في مديح العقرب

حجم الخط
0

لقد سماك العرب الجرّار لأنك تجر ذيلك القاتل جرا، واعتبروك من أخبث العقارب وأقتلها، فقد حطمت شعوبا وقبائل وعواصم دون أن تأخذك بهم رأفة، بل إنك انقضضت على ملاجئ الأطفال والنساء والشيوخ ولم تبق ولم تذر، تخدر الأجساد بسمك الزعاف، وتسبب الاضطراب في التنفس وهبوط القلب، ألم تهاجم العواصم وتدمر بنيتها التحتية والفوقية؟ ألم تفعل أفاعيلك في البر والبحر وتقصف وتقتل وتشل دون رحمة؟ إن في سمك أيها العقرب لمادة تسهل عليك الهضم فتهضم وتمتص كل فرائسك، تمتص المياه من جوفهم، والبترول من بحارهم وتقتلع زيتونهم وتسرق رملهم، فالضحايا ملك لك أيها العقرب الجبار القوي العنيد، فأنت تمتلك المقارض التي تحسن تقطيع الضحايا، وتحويل بلادهم إلى كنتونات مفصولة لا اتصال بينها، فخططك الكلاسكية باتت معروفة وتدرس في أرقى المراكز العسكرية.

يا ملك الرحمة! ولأنك لا تحب الضوء بل العتمة، وتختبئ بين الصخور والشجيرات والنباتات الجافة، وتحت الأنقاض، ولأنك تنفذ إرادة الرب في الأعالي! فإنك ترسل أبناءك وجواسيسك وحلفاءك وأجهزة مخابراتك لتعيث في الأرض فسادا، وتقتل وتخنق الفرائس وتغتالهم أمام أحفادهم وأبنائهم وبناتهم، ولا تألو جهدا في جعلهم عبرة لمن يعتبر.

يقول المداحون عنك الكثير؛ يقولون إنك حينما تلسع لا تلسع لسعة واحدة، إنما تحفر في جسد الضحايا علامات أبدية وأوشاما وتذكارات يتذكرونها كلما همّوا بالاغتسال، ويتعجبون من تتبعك للمعتدين إلى أقاصي الأرض لتلسعهم، وتشلهم وتعذبهم، وتريهم أن الاعتداء على دمك هو اعتداء على دم أبناء الله. ويتعجبون أيضا من قدرتك على التشبث بالضحايا بكماشتيك القاسيتين، فلن يستطيع الآخرون أن يحصلوا على شيء يمتلكه العقرب؛ لأنه لن يتنازل عن مناطق نفوذه، فأرضه هبة السماء، وأينما داست رجلاه هي أملاك الآباء.

يقولون إنك تتقن لعبة الهدوء والغضب والحرب والسّلم، فلك أبطال حرب وأبطال سلام وعلماء بشرية وعلماء موت، وتستطيع أن تقلبهم متى تشاء، وتنال من الحلفاء الجوائز والأوسمة التي تكدست في خزائنك لتتساءل بعدها: أين أعدائي؟ وهل سمنوا بعد أن التهموا أكبر منسف في التاريخ؟

لكن مع هذا يدّعون أنك على درجة من التسامح مع الآخرين ومع نفسك! فلا يحدو أحد العجب حينما لا تجد عدوا فإنك تغرز سمك في جسدك؛ لأن البغضاء طبعك، والكراهية تملأ صدرك، فأنت تكره الأجنة في البطون والزيت في الزيتون، والرحيق في الزهر، ويدّعون أنك إذا حوصرت في النار تنتحر كما فعلتها في القلعة حينما حاصرك الرومان، وسمك الذي تدخره لخيارات شمشون هو للفتك بالبشرية في اليوم الذي ينقلب فيه السحر على الساحر.

ما من أحد إلّا ويعترف ببطولاتك أيها العظيم! وما من أحد إلّا ويعرف أنك تقلب الحق باطلا والباطل حقا؛ وما من أحد إلّا ويعرف حقدك وسمومك وقنابلك الحارقة وإبرك اللاسعة، فأنت العقرب الذي يهتف له ويجل جلاله، وستبقى العقرب أبدا، أما أنا الذي شاء القدر أن تغزو أرضي فلست سوى إنسان يرقي أولاده بالدواء والدعاء، كأيّ إنسان ملدوغ في هذا العالم.

الدكتور عدوان نمر عدوان – جامعة بيت لحم [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية