الفرق بين الديمقراطية والانتخابوية

حجم الخط
0

د. يوسف نور عوض

يتحدث العالم العربي كله عما أطلق عليه الثورات الشبابية، وكما هو معلوم فإن الشبابية مرحلة من العمر من المفروض ألا تتغول على مرحلة الطفولة أو الكهولة، ذلك أن ما يطمح إليه الناس حقا هو التغيير الذي يحقق العدالة الاجتماعية والسياسية ولا يقتصر على فئة عمرية محددة، غير أن التغيير ارتبط في أذهان الكثيرين في العالم العربي بالتحول الانتخابوي وليس بالتحول الديمقراطي، فما نشاهده الآن في تونس أو في مصر وما نتوقعه في بلاد أخرى مثل السودان ربما لا يكون هو الأمل الديمقراطي الذي ينتظره الكثيرون، ذلك أن هذه البلاد تريد فقط أن تتحول انتخابويا دون أن تهيىء نفسها لإقامة النظام الديمقراطي، وذلك ما يدعونا كي نحاول التعرف على الأسس التي يقوم عليها هذا النظام.

وكما هو معلوم فإن مصطلح الديمقراطية هو في الأساس مصطلح إغريقي، ويعني حكم الشعب بواسطة الشعب، لكن الأمر ليس بهذه البساطة التي تبدو للكثيرين، ذلك أن المفهوم القديم للديمقراطية يختلف عن المفهوم الحديث بكون الديمقراطية في تلك الأزمان جاءت كرد فعل على القهر الذي ظل يمارسه بعض الحكام وخاصة الذين ينتمون إلى طائفة النبلاء.

أما الديمقراطية بمفاهيمها الحديثة، فقد ظهرت في ما أطلق عليه عصر التنوير خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهي المرحلة التي قام فيها الفلاسفة بتعريف الديمقراطية على أنها تعني الفصل بين السلطات والمحافظة على حقوق المواطنين المدنية وكفالة حرية العقائد الدينية، وتأتي مفاهيم الديمقراطية هذه متحدية بعض المفاهيم التي ظلت سائدة من قبل، ومنها مفاهيم الملكية التي تعني خضوع الحكومة لحاكم واحد قد يكون ملكا أو إمبراطورا أو أي لقب آخر يطلقه هذا الحاكم على نفسه، وأيضا مفاهيم الأرستوقراطية التي تعطي امتيازات خاصة لبعض الأفراد في المجتمع وتعتبرهم طبقة مميزة، وكذلك الأوليغارشية التي يخضع فيها المجتمع لإرادة مجموعة محددة من البشر، وأيضا الثيوقراطية التي تحكم فيها طائفة من الأفراد بالمفاهيم الدينية، أما الدكتاتوريات فهي حكم الأفراد الذين يصلون إلى السلطة مستخدمين القوة المسلحة ويفرضون إرادتهم الشخصية على الناس دون اعتبار لتطلعاتهم الحقيقية.

وعلى الرغم من وجود سائر هذه الأنظمة في عالم اليوم فالملاحظ هو أن الديمقراطيات الحقيقية تنحصر في أماكن محددة من العالم، وقد تمارس في أطر نظم ملكية أو جمهورية كما هو الشأن في المملكة المتحدة وإسبانيا والولايات المتحدة وبلجيكا وهولندا وغيرها من الدول، أما التفسير لإمكان قيام نظم ديمقراطية في إطار نظم ملكية فيرجع إلى تطوير مفهوم الملكيات الدستورية حيث يضمن الدستور سائر حقوق المواطنين من خلال نظام يعرف بأنه نظام فصل بين السلطات.

ويرى الكثيرون أن صعوبة وضوح مفهوم الديمقراطية الدستورية يستدعي دائما التفريق بين مفهوم الديمقراطية ومفهوم الدولة الشمولية أو السلطوية، ذلك أنه كما أسلفنا سابقا فإن الدولة الديمقراطية تخضع لدستور يضمن الحقوق الأساسية للمواطنين، وذلك من خلال نظام حر للانتخاب ونظام عدالة يكفل للمواطن حقوقه حتى في وجه نظام الدولة أما الدولة الشمولية على عكس ذلك، فهي الدولة التي يسيطر عليها جماعة من القادة تعارض المفاهيم التي ظلت سائدة في المجتمع وخاصة المفاهيم الدينية كما كان الشأن في دولة الاتحاد السوفييتي السابقة، وفي هذه الدولة يلتف النظام كله حول أيديولوجية خاصة ولا يتقبل أن تكون هناك أيديولوجية أخرى أو أفكار سواها في النظام السياسي، ويتبع النظام في العادة سياسة قاسية في مواجهة الخصوم إذ تطبق عليهم أحكام الإعدام العشوائية، أو يرسلون إلى معسكرات الاحتجاز لفترات طويلة من الزمن، وقد يتعرض المنتمون إلى الأقليات العرقية للقتل. ويمثل نظاما هتلر وستالين أنموذجين واضحين لمثل هذه الأنظمة الشمولية.

أما النظم السلطوية فهي قد تلتقي مع النظم الشمولية في كثير من الخصائص، ولكن ما يميزها هو أنها قد لا تقوم على أيديولوجية محددة إذ هي قد تعطي المواطنين بعض الحريات التي تساعد على حفظ الأمن في المجتمع كما هو الشأن في نظامي مبارك في مصر و بن علي في تونس. وتركز الأنظمة السلطوية في العادة على اتاحة الفرصة أمام بعض الأفراد والعائلات لتكوين ثروات هائلة بطرق غير شرعية وتكون عملية القبض على السلطة هي محاولة من أجل الحفاظ على مصالح الأقلية ذات النفوذ في الدولة.

أما الأنظمة الثيوقراطية فهي التي تحاول أن تعطي بعض المفاهيم الدينية مدلولات سياسية من أجل القبض على السلطة.

ومن أجل أن تصبح الدولة مؤهلة لأن تصبح دولة ديمقراطية فإن عليها أن تحافظ على بعض القيم، التي ليس من الضروري أن تكون مكتوبة، إذ المهم أن تجد طريقها إلى التطبيق في عالم الواقع إذ المعروف أن بريطانيا واحدة من أكبر الديمقراطيات في العالم ولكنها مع ذلك لا تمتلك دستورا مكتوبا، ولكن ذلك لم يحل بينها وبين إنشاء نظام ديمقراطي على درجة كبيرة من التقدم.

وأما الأسس التي تجب المحافظة عليها في النظام الديمقراطي فهي:

أولا: المحافظة على الحقوق الأساسية للإنسان. ثانيا: الفصل بين السلطات في الدولة، وخاصة بين السلطات التنفيذية والسلطات القضائية والسلطات التشريعية.

ثالثأ: أن تكفل الدولة حرية التعبير لسائر المواطنين ولا يعاقب شخص لمجرد أنه عبر عن رأيه بحرية.

رابعا: أن تكفل الدولة لسائر المواطنين حرية المعتقد الديني، بحيث لا يخضع شخص للعقوبة أو الانتقام لمجرد أنه يحمل عقائد دينية مختلفة.

خامسا: أن تعطي الدولة حقوقا متساوية للأفراد من أجل التصويت في الانتخابات العامة. سادسا: أن تتميز الدولة بالحكم الرشيد الذي يراعي مصالح المواطنين ولا يتأسس هذا الحكم على الفساد.

ولا يعني كل ذلك أن النظام الديمقراطي مثالي في كل الظروف، ولكنه كما قال ونستون تشرشل هو أفضل من كل الأنظمة السيئة الموجودة في العالم.

وعلى الرغم من أننا حددنا معالم النظام الديمقراطي الذي يطمح إليه من يقومون بالثورات، فالحقيقة التي يجب أن يتنبه لها الكثيرون هي أن النظام الديمقراطي ليس مجرد قيم نظرية يحددها دعاة الديمقراطية بل يجب أن يكون هناك النظام المؤسسي الذي تعتمد عليه الديمقراطية، وهذا النظام يستدعي في كل الظروف ثلاثة اتجاهات، أحدها اتجاه محافظ يتجه غالبا إلى اليمين واتجاه راديكالي يتجه إلى اليسار واتجاه وسطي يقف بينهما، وهنا نجد العمل السياسي محددا ومركزا، كما هو الشأن في الولايات المتحدة وبريطانيا، ولا يتسم بالترهل كما هو الشأن في كثير من بلاد العالم الأخرى، وإذا نظرنا إلى العالم العربي في إطار هذا المفهوم وجدناه لا يهتم بالنظام المؤسسي بل يهتم فقط بالمظاهر الانتخابوية، لأن الديمقراطية في هذا العالم تتحول إلى مجرد نظام انتخابوي تتصارع فيه القبليات والعرقيات والأيديولوجيات والمعتقدات دون أن يكون هناك نظام مؤسسي تقوم عليه الدولة الديمقراطيية، وفي ظل هذا الواقع رأينا سائر الأنظمة الشمولية تلجأ إلى الانتخابوية من أجل إعطاء نفسها شرعية زائفة، وما هو مطلوب في هذه المرحلة هو الوقوف للتفريق بين الشكلية الانتخابوية والمؤسسية الديمقراطية، ومتى استطاع العالم العربي أن يتبين الفرق بين الاثنين سيجد نفسه واضعا أرجله على الطريق الصحيح.’ كاتب من السودان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية