صحف عبريةحظيت الحرب التي جرت في صيف 2006 بين اسرائيل ومنظمة حزب الله بألقاب وأسماء كثيرة، منها اسم حرب لبنان الثانية الذي جرى تبنيه بل ثبت باعتباره اسم هذه الحرب الرسمي. كان في شبكات التلفاز العربية في مقابل هذا من سموها الجولة العربية الاسرائيلية السادسة. يمكن أن نقول حقا إن أكثر العالم العربي، أو على الأقل قادته وأجزاء مهمة من النخب الحاكمة، قد أيدوا اسرائيل أو وقفوا ناحية على نحو أدق وانتظروا في ترقب، خاب آخر الامر، أن تهزم اسرائيل منظمة حزب الله. ومن هنا لم يكن الحديث عن جولة اخرى من المعارك بين اسرائيل والعرب، تكون استمرارا مباشرا مطلوبا للصراع الدامي الذي يزيد عمره على مائة سنة بين الحركة الصهيونية والحركة القومية العربية، وبين دولة اسرائيل والدول العربية والفلسطينيين بعد ذلك. يبدو أن تسمية هذه الحرب ـ كما اقترح عدد من المحللين اثناء المعارك ـ حرب ايران ـ اسرائيل الاولى، أصح. اجل، كانت هذه الحرب في واقع الامر نتيجة لازمة للوجود الذي نجحت ايران في إقراره على سواحل البحر المتوسط والذي أفضى لاول مرة الى حرب شاملة حاربت فيها منظمة تعمل بالهام ايراني ومسلحة بسلاح ايراني، حاربت اسرائيل.
إن الوجود الايراني في لبنان، ومبلغ تأثير ايران الكبير في منظمة حزب الله بل ربما سيطرتها عليها، وقدرتها على بعث هذه المنظمة على العمل باسمها ومن اجلها كل ذلك أصبح حقائق أساسية عرّضت الجميع للخطر وفيهم اسرائيل ايضا. مع ذلك، السؤال الذي بقي مفتوحا هو هل يؤدي وجود ايران في لبنان وسيطرتها على منظمة حزب الله في المستقبل بدولة لبنان كلها الى ان تكون دولة تابعة لايران تُمكّن ايران من حرية عمل مطلقة على ارضها كلها ومع سائر القوى التي تعمل فيها.
تناول رئيس سورية خاصة بشار الاسد هذا السؤال على نحو مفاجىء ومن زاوية خاصة في اثناء مقابلة صحفية أجراها في مطلع سنة 2010 مع الصحيفة العربية ‘الحياة’ طُلب فيها منه ان يقارن بين مبلغ تأثير ايران في العراق ومبلغ تأثيرها في لبنان. ينبغي أن نفترض ان من جملة الاسباب التي دعت الى ان يُسأل الاسد في ذلك حقيقة ان سورية سبقت ايران باعتبارها مُنصبة الملوك في الساحة اللبنانية وأن ايران استغلت ضعف سورية ودفعها عن لبنان استغلالا كبيرا لتحل محلها هناك. قدّم بشار الاسد جوابا لم يكن متوقعا كثيرا لكنه مفهوم ايضا لمن يعرف العلاقات السورية الايرانية معرفة عميقة ويعرف مطامح سورية في لبنان ايضا. لم يكن رئيس سورية قادرا في جوابه على ضبط نفسه عن ارسال سهم نحو ايران محاولا ان يُبين لها الخطوط الحمراء التي لا تكون سورية مستعدة للسماح لها بتجاوزها، فبيّن ما يلي:’لا تُمكن المقارنة بين ما يجري في العراق وما يجري في لبنان. ولهذا لا يمكن أن نقارن ايضا بين الدور الذي تلعبه ايران في العراق وذاك الذي تريد أن تلعبه في لبنان. فضلا عن ذلك تختلف الصلة الجغرافية بين سورية ولبنان تمام الاختلاف عن الصلة بين ايران والعراق. لهذا يمكن ان نقول ان ايران لا تُدخل نفسها في التفاصيل في السياق اللبناني بل تنظر على نحو عام من أعلى فيما يجري وتشغل نفسها بالاشياء الكبيرة فقط. ما يهمها هو الحفاظ على المقاومة. في مقابل هذا، تعرف سورية التفاصيل الصغيرة في الساحة اللبنانية وتشغل نفسها بها وتعرف أدق التفاصيل معرفة أفضل كثيرا من ايران لأن لها تجربة عشرات السنين في الانشغال بالقضية اللبنانية’. قد يكون بشار الاسد ومعه سورية كلها تأخرا كثيرا عن القطار الذي خرج من المحطة منذ وقت وأنه سيصعب عليهما جدا اذا استطاعا أصلا أن يُعيدا التأثير الذي كان لسورية في لبنان سنين طويلة وأن يدفعا قدمي ايران عنه. مع ذلك ربما تكون المعركة على لبنان لم تنته بعد، ويمكن ان يكون ما يبدو هيمنة ايرانية على لبنان ليس آخر الفصل وليس الصورة الكاملة التامة. شهدت على ذلك الزيارة التاريخية (وينبغي أن نقول الهستيرية شيئا ما ايضا) لرئيس ايران محمود احمدي نجاد للبنان في شهر تشرين الاول 2010. استُقبل الرئيس الايراني بتكريم ملوك من قبل انصار حزب الله ولافتات خوش أمديد (أهلا وسهلا باللغة الفارسية) غطت الطرق المفضية الى المناطق الشيعية في بيروت وفي البقاع وفي جنوب لبنان. لكن الزيارة كشفت ايضا عن الاختلاف داخل لبنان في مسألة الوجود الايراني في الدولة وتأثيره. لم يحجم لبنانيون في المعسكر السني بل في المسيحي عن اعلان أن احمدي نجاد ليس ضيفهم ولا يريدونه، وهكذا حُددت زيارته في المناطق الشيعية فقط. كذلك تمت زيارة رئيس حكومة تركيا حليف ايران لكن منافسها الأكبر اليوم في التأثير في المنطقة، التي تمت بعد شهر من زيارة احمدي نجاد (تشرين الثاني 2010) في مناطق محدودة في المناطق السنية في لبنان في الأساس. عُلقت في هذه المناطق لافتات تشبه اللافتات التي استقبلت احمدي نجاد غير أنها كانت هذه المرة مكتوبة باللغة التركية: ‘هوش غلدن’ (أهلا وسهلا باللغة التركية). أصاب الأحداث في لبنان تحول درامي في مطلع سنة 2011 مع انهيار حكومة سعد الحريري في أعقاب استقالة مندوبي منظمة حزب الله وحلفائهم من الحكومة. كان سبب حل الحكومة طلب منظمة حزب الله أن تتحلل حكومة لبنان من المحكمة الدولية التي تحقق في مقتل رفيق الحريري رئيس الحكومة السابق ووالد رئيس الحكومة الوالي. بعد ذلك أعلن زعيم الدروز في لبنان، وليد جنبلاط، بانفصاله عن صفوف ‘معسكر 14 آذار’ ـ معسكر سعد الدين الحريري ـ الى صفوف المعارضة. أفضى اجراء حزب الله وجنبلاط هذا الى القاء مهمة انشاء الحكومة الجديدة على نجيب الميقاتي المقرب من حزب الله. قامت حكومة الميقاتي برعاية حزب الله وتحت سيطرته وكان الافتراض ان تؤدي عملها على هذه الصفة ايضا. مع ذلك، الميقاتي مشهور بقربه من سورية، واذا أخذنا في الحسبان أن اجراءات وليد جنبلاط ايضا قد أتت في أعقاب أوامر تلقاها من دمشق، يبدو أن المستقبل لا يكمن فيه بالضرورة سيطرة منظمة حزب الله وايران على لبنان وأنه قد يُنذر خاصة بقوة التوتر الايراني السوري حول السيطرة على هذه الدولة. لم ينته الصراع على لبنان اذا بل بدأ من جديد مع لاعبين جدد قدماء هذه المرة.
جذور التدخل الايراني في لبنانجمهورية ايران الاسلامية هي متابعة نهج كيان دولي ايراني وُجد طوال التاريخ في المستويات الايرانية في المنطقة التي تمتد فيها ايران اليوم. الحديث من هذه الجهة عن كيان من ورائه ما يزيد على ألفي سنة تاريخ. منذ فجر التاريخ نظر هذا الكيان الدولي الى المنطقة غربيه باعتبارها جزءا من مجال تأثير ممكن بل باعتبارها منطقة أمنية: الخليج الفارسي باعتباره منطقة تأثير؛ والعراق باعتباره منطقة حدودية ومجاورة، وباعتباره من نواح كثيرة باب دخول قلب ايران؛ وشواطيء البحر المتوسط باعتبارها منطقة قد تكون شريطا أمنيا يواجه ما يأتي من شر. فسر هذا التصور في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي واحد من كبار مسؤولي السافاك (المنظمة الرسمية للامن والاستخبارات في ايران) تحت حكم الشاه: ‘يجب علينا أن نصارع خطر الناصرية وأن نوقفه على شواطىء البحر المتوسط كي لا نضطر الى سفك الدم على ارض ايران’. مع ذلك منذ منتصف الخمسينيات من القرن العشرين فقط عاودت ايران التطلع الى شواطيء البحر المتوسط. وكان هذا نتيجة مباشرة لاستقرار سلطة الشاه في ايران وثبات مكانة الدولة القومية الايرانية. وقد أفضى هذا الى نسج مصلحة ايرانية جديدة على شواطيء البحر المتوسط الشرقية، وفي هذا الاطار ايضا الطموح الى اكتساب مكانة في لبنان. الى جانب مصلحة جغرافية سياسية منذ زمن بعيد بقيت على حالها، قلق الايرانيون لتهديد القومية العربية وأرادوا جعل لبنان، وليس وحده فقط كما قلنا، حصنا متقدما لصراع التهديد الناصري الذي رأته ايران تهديدا حقيقيا لها. وجد الايرانيون شركاء في هذا التصور بين عوامل القوة المسيحية في لبنان لا بين أبناء الطائفة الشيعية هناك التي كانت في أساسها ضعيفة عديمة الوعي، وأهم من ذلك أنها كانت غير منظمة بل كانت متدينة جدا من وجهة نظر الشاه. برغم ذلك بذل الايرانيون باعتبار ذلك جزءا من جهودهم لتعزيز مكانتهم في لبنان، موارد كبيرة لمؤسسات دينية شيعية ايضا.
منذ أواخر الخمسينيات من القرن العشرين وُسم تاريخ الشيعة في لبنان بسمة نشاط الفقيه موسى الصدر. ولد الصدر في ايران لأب لبناني وجاء الى لبنان في سنة 1959. ينبغي ان نفترض ان نظام حكم الشاه أراد ان يستعمل الصدر لأهدافه بل ساعده بين الفينة والاخرى. فمن المعلوم على سبيل المثال أنه كان للصدر جواز سفر ايراني سهّل عليه أسفاره وأنه كانت له علاقة وثيقة بالسفارة الايرانية في بيروت ايضا. مع ذلك لم يكن هذا قادرا على جعل الصدر رجل الشاه ومن يعمل من اجله وفي خدمته. في مطلع السبعينيات بلغ موسى الصدر ذروة النجاح: فقد ثبّت لنفسه مكانة متقدمة بين أبناء الطائفة الشيعية وكان يبدو انه قادر على قيادتها للعب دور ذي شأن أكبر في لبنان. لكن في 13 نيسان 1975 نشبت في لبنان الحرب الأهلية التي دفنت أكثر انجازاته اثناء السنين التي سبقت نشوب المعارك إن لم تكن كلها. في سنة 1978 خرج موسى الصدر لزيارة ليبيا بدعوة من حاكم الدولة معمر القذافي، وفي اثناء زيارته تلك اختفى دون ان يترك آثارا. يبدو ان السلطات الليبية هي التي أفضت الى اغتيال الصدر لرفضه التعاون مع محاولات القذافي ان يُثبت لنفسه في تلك السنين موطيء قدم في لبنان.
ايران وحزب اللهوقع نشوب الحرب الأهلية في لبنان في نيسان 1975 وتدهور هذه الدولة الى حمام دم عندما بدأ في ايران مسار انهيار نظام الشاه. منع انهيار ايران الملكية إياها من أن تلعب دورا حقيقيا فيما يحدث في لبنان، حتى عندما فُتحت لها نافذة فرص لفعل ذلك. فتح سقوط نظام الشاه في 1979 وتولي النظام الاسلامي الديني في ايران مقاليد الحكم أمامها من جديد نافذة الفرص على صورة منظمة حزب الله هذه المرة التي أسهمت ايران أكثر من كل جهة اخرى في انشائها وتثبيت أركانها في لبنان. ايران في واقع الأمر هي التي انشأت حزب الله على أساس قوى لبنانية شيعية جمعتها تحت جناحها في لبنان في نهاية 1982 وبداية 1983. وهي التي توسطت بل وحدت بين هذه القوى ومنحتها اطارا مشتركا ومساعدة في بداية الطريق. فليس عجبا أن منظمة حزب الله جعلت مبدأها العقائدي المركزي مبدأ ‘ولاية الفقيه’. هذا المبدأ الذي طوره آية الله الخميني قضى بأن الجماعة الاسلامية يجب أن تُسلم أمورها وتبذل طاعتها لأكبر رجال الدين بينها. والى ذلك نبّه الامين العام الحالي لحزب الله، حسن نصر الله، قائلا: ‘رأينا أنفسنا منذ اللحظة الاولى نلتزم بمبدأ ولاية الفقيه، ورأينا الإمام الخميني رحمه الله الوالي الإمام، وبعد موت الخميني نرى الإمام خامنئي زعيما كهذا. نحن نلتزم مبدأ ولاية الفقيه هذا بل نطبقه منذ 23 سنة’. اندفعت منظمة حزب الله الى مركز الساحة في لبنان اندفاعا كبيرا في أواخر سنة 1983. خلّفت سلسلة ضربات مؤلمة أوقعها ناسها بأهداف اسرائيلية وغربية في هذه الدولة مئات القتلى والجرحى، وانتهت الى أن أفضت بتدخل الولايات المتحدة وفرنسا في لبنان الى نهايته وكذلك تدخل اسرائيل على أثر ذلك. ورويدا رويدا توجّت منظمة حزب الله نفسها بتاج قيادة النضال العسكري لاسرائيل في المنطقة الأمنية على طول الحدود الاسرائيلية اللبنانية، الى درجة أن أصبحت العدو المركزي الذي واجهه الجيش الاسرائيلي في هذه المنطقة، وقد خلفت وراءها المنظمات الفلسطينية التي كانت في الماضي عدو اسرائيل الألدّ في تلك الجبهة.
إندفع حزب الله الى مركز الساحة في لبنان باعتباره منظمة متطرفة عسكرية تُجري نضالا عنيفا للغرب ولا سيما اسرائيل، لكنها تفعل ذلك بأعدائها في الداخل ايضا. والطريقة التي فعلت بها ذلك تُعبر عن التأثير الصائغ الذي كان لحادثتين مركزيتين في المنطقة في توجهها في تلك السنين: الحادثة الاولى الثورة الاسلامية في ايران كانت في نظر حزب الله مصدر إلهام وقدوة تُحتذى. والحادثة الثانية غزو اسرائيل للبنان في حزيران 1982 جعلت اسرائيل هدفا سهلا وُجه اليه الكثير من الحماسة المتطرفة التي ميزت الشيعة في لبنان في تلك السنين ولا سيما منظمة حزب الله. قامت هاتان الحادثتان في ظل الحرب الأهلية في لبنان التي بدأت كما تذكرون في 1975 واستمرت حتى سنة 1989، والتي اندفع في اثنائها أبناء الطائفة الشيعية الى مركز الساحة اللبنانية وأصبحوا لاعبا رئيسا فيها.
أصبحت الثورة الاسلامية في ايران في بداية سنة 1979، منذ أيامها الاولى، مصدر إلهام وقدوة تُحتذى عند أبناء الطائفة الشيعية في لبنان. بعد أن ثبّت الثوار الاسلاميون أنفسهم في الحكم في ايران بدأوا يُظهرون اهتماما بل تدخلا أخذ يزداد فيما يجري بين أبناء الطائفة الشيعية في لبنان بقصد ربطهم بعجلة المصالح الايرانية. النظام الاسلامي في ايران هو الذي أفضى الى تأسيس منظمة حزب الله لتكون اطارا تنظيميا جديدا يرمي الى أن تستخدمه ايران لحث مصالحها قُدما في لبنان. وايران ايضا هي التي وقفت وراء قرار قادة شيعة بارزين على ترك صفوف حركة ‘أمل’، التي كانت حتى ذلك الوقت اطار نشاط رئيسا لأبناء الطائفة الشيعية في لبنان، وعلى أن ينضموا الى صفوف حزب الله. وشجعت ايران بل فرضت على قوى شيعية اخرى في لبنان، متنافسة ومتعادية أحيانا، أن تتحد في هذا الاطار التنظيمي الجديد.
وعلى مر السنين أصبحت ايران مصدر دعم رئيسا اقتصاديا وعسكريا وسياسيا لمنظمة حزب الله. اشتملت المساعدة الايرانية للمنظمة على ارسال متطوعين ايرانيين نحو من 2500 من ناس الحرس الثوري جاءوا الى لبنان في سنة 1982. بقي 1500 منهم في لبنان في السنين التي تلت ذلك وساعدوا في تثبيت قوة حزب الله العسكرية. ومنذ ذلك الحين الى اليوم بقي الحرس الثوري قناة الاتصال الرئيسة بين نظام الثورة الاسلامية في ايران وحزب الله.
أفضت أواخر الثمانينيات من القرن العشرين بمنظمة حزب الله الى واحدة من ذُرى نشاطها. أصبحت المنظمة قوة رائدة بين الطائفة الشيعية وظهر أنها تستطيع السيطرة على لبنان أو أن تفرض طاعتها على الأقل على تلك الاجزاء منه التي يسكنها الشيعة، وأن تنشيء فيها نظاما اسلاميا على شاكلة الموجود في ايران. في تشرين الاول 1989 وقع في الطائف في العربية السعودية على اتفاق الطائف الذي أفضى الى انهاء الحرب الأهلية في لبنان. إزاء هذا التطور ظهر حزب الله بمظهر منظمة براغماتية تطمح الى الحياة الصحيحة في ظاهر الامر، وتتخلى عن التزامها تصوراتها العقائدية، أو تؤجل تحقيقها الى المستقبل البعيد على الأقل.
لم تعد المنظمة منذ منتصف الثمانينيات تكتفي بمكانة عصابة مسلحة عسكرية، وأصبحت رويدا رويدا حركة سياسية اجتماعية. وسعت جدا دائرة نشاطها بين السكان الشيعة في أنحاء لبنان وبدأت تنشيء بمساعدة ايرانية سخية قُدرت بعشرات ملايين الدولارات بل بمئات الملايين كل سنة، نظام خدمة اجتماعية ورفاهة كان يرمي الى تجنيد تأييد أبناء الطائفة الشيعية وأن يعرض عليهم في نفس الوقت اطارا بديلا عن الدولة اللبنانية. اتسع هذا النظام اتساعا كبيرا كلما ثبّتت المنظمة على مر السنين موطيء قدمها بين الطائفة الشيعية.
يشتمل جهاز تربية حزب الله اليوم على مئات المؤسسات التعليمية التي تعمل في المناطق الشيعية في لبنان ويدرس فيها مئات آلاف الطلاب. كذلك انشأت المنظمة جهازا صحيا اسلاميا يعالج فيه نحو من نصف مليون متوجه اليه كل سنة. والى ذلك يستعمل حزب الله جسم بناء يعمل في بناء وترميم البيوت والمساجد والمدارس والمشافي، وفي تعبيد الشوارع بل في تزويد القرى الشيعية بالماء. وتستعمل المنظمة ايضا طائفة من المؤسسات المالية التي تمنح المحتاجين مساعدة مالية وقروضا. وللمنظمة صندوق الشهداء الذي منح آلاف عائلات الشهداء والجرحى والمعتقلين الشيعة، مساعدة. وتقيم ايضا جهاز قضاء وتحاكم في المناطق الشيعية في لبنان ولها تمثيل في اتحادات العمال في الدولة. ويستعمل حزب الله ايضا وحدة دعاية اعلامية لها أربع محطات مذياع ومحطة تلفاز هي ‘المنار’. يمكن أن نقول إن منظمة حزب الله أصبحت برعاية ايران امبراطورية اقتصادية تشمل مصانع ومصالح صغيرة ومتوسطة بل عقارات. يبلغ عدد نشطاء المنظمة واعضائها وفيهم اولئك العاملون في مؤسساتها، بحسب تقديرات مختلفة، نحوا من 100 ألف شخص.
منذ منتصف الثمانينيات اذا أخذ حزب الله يبني نفسه باعتباره منظمة تقوم على رجلين اثنتين: منظمة تملك عصابة مسلحة عسكرية قوية جدا، تصرف عنايتها الى النضال ضد اسرائيل؛ ومنظمة هي حركة سياسية اجتماعية تجعل هدفها تقديم شأن الشيعة في لبنان.
قوات القدسكانت قوات القدس، وهي وحدة ممتازة تعمل في نطاق الحرس الثوري ومهمتها هي ‘تصدير’ الثورة الاسلامية خارج حدود ايران، هي قناة الاتصال بين ايران وحزب الله، والتي نُقلت المساعدة الايرانية الى المنظمة بواسطتها. الحديث عن ذراع سرية تتناول طائفة كبيرة من النشاطات السرية خارج حدود ايران ومنها انشاء اجهزة تربية، ومساعدة منظمات مثل حزب الله أو حماس ونشاط ارهابي وتجسس وغير ذلك. تُبين شهادات لناس من حزب الله أسرتهم اسرائيل اثناء حرب لبنان الثانية ومواد غُنمت وضعت اسرائيل يدها عليها في اثناء تلك الحرب أن ناس قوات القدس من الحرس الثوري انشأوا واستعملوا جهاز تدريب وتوجيه لناس حزب الله كان يرمي الى اعدادهم لاستعمال الوسائل القتالية المتقدمة التي سلحت ايران بها المنظمة. تم بعض هذه التدريبات والتوجيهات في ايران نفسها. وليس عبثا أن أعلن قائد قوات القدس، قاسم سليماني، في خطبة خطبها احتفالا بيوم القدس في العشرين من تشرين الاول 2006 قائلا: ‘على أثر انتصار حزب الله في لبنان، أخذ ينشأ شرق اوسط جديد ليس امريكيا بل اسلاميا… نجحت منظمة حزب الله الشيعية في أن تصدر وتسوق في فلسطين نهج حياة الايمان بالله. وساعدت المنظمة ايضا في جعل حجارة الفلسطينيين صواريخ’. لم تُحدّ مشاركة قوات القدس في التدريبات والتوجيهات فقط. فقد أصبح ناس القدس برئاسة قائدهم قاسم سليماني في واقع الامر القادة الأعلين لمنظمة حزب الله، وهم يشاركون في نشاط المنظمة العملياتي بصفة مستشارين ومراقبين بل أصحاب الشأن، أي أنهم من يحسمون ويبتون اتخاذ القرارات التي شأنها استعمال المنظمة العملياتي في مواجهة اسرائيل وأعداء المنظمة في لبنان.
ايران وحزب الله ـ المصالح الايرانيةنبع الاهتمام الذي أبدته ايران بحزب الله من تقديرات استراتيجية وربما ايضا من موالاة لأبناء الطائفة الشيعية في لبنان والاحساس بالالتزام لهم. مع ذلك كانت فيه رغبة في تعزيز صورة نظام الثورة الاسلامية في ايران باعتباره يحث قضايا الاسلام قُدما. كان لبنان الهدف الوحيد الذي تمكنت ايران من أن تصدر اليه فكرة الثورة الاسلامية، وكان لها فيه طرف خيط أي ‘زبون’ محلي عبّر عن اهتمام بـ ‘السلعة’ التي عرضتها ايران.
إن حث فكرة الثورة الاسلامية في لبنان قُدما فضلا عن أنه لم يعارض المصالح الايرانية ولم يعرضها للخطر، حث قُدما مصلحة صورة النظام. سواحل لبنان بعيدة عن ايران ويبدو أن السلطات هناك شعرت وما تزال تشعر بأنها تستطيع أن تسمح لنفسها بأن تحث قُدما في هذه المنطقة البعيدة نسبيا سياسة خارجية تطلق من قيدها مشاعر اسلامية وتُمكّن بذلك من اطلاق الكبت وتصريف ضغوط داخلية للدوائر المحافظة في ايران تدعو الى تبني سياسة اسلامية أكثر ظهورا. وكل ذلك من غير دفع ثمن باهظ جدا عن تطبيق هذه السياسة. من هنا تأتي ايضا مشاركة ايران في الصراع الاسرائيلي الفلسطيني وهي مشاركة أخذت تزداد وجعلت ايران عدوا في نظر اسرائيل واسرائيل عدوا في نظر ايران. ونشأ عن هذه المشاركة حاجة ايران الى أن ترى حزب الله ذراعا متقدمة لردع اسرائيل ايضا.
كان معنى قرار ايران على جعل منظمة حزب الله ذراعا ايرانية متقدمة في مواجهة اسرائيل، قبل كل شيء، جعلها آلة عسكرية مزيتة كبيرة القوة. وذلك بتسليح المنظمة بنحو من 50 ألف صاروخ متقدم تغطي اليوم أكثر مساحة دولة اسرائيل وتستطيع أن تصيب أهدافها بدقة عالية. يكمن المنطق الذي وقف وراء قرار تسليح حزب الله بعشرات آلاف الصواريخ المتقدمة، وجعل المنظمة بذلك قوة شديدة البأس حتى بالنسبة لجيوش تقليدية اخرى تعمل في الساحة، في رغبة ايران في استعمال حزب الله كي تردع اسرائيل. ليس لايران في واقع الامر رد حقيقي على اسرائيل وعلى قدراتها على العمل في مجابهة ايران ومنشآتها الذرية، سوى حزب الله. كذلك قدرة ايران على الرد وعلى جباية ثمن باهظ من اسرائيل في حال وقوع اجراء اسرائيلي أو امريكي موجه عليها محدودة جدا من غير الصواريخ التي يملكها حزب الله وجانبها الردعي. ومن هنا ايضا تنبع أهمية المنظمة في نظر ايران.
يمكن على هذه الخلفية أن نفهم لماذا لم يُخف الايرانيون عدم رضاهم عن نشوب حرب لبنان الثانية التي كُشف النقاب فيها عن ترسانة الصواريخ التي سلحوا حزب الله بها لا للهدف الذي استُعملت له بلا حاجة في رأيهم. كان من نتيجة ذلك أن شدد الايرانيون بعد الحرب قبضتهم على المنظمة. وقوي هذا التوجه أكثر على أثر اغتيال عماد مغنية قائد ذراع حزب الله العسكرية في قلب دمشق في شباط 2008. وجد لايران حليف مهم على صورة النظام العلوي في سورية. لم تكن الصداقة بين ايران وسورية مفهومة من تلقاء نفسها اذا أخذنا في الحسبان علمانية نظام البعث السوري وقوميته العربية وكونه يُعد نظاما ‘كافرا’، يُشك في التزامه والتزام من يرأسونه أبناء الطائفة العلوية للاسلام شكا كبيرا في العالم الاسلامي (كان موسى الصدر أول من أفتى بأن الطائفة العلوية هي طائفة شيعية). برغم ذلك يوجد تلاقي مصالح بين ايران وسورية، وهو يُملي خطى الدولتين. يقوم في أساس هذه المصالح الخوف من تهديد الولايات المتحدة واسرائيل اللتين تراهما الدولتان شديدتي الخطر وتقتضيان لذلك أن تستعينا بعضهما ببعض. ما يثير العناية كما قد ذكرنا من قبل أن لبنان خاصة قد يتحول من قاعدة للتعاون بين سورية وايران الى مركز اختلاف بينهما اذا خلص السوريون الى استنتاج أن قوة حزب الله تُعرض مصالح سورية حيوية في لبنان للخطر. تبرز سورية الآن على كل حال بصفتها تُمكّن من انتقال الصواريخ الايرانية من طريق ارضها الى حزب الله وأنها تزود المنظمة بآلاف الصواريخ منها ولا سيما صواريخ من طرز متقدمة. والامثلة على ذلك هي الصواريخ التي أطلقها حزب الله على حيفا اثناء حرب لبنان الثانية وصواريخ سكاد التي نُقلت الى المنظمة وهي دُرة تاج ترسانة الصواريخ التي تملكها سورية.
ذكرنا في مقدمة كلامنا التحولات السياسية في لبنان مطلع سنة 2011 التي أفضت الى اسقاط حكومة سعد الدين الحريري على يد منظمة حزب الله والى انشاء حكومة جديدة تسيطر عليها المنظمة في واقع الامر والسوريون ايضا كما يبدو. يمكن أن نزيد على ذلك الزعزعة التي أصابت الشرق الاوسط كله على إثر سقوط نظام حسني مبارك في مصر مطلع شباط 2011. هذه الأحداث تنشيء واقعا جديدا ينقطع فيه لبنان رويدا رويدا عن دائرة التأثير الامريكي (التي ربط سعد الدين الحريري ورفاقه أنفسهم بها) وتربط نفسها الى المعسكر المضاد. هذا المعسكر موحد على مكافحة اسرائيل والولايات المتحدة لكن تختلف وجهات نظره فيما يتعلق بمستقبل لبنان.
مستقبل التأثير الايراني في لبنانيبدو الوجود الايراني في لبنان أصلب مما كان قط وكذلك سيطرة ايران على منظمة حزب الله المتعلقة بها وبالمساعدة الاقتصادية والعسكرية التي تقدمها لها أكثر مما كان ذلك في أي وقت مضى. وأخذت منظمة حزب الله نفسها تقوى داخل الجهاز السياسي في لبنان وذلك ثمرة نجاحها في أن تصبح الممثلة الشرعية شبه الوحيدة لأبناء الطائفة الشيعية في الدولة. فلا عجب اذا أن يوجد في لبنان وخارجه من يُحذر من سيطرة لحزب الله في المستقبل على هذه الدولة إما بقوة الذراع وإما بقوة القوة السكانية لأبناء الطائفة الشيعية التي أصبحت على مر السنين أكبر طوائف لبنان.
من المناسب أن نذكر مع ذلك أن حزب الله لا يمثل أبناء الطائفة الشيعية كلهم في لبنان ولا يؤيدونه كلهم وحده. فبين اولئك الذين يؤيدون المنظمة من لا يتحمسون لتبني تصوراتها العقائدية ولا سيما صلتها الدينية والعقائدية مع ايران. في لبنان كما في العراق كثيرون يعتقدون أن التشيع على مذهب آية الله الخميني ليس عقيدتهم الأصيلة التي نشأوا عليها. ما تزال منظمة ‘أمل’، وهي المنظمة الشيعية المنافسة لحزب الله، تعمل في لبنان حيث يوجد لها تأييد لا يستهان به برغم أن ضعف قادتها وعلى رأسهم نبيه بري يترك المجال الشيعي لنشاط حزب الله بل سيطرته.
علاوة على ذلك يثير التحدي الايراني الشيعي الذي يُشعر به اليوم في أنحاء الشرق الاوسط كله لا في لبنان وحده ردودا مضادة. فقد جعل أبناء الطائفة السنية في لبنان وفي دول عربية اخرى هدفهم محاولة صد ايران. وانضمت اليهم تركيا ايضا منطلقة عن تصور مسلم سني لا عربي خاصة.
أصبحت ايران بلا شك لاعبة مركزية في الساحة اللبنانية لكن الصراع على لبنان بعيد عن نهايته. توجد قوى اخرى الى جانب ايران في السباق للسيطرة على لبنان. سورية واحدة منها بطبيعة الامر وهي اليوم حليفة قريبة لايران لكنها قد تكون في المستقبل عدوة في المعركة على لبنان.
نبع موطيء قدم ايران بل هيمنتها على لبنان على مر السنين من تآلف امور متميز أساسه: انهيار النظام اللبناني؛ وبلوغ الشيعة عظمتهم في لبنان من جهة عددية على الأقل الى جانب فشلهم في أن يتبوءوا لأنفسهم مكانة متقدمة في حياة المجتمع والاقتصاد والدولة؛ والتحدي الاسرائيلي الذي دفع حزب الله الى ذراعي ايران وجعل المنظمة متعلقة بها؛ وتآلف ظروف شخصي جعل جماعة من رجال الدين والنشطاء الشيعة المقربين من ايران يبلغون قيادة منظمة حزب الله؛ وضعف سورية وغير ذلك.
بنت ايران في الأساس وجودها في لبنان من الاضطراب والفوضى اللذين سادا هذه الدولة على مر السنين ومن واقع التوتر الدائم وانفجارات العنف داخلها وفي المنطقة حولها اسرائيل وسورية والفلسطينيون. من هنا فان النظام وتسكين التوتر اللبناني الداخلي وتليين التوتر الاقليمي بطريقة تقديم تسوية سياسية تستطيع أن تمس وتُضعف مكانة ايران في لبنان. ففي الحاصل النهائي ليس لايران في الحقيقة كثير مما تعرضه على لبنان ولا سيما أبناء الطائفة الشيعية في الدولة سوى السلاح والصواريخ ثم الصواريخ.
حتى دون أي تسوية ومسيرة سياسية، قد يلقى التدخل الايراني في لبنان في المستقبل صعابا غير قليلة. فهذا التدخل غير موجود في فراغ. فقد عادت سورية رويدا رويدا الى لعب دور رئيس في لبنان، وسيتم ذلك بلا شك على حساب ايران ومع احتكاك لا ينقطع بينهما. كذلك هناك دول عربية اخرى كالعربية السعودية نشيطة في الساحة اللبنانية بل تركيا عادت الى لعب دور في هذه الدولة. في الأمد القصير سيتم تركيز هذه الطاقة الاقليمية والعربية العامة في مواجهة اسرائيل، بمشهد باطل من اظهار التكافل لمجابهة تحديها للبنان. لكن ايران في الأمد البعيد ستلقى صعوبة تزداد في أن تُغلب ارادتها وارادة مرعيتها منظمة حزب الله على لبنان.
قد تبلغ الأطراف المختلفة في لبنان لحظة الحقيقة على أثر مواجهة اسرائيلية ايرانية أو ربما ايرانية امريكية بسبب مشروع ايران الذري. سيثير نشوب هذه المواجهة سؤال هل ينضم حزب الله الى المعركة بل هل يستعمله الايرانيون ذراعا طويلة يردون بها ولا سيما بواسطة ترسانة الصواريخ التي يملكها على مهاجمة اسرائيل أو الولايات المتحدة لمنشآتهم الذرية. إن قرار حزب الله على الاستجابة لاملاء ايراني وفتح جبهة مواجهة في شمال اسرائيل ليس أمرا يستهان به. فهذا القرار قد يسقط أو يضر إضرارا شديدا على الأقل بمكانة المنظمة في لبنان بل بين أبناء الطائفة الشيعية في هذه الدولة ولا سيما اذا تبين أن حزب الله يجلب على لبنان دمارا وخرابا، كما حدث له في حرب لبنان الثانية، وكل ذلك لخدمة المصالح الايرانية. مع ذلك لم يُسلح الايرانيون حزب الله بعشرات آلاف الصواريخ مجانا؛ فقد قُدمت مع فرض أن تخدم ايران وقت الحاجة بواسطة مرعيها حزب الله.
ستثير مواجهة اسرائيلية ايرانية اذا معضلات شديدة وربما جدالات في محور بيروت طهران. عرف قادة حزب الله وأسيادهم في ايران في الماضي كيف يجدون الصراط المستقيم بين الحاجات الايرانية ومصالح المنظمة المحلية في لبنان. يبدو أن ايران التي تُعد دولة تُصرف سياسة خارجية ذكية تعترف بحدود قوتها، لن تريد في المستقبل أن تعرض استثماراتها في لبنان لخطر حقيقي. ومع ذلك ستكون ايران في لحظة الحقيقة كما يبدو صاحبة الرأي بل ستقول ‘الكلمة الاخيرة’ في شأن استعمال السلاح الكثير الذي منحته لحزب الله وذلك بواسطة اجهزة سيطرتها المباشرة وغير المباشرة على المنظمة.
إن اندفاع منظمة حزب الله الى مركز المسرح في لبنان ومكانة ايران في هذه الساحة فصل آسر في تاريخ هذه الدولة. ومع ذلك ليسا بالضرورة نهاية قصة لبنان والصراعات على السيطرة والتأثير فيه. فهذه ستستمر كما يبدو في المستقبل القريب ايضا.’ عميد كلية الآداب في جامعة تل ابيبالجيش والاستراتيجية ـ معهد بحوث الامن القومي ـ جامعة تل ابيب