دانييل روندوترجمة عبد المنعم الشنتوف: يستعيد هذا النص تفاصيل عبور وإقامة الدبلوماسي والكاتب والرحالة الفرنسي الشهير بول موران في طنجة صحبة زوجته الأميرة الرومانية سوتزو بعيد الحرب العالمية الثانية بسبب خشيته من الملاحقة القانونية بسبب قبوله بمنصب سفير حكومة فيشي العميلة للنازي في بوخاريست. يحرص المؤلف دانييل روندو كعادته على توخي الدقة في التقاط السمات النوعية الدالة على هذا العبور من خلال التشديد على الفضاء والتحولات التي طالته بين زمن الحضور ومن الاستعادة وارتباط كل ذلك بالذوات الإنسانية. ولد بول موران بباريس عام 1888 وتوفي بها عام 1976. خلف عددا وفيرا من الكتب يربو على المائة في الرواية والشعر والنقد والبحث الأدبي والسيرة الذاتية وأدب الرحلة. يمكننا أن نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر روايته الشهيرة ‘هيكاط وكلابها’ التي استثمر فيها فضاء طنجة وكتابه الموسوم ‘يوميات ملحق ديبلوماسي’. اشتهر الكاتب علاوة على ذلك بالصداقة القوية التي جمعته بمبدع ‘البحث عن الزمن الضائع’ مارسيل بروست والتي سوف يستعيدها لاحقا في كتابه الموسوم ‘زائر المساء مارسيل بروست’ الذي صدر لأول مرة عام 1949. النصأسرت لي امرأة ذات نصيب موفور من الجلال في مدينة فيفي العاصمة العالمية لمسحوق الحليب والواقعة في كانتون فود بسويسرا بصوت مفرط في النعومة بسر سعادة موران في طنجة. ما الذي كانت تعرفه على وجه الدقة هاته الملكة الأم ذات البشرة الصافية التي تجد علتها في أصولها النورماندية ومنفى طويل في بلاد هايدي.
؟ كانت تحمل الاسم الرقيق للحديقة، أما أصدقاؤها فكانوا يدعونها موطي، وكانت نظرتها تدافع عنها. يبدو عليها أنها كانت سيدة حياتها دون مجهود يذكر؛ إذ كان لها نصيب من المعاناة والألم تجبرك على الوثوق بها بخفقة من رموشها عندما تأخذ في الحديث عن الأشخاص السعداء. كان موران قد روى لها منذ أزيد من ثلاثين عاما شتاءاته الطنجاوية. كان يقيم في قصر ضخم دون أي وجود لوسائل الراحة؛ بحيث كان من المتعذر الحصول على صنبور مياه صالح للاستعمال.
كان يسخر من ذلك؛ لأنه كان يحيا وفق الطريقة التي اعتادها الناس قبل عشرين سنة. كان يتحدث في الصباح مع الصيادين في مياه البوغاز. أن تقيم غير بعيد عن ميناء صغير والوجوه الذكورية للبحارة والسمك الطري كل يوم وأن تعد طعامك بنفسك. كان ذا شهية عارمة، لكنه لم يكن يطلب أكثر من ذلك. و كان على أية حال يمحض البحر حبا جنونيا. ألم يعمد قبل سنة من وفاته في مصب شانون بايرلندا إلى الإبحار وهو مقيد إلى سارية سفينة وفي لجة بحر شديد الهيجان؟
كانت في طنجة امرأة لا تقل رونقا وحسنا واسمها إيزابيل جيروفي، تتذكر دخول زوج لافت للنظر إلى مكتبتها الواقعة في جادة باستور في أحد الأيام التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. كان قد حل بالمدينة لأول مرة، وقد قدم الرجل المفرط في النعومة والملاحة واللباقة نفسه قائلا: موران. لم يكن من السهل التعرف عليه؛ إذ كان النسيان قد طواه، والطنجاويون بطبعهم غير فضوليين. كانت زوجته الأميرة سوتزو تتأبط ذراعه. كانت ودودة مثل سلك حديدي شائك وطلبت فيما يشبه الصراخ كتبا لريباطي كانت صاحبة المكتبة قد رفضت جلبها من باريس. وقد عاودا القدوم وفتح باب مكتبة لي كولون وهما في كامل أناقتهما ولمعانهما وبهائهما كما لو أنهما خرجا لتوهما من علبة.
عاش موران هنا كما عاش في أمكنة أخرى. كثير من العمل بتأثير رغبته في تجاوز الشعور بالسأم والتوق إلى رحابة الآفاق بفعل قناعة مبدئية والتزام بآداب السلوك بدافع التشاؤم. عاشق للجمال بمعزل عن أي أساس أخلاقي، وكان يعتقد بأن الإنسان الشرير بطبعه سوف ينقذه أدبه الرفيع. ثمة أيضا بعض الأصدقاء، ومن بينهم بانافيو القائم بالأعمال الفرنسي وبعض ممثلي البورجوازية المحلية المنتقين بعناية فائقة. وقد انضم إلى محادثاتهم بدون أن يصيخ السمع؛ بسبب ارتيابه في كل شيء. . بيد أنه كان حريصا على أن يولي كل شخص حظه من الرعاية والاهتمام. كانت الملاحة عنده طبيعة ثانية.
حدثت خلال شتاء 1955 في طنجة اضطرابات تخللها الصراخ وأريقت فيها الدماء. تمترس الأوروبيون خلف فيلاتهم، وكانت بحوزتهم المؤنة والأسلحة، وعلى استعداد لاحتمال الحصار. حزم موران حقائبه وغادر طنجة إلى الأبد. كان يستشعر رعبا فظيعا من الفوضى، ولم يكن علاوة على ذلك قد حل بطنجة لخوض معركة. وإنما كي ينسى أنه خسر نصف معركة أخرى. ولم يلبث الاضطراب الذي فر منه أن لحق به في طنجة. وكانت المحصلة أن لاذ بواحته السويسرية.
تمكنت من الحصول على عنوانه: زنقة باكيلي. اصطحبني صديق إلى حيث يوجد منزله في حي مرشان، وكان عبارة عن بناية عالية ومحصنة كانت دون شك أنيقة، وحافظت على اتساعها على الرغم من تدخل فأس الزمن التي قامت ببتر بعض الأجزاء منها كي تؤوي عددا وفيرا من أسر العمال المغاربة. حدث ذلك في فترة نهاية الزوال، وكانت السماء عالية ومشدودة مثل قماش لوحة، وكانت ثمة ريح عاتية، وإن كانت مفرطة في اللطف والدفء، وحملت ثلاثا من شجر الصنوبر من فرط قوة هبوبها على الاستلقاء فوق الأرضية الصخرية. كان في المقدور تخيل سهولة الوصول إلى الجزيرة الخضراء سباحة، وفي أقل من دقائق لا غير. كان البحر الأبيض المتوسط شبيها ببحيرة، أي مثل ضفاف ليمان التي تفلح في غمرة أماسي الصيف في تقليد جزر اليونان خصوصا حين يغرق الأفق خلال الغروب في الإطار الأزرق لماتيرهورون. طرقت بابا سميكة، لكنها ظلت خرساء لفترة طويلة قبل أن أرى إليها وهي تشرع قليلا. طلبت مني امرأة ترتدي جلبابا أن أعود لاحقا، أي حين يكون زوجها موجودا.
عاودت المرور في ليلة الغد في حوالي منتصف النهار. كنت وحيدا وقاب قوسين أو أدنى من التيه. كنت أدور انطلاقا من قصر فوربيس دون أن أتوقف عن العودة إلى نقطة النهاية وسط دوامة من الأزقة العربية المعبدة أو الطرق المدببة والمغبرة التي رعتها الدواب والتي تتميز بانحدارات مباغتة صوب البحر. كانت تتعرج مثل الثعبان بين سياجات القصب والحيطان البيضاء المغمورة بباقات من نبات الجهنمية وتقود بطريقة غير محددة إلى خرائب أو بدايات مدن صفيح أو فيلات فخمة. كنت وسط متاهة ديكور رواية ‘هيكاط.’اقترح علي مغربي في الخمسين من عمره يرتدي لباسا غربيا وحذاء رياضيا رديئا ويتميز برأس أصلع وذقن نابتة وأنف تعلوه نظارتان طبيتان ذواتي إطار أصفر اللون مساعدته. سألني قائلا: هل تبحث عن المنزل رقم 247؟ قلت له إنني أبحث عن المنزل القديم لكاتب فرنسي. بدأ في التفكير بضراوة. كان يزوي حاجبيه ويمرر يده على ذقنه النابتة منذ ثلاثة أيام. كانت ياقة قميصه المصنوع من النايلون مشدودة حول عنقه الضامر. كان أشبه ما يكون بموظف في وزارة أو رئيس مقاطعة. شوح فجأة بذراعه كما لو ليطرد كل المشاكل التي تنيخ بكلكلها عليه: شكسبير؟ تحرك قليلا بسيارتك. سوف ألحق بك.
كنت مندهشا بسبب شكسبير، لكنني انصعت للأمر، وكان أن قدت سيارتي صوب الرقم 247. كان قصرا أبيض اللون بطوابق ونوافذ ذات مصاريع مغلقة وجدران عالية تحيط به ونوافذ على شكل أقواس قوطية وكشكول من الشرفات الواسعة الشبيهة بالشوارع. ولم يلبث أن لحق بي بعد ثلاث دقائق وقد دس يديه داخل جيبي معطفه ذي اللون الغامق. كان يمشي دون عجلة وبنوع من الوقار الزاهد يتقدمه رأسه الموميائي وأنفه المعقوف ونظارته الطبية الغريبة وشكله المهمل.. كان يبدو راضيا ومسرورا باللقاء بي.’هنا، كما ترى، زنقة شكسبير، وأنا ساعي البريد الرئيسي’. فتح معطفه وشرع في تقليب محتويات جيبه. سلمني حافظة أوراقه وكنت بهذا الصنيع مرغما على القراءة. أحطت علما والحالة هاته باسمه وصفاته. كان اسمه عبد القادر ويشتغل ساعيا للبريد ويقيم في زنقة شكسبير. أبديت دهشتي قائلا: شكسبير حقا؟ وكان أن ألقى على مسامعي بدرس من التاريخ المحلي.
كانت الأزقة في طنجة تحمل في زمن مضى أسماء من قبيل: فيلاسكيز، مندلسون أو لويزيانا فيما حملت الشوارع أسماء باريس وباستور. وقد رغبت مرحلتا الاستقلال والتعريب في حمل الناس على نسيان هاته العلامات الدالة على الماضي. عمد العمال المرتقون للسلالم إلى رسم خطين متقاطعين بالطلاء الأبيض على يافطات الأزقة، وإثبات يافطات أخرى تحمل أسماء وذكريات أخرى: مولاي يوسف، عين الحياني أو 9 أبريل. أما فيما يخص شكسبير، فلم يتم التنكيل به وكتابته بطريقة مشوهة.. لكن طنجة هي طنجة ولا تتغير، ولم تطرد الأسماء العربية الأسماء الأجنبية، وآثرا التعايش جنبا إلى جنب؛ وهو ما يضاعف من صعوبة عمل سعاة البريد. سألت رفيقي الخبير، وكان في معرض جوابه قدريا: يخطئ الشباب، لكن الشيوخ يسارعون إلى مساعدتهم؛ وهذا كل ما في الأمر.
وماذا عن موران؟
إنني أقيم هنا منذ ثلاثة عشر عاما، وقد حدثني من سبقوني إلى العيش هنا عنه.
، ولم يعد يقيم هنا منذ زمن طويل. وقد آلت ملكية منزله منذ رحيله إلى عائلة بلافريج وهي من الأسر المغربية الكبيرة ومن بعدها إلى مواطن بريطاني قام بتحويلها إلى فندق، لكن حذار؛ إذ لا ينبغي الخلط بين شكسبير وموران. ، تعال معي. سوف أطلعك على منزلي.
دفع باب الحديقة التي كانت تحيط بالمنزل ذي المصاريع المغلقة. كان يمشي بخطو واثق ويتصرف كما لو أنه مالك المنزل. كان يطلعني على كل شيء. الأشجار الكبيرة والجدران السميكة والآبار والنوافير الصامتة. ‘هنا منزل سكوت، وهو إنجليزي وكان جنرالا في الجيش الإمبراطوري في الهند. كان صديقا لسلطان المغرب وقد أعاننا كثيرا. كان رجلا مفرطا في الضخامة والطول وله نظارة طبية ذات عين واحدة ‘كان عبد القادر يقيم بمعية أفراد أسرته في قبو المنزل ويضطلع بمهام الحراسة. روى لي حياته ولم يكلفه ذلك إلا خمس دقائق. وكان منطقه دامغا: الحياة والعمل ثم الموت. كان فخورا بأنه رأى النور في طنجة لأب بناء. وكان يعتقد وهو ساعي البريد الرئيسي بأن القدر لم يخذله. كان ينتظر الكثير من أبنائه، ولم يكن يفصح عن أية شكوى. كان أصحاب المنزل مثل تيار الهواء؛ إذ ما أن يفتحوا حقائبهم حتى يبادروا بعد وقت قصير إلى حزمها استعدادا للرحيل. كان غيابهم المتواتر والمطرد يتيح له الاستمتاع بالحديقة، وكان يستفيد منها بقوة. كانت الطبيعة رائعة وأخاذة، وقد سرد على مسامعي أنواع الزهور، وكان في المقدور أن نمضي في هذا السبيل كل فترة الزوال. غير أن الملل لم يلبث أن عصف به فأمسك بعود قصب وخاطبني قائلا: انظر. إنه يصلح لصيد السمك، لكنهم يؤثرون عليه قصب الصيد الالكتروني؛ وهذا مثير للأسى والألم. كل شيء أصبح اليوم إلكترونيا، بما في ذلك الورود والدجاج. هل سبق لك أن رأيت الدجاج الالكتروني؟
قام أحد المهندسين ببناء سطيحة طويلة فوق الحظائر القديمة، وكانت تمتد في اتجاه البحر، وكان من عادة ساعي البريد في فصل الصيف أن يتناول هناك طعام العشاء في مقدمة افريقيا في دعة واطمئنان صحبة زوجته وأطفاله العشرة. وانطلاقا من الحد الأقصى المستدير والواسع لرصيف الميناء، يمكن رؤية اللسان الممزق للساحل وأطلال منزل والرمل الناصع البياض لشاطئ صغير. ‘إنه شاطئ مرقالة، وتعني اللفظة في اللغة العربية رمل الموسيقيين’. كانت الأسر الثرية في حي مرشان تعشق منذ زمن طويل التنزه على هذا الشاطئ. كانوا ينزلون من منازلهم الكبيرة صحبة الخدم والأغطية وسلال المؤنة والموسيقيين ويشرعون في القصف واللهو إلى حين غروب الشمس. كانوا يشعلون نيرانا عظيمة ثم يأخذ الموسيقيون أعوادهم وطبولهم المصنوعة من الجلد المشدود وناياتهم المصنوعة من القصب. وفي الجهة الأخرى من البحر، في أوروبا وطرافالكار وطريفة، كانت الأضواء المنتظمة للفنارات تبدأ دورتها. كانت الحفلة تمتد إلى حدود الفجر، وما تلبث الأغاني والضحكات في الخفوت مع حلول تباشير الصباح. ‘هل ترى المنزل ذا المعمار الحديث هناك؟ هل تراه؟
ليس جميلا.
ليس جميلا؟ لقد كان في ملكية مواطن فرنسي كان جنرالا في جيش الكوم. وقد قام ببيعه إلى السعوديين.
إنهم موجودون بكثرة الآن. أليس كذلك؟
بلى. بكثرةهل تحبونهم؟
شخصيا. لا.
لماذا؟
لا أحبهم شخصيا؛ لأنهم؟
؟ ؟
؟ ؟
ثم لم يلبث أن غير دفة الحديث. ليس ثمة هنا في الصباح غير الهدوء والدعة. أشعر بالراحة فيما يخصني. وعندما تستيقظ في الصباح، تنتشي بالعصافير وهم يشدون بمائة بل مائتين من الأغاني. أنا مسرور هنا. هل ما زلت راغبا في رؤية منزل موران؟
كان مؤلف ‘هيكاط’ يقيم أسفل منزل سكوت في زاوية زنقتي بيليكا وشكسبير. كانت جماعة وقحة من الأطفال تصرخ بجوار المنزل، وكان الأولاد يرطنون بالإسبانية والإنجليزية، ويركضون فوق البلاط المكسور ويتعاركون وهم يتخذون أوضاعا خاصة ويوجهون لكمات إلى الأضلاع والسيقان النحيفة والصدور العجفاء. كانت لهم تلك الملاحة الرشيقة التي تميز جهات الجنوب. ذهبت فتاة في السادسة عشرة من عمرها تدعى سعيدة وتتسم بحركاتها المتحفظة وخجلها الذي لم يحل بينها وبين الابتسام كي تدعو أمها. كنت قد لمحت عينيها السوداوين في فرجة الباب. خطت خطوة إلى الأمام كي تخرج من الظل. كانت واقفة في انتصاب داخل جلبابها الأزرق، لكنها لم تتوقف عن خفض عينيها في عناد. كنت أعرف بأنني آخذ في إحراجها، وقد رفضت مثلما كان الحال بالأمس الحديث، وكان أن ألححت قائلا: إنه فرنسي وكاتب اسمه موران…’. حركت يديها في استسلام ورضوخ، ثم نكصت على عقبيها مثلما ظهرت لتبتلعها عتمة المطبخ الذي كانت تنبعث منه روائح الطعام. غير أنها اكتفت بالقول وهي تهم بإغلاق الباب وبصوت مفرط في الخفوت: لقد سمعت بوجود نصراني كان يقيم هنا في الماضي، لكن عد غدا. عد غدا…’