكس أن العرب بدأوا بالفعل يدخلون ساحة التاريخ المعاصر، من بابهم الخاص بهم، وليس من الباب الإسرائيلي الخلفي. وهذه ليست سوى بداية.
وبالطبع هذا لا ينفي أن جائزة نوبل وغيرها من الألقاب الدولية ما تزال تعكس القيم والتوجهات الغربية. وبالتالي فإن الحصول على الجائزة يمثل إلى حد كبير ‘شهادة قبول’ في النادي الدولي الذي تحكمه هذه القيم. ولا يخفي مانحو الجائزة ذلك، حيث صرحوا بأنهم اختاروا توكل وامرأتين من افريقيا تحديداً للتركيز على دور المرأة في العالم الثالث. وهذا طرح لا يخلو من الدلالات الايديولوجية حين يتعلق الأمر بالشعوب الإسلامية، لأن الفرضية المضمرة هنا هي أن المرأة لا تجد حظها في العالم الإسلامي بسبب القيم الدينية.
ولعلها مفارقة ذات مغزى أن يوم منح الجائزة للناشطة اليمنية صادف الذكرى العاشرة لبداية غزو أمريكا وحلفائها لأفغانستان، وهي ‘غزوة’ كان من بعض شعاراتها تحرير المرأة من اشتطاطات الطالبان في حقها. وقد أعيد التذكير بهذا التبرير على ألسنة المسؤولين في الدول الغازية في معرض الرد على من قال بأن الغزو كان خطأً كبيراً، خاصة في ظل الاعتراف بأن احتلال أفغانستان لم يحقق الكثير من أهدافه ويقف اليوم على حافة الفشل.
قبل أسبوع من هذا الإعلان ثار جدل كثيف حول قرار العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز السماح للمرأة بالمشاركة في مجلس الشورى والمجالس البلدية، حيث رآه البعض من هذه الزاوية، أي محاولة كسب النقاط في الغرب بالظهور نصيرا للمرأة، وبالتالي الالتفاف على صورة النظام السعودي باعتباره نظاماً لا يسمح إلا بالقليل من الحقوق للرجال وبأقل من ذلك بكثير للنساء. ومن قبل ذلك كان النظام التونسي يتجمل بدعوى نصرة حق المرأة، في وقت كان فيه الرجال والنساء معاً يعانون من حرمان من أبسط متطلبات الكرامة الإنسانية.
ولعله لو لم تقم الثورة اليمنية لكانت الناشطة الحقوقية والإعلامية التونسية سهام بن سدرين في مقدمة المرشحين لهذه الجائزة، بسبب مواقفها البطولية في الدفاع عن حقوق المواطنة في تونس، حيث لم يعصمها كونها امرأة من عسف وبطش نظام كشفت أكاذيبه حين تصدت للمطالبة بحقوق هي من البديهيات، ومما كان القانون القائم آنذاك يكفله. وهناك غير سهام وتوكل ناشطات كثر في طول العالم العربي وعرضه قدمن ما يستحق أكثر من جائزة نوبل، منهن لويزة حنون في الجزائر، وريما خلف هنيدي وتوجان الفيصل في الأردن، ووداد حلواني (رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين) في لبنان، وابتسام الكتبي في الإمارات والشيخة موزة المسند في قطر، وغيرهن كثر. ولكن في النهاية كان لا بد من الاختيار.
في نفس الوقت فإن الاعتراف الدولي الذي لقيته المرأة العربية المناضلة في شخص توكل لا يغير من واقع المرأة العربية المتراجع في اليمن وما جاورها. يكفي أن المرأة السعودية، رغم قرار انضمامها إلى مجلس الشورى (وهو قرار مؤجل على كل حال) لا يسمح لها بقيادة السيارة، بل يبدو أن بعض عناصر المؤسسة الدينية قررت إرسال رسالة للملك ومن حوله في نفس يوم إعلان قراراته حول دور المرأة في الحياة العامة، حيث أصدرت محكمة في جدة حكماً بجلد إحدى السيدات عشر جلدات بتهمة محاولة قيادة السيارة في المدينة. ورغم أن الملك أصدر قراراً في اليوم التالي بإلغاء الحكم (ومن غير المعروف بأي سلطة فعل ذلك، لأنه بحسب قوانين الشريعة الإسلامية المطبقة في المملكة فإنه لا يحق للملك ولا غيره تعطيل ‘حكم شرعي’)، إلا أن الرسالة وصلت.
ولا يخفى أن العائلة المالكة السعودية غلب في داخلها الجناح ‘الليبرالي’ في عهد ما بعد الملك فيصل، وأن معظم أركانها يؤيدون حق المرأة في قيادة السيارة. (وبالطبع فإن الليبرالية نسبية، فمن يعتبر ‘ليبرالياً’ في السعودية قد يكون متطرفاً دينياً في أي بلد عربي آخر). وكان قد تردد أن مظاهرة النساء التي خرجت في الرياض في أواخر عام 1990 (بعد وصول القوات الأمريكية إلى أرض المملكة بعد غزو العراق للكويت) لتطالب بالسماح للنساء بقيادة السيارة خرجت بإيعاز من بعض رموز العائلة الحاكمة. وكان من أدلة ذلك أن النساء طالبن رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذين اعترضوا موكبهن بأخذهن إلى دار الإمارة في الرياض، حيث كن يتوقعن أن يجدن الحماية.
وفي تلك الحالة كما هو الآن فإن الاعتراض الأكبر جاء من المجتمع، خاصة الأرياف المحافظة، لا من الحكومة. ويروي بعض أهل الاطلاع أن الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز تلقى ما لا يقل عن أربعة ملايين برقية تستنكر مظاهرة النساء وتعترض على أي توجه للسماح لهن بقيادة السيارات، وذلك بعد أن أشيع (وكان ذلك مرجحاً) أن الحكومة على وشك إصدار قرار يسمح بذلك (تحت ضغط أمريكي بلا شك). وقد أيدت المؤسسة الدينية والتيار الإسلامي المسيس ردة الفعل المحافظة هذه، ليس من منطلق شرعي (لأنه لا يوجد نص أو قياس يجيز ذلك) بل من منطلق ذرائعي سياسي. فليس من مصلحة المحافظين والإسلاميين استثارة الرأي العام التقليدي، خاصة أنهم كانوا يحتاجونه في ما يرونه معركتهم الحقيقية، وهي معركتهم مع التيار الليبرالي.
وهذا يذكرنا بأبعاد الأزمة الحالية التي يواجهها العالم العربي حين يتعلق الأمر بحقوق المرأة أو غيرها من القضايا. ففي الغالب نجد الاطراف المعنية لا تتحرك من منطلق أخلاقي، بما في ذلك التيارات الإسلامية والقيادات الدينية. فالسياسيون مهتمون بارضاء الغرب أكثر من اهتمامهم بقضايا القيم، وإلا لو كان الأمر بخلاف ذلك لكان اهتمامهم بحقوق الإنسان والمواطن عموماً (فالمرأة في نهاية الأمر إنسان ومواطن كذلك) يعادل اهتمامهم بحقوق المرأة. وفوق ذلك فإن أولويات المرأة في السعودية وغيرها تبدأ من العذابات والمضايقات الشخصية التي تتعرض لها كامرأة، مثل منعها من التحرك عبر الحرمان من حق القيادة أو الاصرار على إذن ‘ولي أمرها’ في أبسط الأمور، وإجبارها على الزواج بغير رضاها أو منعها من تزوج من تريد، وتعرضها للعنف وحرمان المطلقات والأرامل من أبسط الحقوق. فهذه قضايا تهم ملايين النساء، بينما حق دخول المجالس التي تفتقد أي سلطة لا يفيد سوى قلة.
الأمر نفسه في اليمن وغيرها من البلدان العربية، حيث أن ظهور عدد لا بأس به من الناشطات وحصول بعضهن على الاعتراف الدولي لا يمكن أن يغطي على معاناة ملايين النساء ممن يواجهن عسف المجتمع وظلم ذوي القربى فوق عسف الدولة الذي ينالهن بالمشاركة مع بقية المواطنين. وليس الغرب كذلك بريئاً من الغرض في هذا الصدد، لأن اهتمامات حكوماته ضيقة. فقبل أيام قليلة أشاد الرئيس الأمريكي أوباما بتعاون السلطات اليمنية في عملية اغتيال أنور العولقي المشتبه في صلته بالقاعدة في شمال اليمن، وهي عملية مريبة في توقيتها. فالعولقي مقيم في اليمن منذ سنوات، ولكن ‘اكتشاف’ المخابرات اليمنية لمكانه ‘فجأة’ والتنسيق مع نظيرتها الأمريكية لاغتياله بعد أيام قليلة من عودة الرئيس صالح المفاجئة لليمن من مشفاه السعودي تثير أكثر من سؤال. ويزيد من الاشتباه كون السلطات اليمنية جاهرت هذه المرة بتواطئها، بل وانتقدت الإدارة الأمريكية لأنها لم تعترف بفضلها في هذه العملية البطولية بما يكفي! نفس الشبهات تحيط بترحيب الحكومات الغربية بخطوة منح المرأة السعودية حق المشاركة في المجالس، رغم أن هذه الحكومات تعرف أن هذه الخطوة جوفاء لا تقدم شيئاً لحقوق المرأة ولا لحقوق المواطن.
لكن بالطبع هناك بعد آخر للمسألة، يتمثل في دور المنظمات المدنية ومسؤولية الحكومات الغربية أمام شعوبها بسبب متطلبات النظام الديمقراطي. فهيئة جائزة نوبل مثلاً مؤسسة غير حكومية (على شكل وقف) تسعى، مثل منظمات غربية أخرى مماثلة، إلى تجسيد ما يوصف بأنه قيم إنسانية كونية. ولهذا يهتم العرب برأي المؤسسات الغربية. فما يصدر عن المؤسسات الغربية وما ينشر في الإعلام الغربي يثير الاهتمام عندنا، ولكن متى سمعنا بمظاهرة خرجت للاحتجاج على ما نشرته أو بثته وسيلة إعلام روسية أو صينية، او حتى يابانية؟
وما دام لدينا هذا الفراغ القيمي والاعتراف الضمني بتفوق الغير أخلاقياً، فسنظل جميعاً ننظر لأنفسنا في مرآة الآخر، ولا نعتبر إنجازاً إلا ما يعترفون به. حتى من يدعون عندنا الاستقلال والثورية (إذا صرفنا النظر عما يفعلونه في السر) يعرفون أنفسهم في مواجهة الخارج وبحسب إحداثياته. أما والحال هذه، فلندع الله أن تكون أحكامهم مشجعة لتوجهات الخير والحق عندنا، كما كان الأمر في حالة تكريم توكل كرمان. ولكن من الواقعية أن ندرك أن هذا لن يحدث في غالب الأحيان.’ كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن