عبد العزيز الحلبيينظر السوريون اليوم للحماية الدولية على أنها الضمان الوحيد المتبقي لهم بعد فشل ‘مبدأ السلمية’ الى الآن في نيل مطالبهم، وذلك ليحميهم من القمع الذي يواجهونه يوميا وطيلة سبع شهور بشراسة قل نظيرها في ربيع الثورات العربي دون الانجرار إلى السلاح.
ولا أظن أن تصور ‘مبدأ الحماية الدولية’ سيكون على أرض الواقع بمجرد السماح للإعلام والمراقبين الدوليين والمنظمات الحقوقية على أن تكون على الأرض السورية، لأن السلطات السورية لن تسمح بذلك، وهي لا تأبه ولم تكن تأبه يوما بالمواقف الدولية طيلة أيام الثورة إلا بالنذر اليسير، وإن سمحت جدلاً فسيكون ذلك بشروط تعجيزية وبمبررات فنتازية. ولهذا ربما يتجه السيناريو حينها للمجتمع الدولي بالتدخل العسكري وذلك حسب ما يقتضيه الحال المنطقي لتطور الأحداث، كما في المثال الليبي على أقل تقدير، وعدم ترك الشعب يُقتل وحده تحت أنظار العالم.
ولكن لخصوصيات الوضع السوري سوف لن تكون النتائج محمودة كما حصل في ليبيا في اعتقادي، وهذا يجعل من يأخذون بهذا الخيار مراجعة حساباتهم جيدا لتكون النتائج مضمونة أكثر، ولعل نجاح المجلس الوطني السوري في توحيد غالبية أصوات المعارضة السورية أن يساهم بمشاوراته مع السوريين المحتجين في اتخاذ القرار الصائب.
فالتدخل العسكري وإن نجح في ليبيا إلى حد الآن، ولكننا لم ندري بعد حجم التكاليف المادية ولا السياسية التي سيتقدم بها حلف الناتو لليبيين، وهذا الحلف بحسب علمنا لم يتدخل لأسباب إنسانية كما يحب الحالمون أن يرسموها، بل لمصالح اقتصادية وسياسية بحتة، وإن كانت واجهتها إنسانية بذريعة حماية المدنيين، في حين غابت تلك الحماسة لدى الحلف للتدخل في اليمن مثلا أوالتدخل بالقدر المطلوب في سورية بسبب تشعب المصالح الخفية والظاهرة هناك مع دول عدة. كما أن التدخل الأجنبي في العراق يحضر بقوة في الأذهان كمثال صارخ على الفشل الذريع الذي سببه التدخل الأجنبي.
وإن كنت أعتقد أنه ليس العبرة بنجاح الثورات في مدى ارتهانها للتدخل الخارجي سواء العسكري أو السياسي أو الاقتصادي وإن كانت أكثر ضمانا من حيث النتائج، بل العبرة بمناسبة مقتضى الحال، وبيقظة الشعوب وقدرتها على تمييز ذلك بأقل الخسائر الممكنة، وإصرارها على نيل حريتها بما يحفظ للبلاد استقلالها وسيادتها وكرامتها دون الارتماء الأعمى بأحضان الآخرين، حيث أن كثيرا من معطيات العصر تغيّرت وتشابكت في كثير من أحداث العالم مما فرض هذا (التدخل العسكري) الشكل الجديد نفسه على المجتمع الدولي. وإن كانت حركات التحرر العربية كلها تمت على أيدي أبناء تلك البلاد وكانت بمنأى عن التدخل الخارجي، إلا أنها وفي غفلة من الشعوب ورّثت لنا قيادات فاشلة تتبع الخارج وترتمي بأحضانه بشكل لا يلبي متطلبات الشعوب فضلا عن طموحاتها، مكرّسة بذلك أسوأ صور الظلم والاستبداد، وها هي اليوم الشعوب تثور من جديد بفاتورة دماء جديدة لتتخلص من تلك القيادات وحكوماتها، وهي من بني جلدتنا كما يزعمون.
وحيث أن الثورات العربية وغيرها نجحت في أغلبها دون اللجوء الى الغير الأجنبي يبدو لي أن هذا ممكن وممكن جدا في حال الثورة السورية واليمنية، وغيرها من الثورات التي تتهيأ بليل وإن لم تُرد لها أنظمتها ذلك، ففتيلها اشتعل وسيضرمهم لهيبها في أوانه، كره من كره ورضي من رضي.
والثوار السوريون الذين بدأوا ثورتهم في منتصف آذار )مارس( الماضي، وقد صمدوا أمام آلة قمع همجية طيلة هذه الفترة لا شك أنهم قادرون على تحمل مسؤولياتهم لوحدهم دون اللجوء الى أحد حتى ولو قُدمت لهم كل المساعدات والضمانات، لأن هذا ولا شك وإن طال أمده قليلاً، وحمل المزيد من الآلام والتضحيات، ولكنه سيكون أكـــــثر نضجاً وأكثر أمناً وأمانا من الارتهان لاستعمار جديد ربما لن ينفك عنا حتى يورّث على أرضــنا ما لا نعلمه في الخفاء من قيادات بلا ذمم، فالشعوب هي مصدر الشرعية لتلك الحكومات، وتلك النظم الحاكمة مهما ملكت من القوة والسلاح فلن تصمد أمام إصرار الشعوب على التغيير والحرية، فكيف إذاً وهي تقف على شفير الهاوية ولا تملك من قوتها وشرعيــــتها إلا آلة الــحديد والبطش، وقد خوت عن كل المـــعاني والقيم التي تشكل العامل الأهم في قيـــام الدول وقوتها.’ كاتب سوري