حتّى لا يحكمنا في تونس دكتاتور آخر

حجم الخط
0

عبد الرزاق قيراطبدأت الحملة الانتخابيّة لتوجيه التونسيين إلى اختيار أعضاء المجلس الوطنيّ التأسيسيّ وظهر معها جدل حول تلك الوجوه الجديدة التي خرجت علينا عبر الشاشة الصغيرة تحدّثنا عن برامجها العاجلة والآجلة.

ينتابنا شعور غريب ونحن تسمع خطاب هؤلاء الحافل بالوعود الجميلة ومنها ما يثير فينا التساؤل والحيرة، لأنّنا لا تستطيع أن نصدّقها بسهولة. فشعارات مثل الصحّة للجميع بدون مقابل ومجانية التعليم وإصلاح منظومته وتنمية بغير تفاوت بين الجهات وعدالة وقضاء نزيه ومساواة حقيقيّة بين الرجال والنساء.. كلّها أوتار عزف عليها النظام السابق وصدّقها بعضنا، وعمل من كان في خدمة السلطان من الصحفيّين والموالين المرتزقة على أن يجعلوا الشعب التونسيّ مستكينا إلى تلك الأوهام لربع قرن من الزمان تعاقبت فيه أجيال وأجيال لتصطدم في النهاية بواقع الخداع الذي وهب المزيد من المناصب للأغنياء والبطالة والإحباط للفقراء.

إنّه الإرث أو الواقع المرير الذي يعيشه التونسيّون اليوم فيجعلهم غير قادرين على تصديق تلك الوعود التي قد لا تكون كاذبة ولكنّ تأسيسها أو تجسيدها على أرض الواقع قد يتعرّض للتعطيل فتتحوّل إلى مشاريع مؤجّلة وأقاويل زائفة وقد لا يحصل الذين رفعوها شعارا لحملتهم على الأصوات الكافية ليصلوا إلى الأروقة الحقيقيّة للسلطة حيث يمكن لهم أن يغيّروا ويحوّلوا وعودهم إلى إنجازات.

ومع ذلك سنقول حظّا سعيدا لتلك الوجوه التي اكتشفناها في ما علّق من القوائم وما بُثّ من التسجيلات المسموعة والمصوّرة ودخلت فجأة عالم السياسة بعد أن كان ملعبها ضيّقا لا يتّسع إلاّ لمحترفيها من حكّامنا القدامى الذين كانوا يديرون شؤوننا دون أن يسائلهم أحد فيزعجهم بنقد على صفحات الجرائد أو يواجههم بفضيحة يشاهدها الشعب على قناته الوطنيّة كما يحدث في البلدان الديمقراطيّة.. كان هؤلاء الساسة المحترفون منزّهين عن الزلل فتمتّعوا بالسلطة المطلقة بعد أن كمّموا أفواه الصحفيين المشاكسين وأحاطوا أنفسهم بعصابات من موظّفي الدولة في سلك الأمن والعدالة فرموْا معارضيهم في السجون المظلمة وخلت لهم الساحات لتجميع الثروات واحتكار المشاريع لأبنائهم وأصهارهم والأقربين من أسرهم.

و هؤلاء ببساطة هم الساسة ‘الأغنياء’ الذين مازالوا يتحرّكون ويحكمون رغم ما ارتكبوه من المفاسد والجرائم ولا نرى أنّهم عازمون على التوبة أو الانسحاب. بل تحوّلوا جميعا إلى ثوريّين وفـتحت لهم القنوات التلفزيونيّة والإذاعيّة أبوابها ليحدّثونا عن براءتهم وحسن نواياهم وهم يشرفون على وزارات السيادة في زمن الفساد والدكتاتوريّة، فمن كان في وزارة الداخليّة زمن بن علي تبرّأ من تهمة التعذيب في سراديبها ونفى علمه بوجود تلك الممارسات في وزارته، ومن كان في الخارجيّة اعتبر نفسه موظّفا يقوم بواجبه حين أرسل جوازات السفر إلى الرئيس السابق كما يريد أن يسمّيه، وكان ذلك بعد الرابع عشر من ينايركانون الثاني وكلاهما لم يشبع من المناصب ولا يريد أن يصدّق صوت الثورة الذي نادى برحيلهم. على العكس من ذلك، ساعدتهم حكومتا الغنوشي وقايد السبسي على البقاء في مسرح السياسة بأحزاب جديدة رفعت نفس الشعارات التي كانت تسوّقها أجهزة بن علي في الداخل والخارج.

نشاهد هؤلاء وهؤلاء فنزداد قناعة أنّ الانتخابات القادمة حُسمت قبل إجرائها بالقوانين التي نظّمتها لقطع الطريق على أحزاب بعينها حتّى لا تحصل على الأغلبيّة فتعيد تشكيل مستقبل التونسيين نحو التغيير المنشود.

وحُسمت هذه الانتخابات قبل إجرائها بمحاصرة المجلس التأسيسيّ قبل ولادته بجملة من المراسيم والقواعد والمهامّ الشكليّة التي ستهمّش دوره فيتحوّل إلى هيكل مشابه لهيأة حماية أهداف الثورة التي أضاعت تلك الأهداف في سياق جدلها الأيديولوجي. وحين يبدأ المجلس التأسيسيّ جلساته سيتكرّر ذلك الجدل، بينما تسلّم السلطة الفعليّة للمحترفين الذين مازالوا يمارسونها تحت الأضواء في حكومة قايد السبسي ومن معهم من الحكام الفعليين خلف الحجب، وهؤلاء بدأوا منذ أشهر محادثات ومفاوضات سرّيّة وجهريّة حول حكام تونس الجدد. وآخر هذه المفاوضات ما تمّ مؤخّرا في سويسرا حيث حلّ الرئيس المؤقت فؤاد المبزّع في زيارة عمل، وما أجري في الولايات المتحدة الأمريكيّة بين أوباما وكلينتون وماكين من ناحية وقايد السبسي من ناحية أخرى. ولعلمكم أيّها التونسيّون، أعلنها قايد السبسي صراحة فقال إنّ السياسيين لا يتقاعدون ولا يبتعدون عن الحكم إلاّ حين يموتون هل فهمتم؟

و في نفس السياق التفاوضيّ، أعلن منذ أيّام أنّ عواصم غربيّة توصّلت إلى وفاق مع الأحزاب التونسيّة ذات الوزن والتأثير لتزكية السيد مصطفى بن جعفر ليكون رئيس التونسيين في المستقبل القريب بعد محادثات سرّيّة، ونُشر ذلك في أكثر الصحف بلغة تذكّرنا من جديد بما كان يحدث من احتقار للتونسيّ الذي يظهر- بمثل تلك الأخبار أو بالونات الاختبار المقرفة- وكأنّه طفل صغير لم يبلغ النضج الذي يخوّل له أن يختار من يحكمه.

وهكذا يساعدنا الغرب في امتحان الانتقال الديمقراطيّ شكلا ومضمونا فتأتينا الصناديق الشفافة هديّة من سويسرا بينما تبقى أموالنا هناك، وتأتينا الخيارات من العواصم الغربيّة النافذة حيث لا تعلو أصواتنا على أصواتهم ولا يراد لها ذلك.

ولكنّ المؤلم أكثر أنّ بعض المثقّفين ـ من المرتزقة الجدد- يأخذون في الدفاع عن تلك التوجّهات بدعوى حماية التونسيين من وصول الظلاميين إلى السلطة بل ويشرّع التدخّلات الخارجيّة في شأننا الانتخابيّ انطلاقا من مفهومه الخاصّ للسياسة فهي في رأيه مصالح وحسابات ومكاسب ضيّقة قبل أن تكون مسؤوليّة وأمانة لخدمة الشعب. وعلى ضوء ما تقدّم، وحتّى لا نبالغ في القنوط أو التشاؤم، يجدر أن نقول إنّ الشعب التونسيّ قادر على تشكيل مستقبله ولو بصفة رمزيّة من خلال من سيصوّت لهم ليدخلوا المجلس التأسيسيّ. ولكنّ دوره لا يجب أن يتوقّف عند ذلك، فعليه أن يستعدّ لمراقبة أكثر فطنة وانتباها لمن سيحكمه فعليّا بعد 23 أكتوبر، لأنّه ليس من المستبعد أن يكون المجلس التأسيسيّ مجرّد عباءة لديمقراطيّة فضفاضة تضمّ بعض الوجوه النزيهة من رجال السياسة الجدد وتُخلع سريعا حتّى لا تتحوّل إلى عبء ثقيل على كاهل من سيباشر السلطة الحقيقيّة. فتلك السلطة قد تعود إلى الساسة القدامى الذين مارسوا الحكم منذ الاستقلال فصار منطقة محرّمة لا ينازعهم فيها ‘الغرباء’. فإذا كنت فطنا أيّها التونسيّ فلن تسمح بعودة الفاسدين من الذين لبسوا اليوم سُترة الثورة وأبقوا تحتها على ثوب الانفراد بالسلطة والثروة. وبذلك فقط سنتفاءل!’ كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية