السقف (حكاية لا تصلح للشتاء !)

حجم الخط
0

رياض بيدس – السقف يرشح! صرخت الابنة الصغرى وهي تحمل على يدها قطرة من رشح السقف. نظر الاب الى الابنة الصغرى والى السقف وردد بهمس متردد: مش معقول! هذا السقف القوي يرشح؟! وبدا الشك واضحا على امارات وجهه الجامدة (ومضى في حديثه كما لو كان يطمئن نفسه) لقد بنى هذا البيت افضل معمرجي في المنطقة. والبيت حديث البناء نسبيا. السقف لا. .. ولا يمكن. .. ونطت الابنة مرة اخرى قائلة: هذه نقطة اخرى. الرشح يزداد. وجمدت تقاطيع وجه الاب. قالت الزوجة: لقد قمت بكل الاجراءات ضد الرطوبة من تزفيت السقف ودهانه، وها هو يرشح للمرة الاولى. هل هذا الرشح انذار بالدلف؟! استغرب الزوج الذاهل الذي كان ما ندر يعتريه ذهول لاي سبب: غريبة. هذا السقف ‘مصفّد’ بكل ما هو ضد الرشح. غدا سأعاينه. في الغد، خرج الزوج الى السطح وتأمله بعناية، ثم نزل واخبر زوجته ان الرشح شيء عابر جدا، لانه سيعمل على طلائه مرة اخرى بالزفت والكلس. ولم يتلكأ الزوج في الامر، بل استدعى من يقوم بالامر على خير وجه. صبيحة اليوم الثالث استفاق الاب على صوت قطرات من الماء تنقّط على وجهه. في البداية ظن انه يحلم، او انه يضع وجهه تحت الحنفية ليغسله. لكنه عندما استيقظ تماما ادرك ان الرشح البسيط تحوّل الى قطرات من الماء تتجوّل على اجزاء من تقاطيع وجهه وعلى السرير. في الحال ايقظ زوجته وقال لها: السقف يرشح اكثر. انها تمطر في الخارج بغزارة. استغربت الزوجة، وبعد تثاؤب كله انزعاج قامت وذهبت الى غرفة الاولاد لتأتي وهي فاغرة الفم مما ارعب زوجها لتقول وهي مبحلقة العينين: – تدلف في غرفة الاولاد ايضا! طار الزوج الى غرفة الاولاد ليعود مذعورا: انها تدلف في كافة ارجاء البيت. وضعوا الدلاء في كافة انحاء البيت. جمعوا مطرا ودلقوه في الخارج. استيقظ الاولاد منزعجين وهم يسيرون محاذرين المياه التي تجمعت في بقع على الارض. نظروا الى الاب بحيرة متوسلين حلّا، لكن الاب بقي هو الآخر يحاذر النقاط التي كانت تصيبه كيفما سار. قال الاب باسف وكمن اسقط في يده: لا اعرف ما الذي جرى. فالسقف قوي وقمت بكل ما هو ضروري استعدادا لاي شتاء مهما كانت شدته. هذا البيت جرى له ما لم نكن نتوقعه! قال احد الابناء مترترا من البرد: هذا الشتاء اشبه بالطوفان! امّن الجميع على كلامه. ثم قال الاب الذي ما زال يرتدي بيجامته بصوت غاضب على ما يحدث: طوفان في الخارج وفي الداخل ايضا! اضافت الام: ليس معقولا ان نبقى تحت رحمة هذا السقف. نط الولد الصغير قائلا: نستأجر بيتا جديدا! وبدا الامتعاض واضحا على وجه الوالدين اللذين كانا يحاولان حماية من في البيت من المطر العنيف دون ان يفلحا حتى في تهدئة خواطر الاولاد ولو قليلا. قال الاب متنهدا: لو كنت اعرف ان هذا السقف سيرشح لما بنيت هذا البيت. (وردد كمن لو كان يردد لنفسه بمرارة) لقد فشلت.. فشلت في اختيار المعمرجي، وفشلت في هذا السقف الذي توقعت ان يكون اقوى وان لا يرشح بالمرة. لا بل انه لم يخطر لي ببال انه سيرشح!

صححته الزوجة: انه لا يرشح، انه يدلف بعزارة. قال الاولاد: نحن نشعر بالبرد ونغرق. ردد الاب بغضب: الا ترون اني انا الآخر اغرق معكم؟! الا لعنة الله تحل على كل السقوف. اقتربت زوجته منه وقالت له بهدوء وقطرة من الماء تسقط على رأس انفها: اهدأ. سنجد حلا! ونظر اليها الزوج يستعجلها لا بل يستجديها حلّا سريعا لانه ليس قادرا على اجتراح حل. لكن الزوجة، ولخيبته الكبرى قالت وهي تنظر الى السقف: كان علينا ان نعرف منذ البداية. فتح الزوج يديه على وسعهما: نعرف ماذا؟!

قالت الزوجة بمنتهى البرود الذي يضاهي برد الشتاء والمياه معا: هذا السقف عال جدا. كان علينا ان نبني سقفا اوطأ، وان نعهد ببنائه الى من يتقن بناية البيوت الصالحة ضد الشتاء وصالح في كل الفصول الاخرى. قال الاب بلهجة متشككة ذات رنة حزينة: لكن المعمرجي الذي قام ببنائه صاحب اسم كبير، بالذات في السقوف العالية. انه رقم واحد. (وتفكر الزوج) هذه المنطقة… اقصد ايضا مناخ هذه المنطقة… قاطعته الزوجة التي كانت تحرص على اخفاء انزعاجها الناشب فيها: المعمرجي يعيش في الماضي (ونظرت الزوجة الى زوجها كما لو انها كانت تقول له بعينيها الجميلتين انت ايضا تعيش في الماضي، لكنها قالت بحساسية عالية) نحن نحب السقوف العالية، لكن… (وبحثت عن الكلمة الملائمة) لكن الدنيا تغيّرت هنا. بدا على الزوج انه لا يفهم، فقال ليداري جهله لما ترمي اليه زوجته: انه شاطر وذكي… قالت الزوجة وهي على برودها: لقد فشل. وتنفس الاب للمرة الاولى. لم يفشل هو، بل المعمرجي. وادركت الزوجة ما يدور في دخيلة زوجها فقالت: البيت هو السقف! لقد اخطأنا في اختيار هذا المعمرجي. كان يدرك انه يبني سقفا عاليا ويخاطر. لا مكان هنا للسقوف العالية. سألها الزوج: اذن، ما العمل؟! قالت وهي تنظر الى السقف بحيرة: لا اعرف. واضاف الزوج وهو يفرك يديه وينظر الى الاولاد: وانا لا اعرف ايضا! وفي المساء كان البيت يغرق في المياه. اما العائلة، فكانت تحتمي في اماكن اخرى على امل ايجاد سقف آخر لا يرشح ولا يدلف بالمرة. (الجليل 2 تموز 2011)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية