عمان ـ ‘القدس العربي’ ـ من سميرة عوض: مع أن العرض المسرحي يبدأ في الثامنة والنصف، إلا أن حضوري في الثامنة تماما، لم يمكنني من حجز مقعد، ولا حتى ‘على الدرج’، أو حتى ‘وقوفا’ في احدى زوايا المسرح الرئيسي للمركز الثقافي الملكي الذي ‘غص’ بالحضور الذين ماثل عددهم ـ من لم يحصلوا- عدد من حصلوا على مقاعد، فكان أن أسعفني تفكيري ‘بالصعود إلى ‘الروم كنترول’، برفقة الصديقة لينا قدورة، لنجد عددا من الفنانين، سبقونا إلى هناك، وهذا تكرر على مدار يومي عرض المسرحية، أقصد غزارة الحضور. غصت مدرجات المسرح الدائري بالحضور، لمشاهدة العرض الأول من مسرحية ‘الحادثة’، التي قامت ببطولتها الممثلة الأردنية صبا مبارك وعدد من الفنانين المسرحيين.
واعتمد العمل، الذي حمل حكاية ممثلة وتفاصيل يومياتها، على التجريب والارتجال، بالإضافة إلى ارتجال جماعي من قبل الممثلين المشاركين أثناء التمارين. ‘ الحادثة’ بدأت بسلمى وانتهت بالثورات العربية.
وناقشت المسرحية، التي استمرت ما يقارب الساعة، عدة مواضيع اجتماعية وسياسية بالدرجة الأولى، في التعبير عن الرفض الذاتي لما يجري بمحيط الممثلة، والتي أدت دورها مبارك بتمكن على خشبة المسرح.
وتنبش ‘الحادثة’ المسكوت عنه اجتماعيا وسياسيا، وهي تتحدث الفنانة ‘سلمى’ التي لا تتمكن من حضور تكريمها، في احد الملتقيات العالمية بسبب ضياع جواز سفرها، سلمى التي تبحث عن حريتها الشخصية، لتجد نفسها في ‘صلب’ مظاهرة ثورية، فتصير هي الحدث الرئيس، حيث بدت سلمى/ صبا مبارك على الخشبة وكأنها خلقت لهذا المكان، فهنا تحدثت عن الحرية والعبث والوجودية، بطريقة بعيدة عن الفنتازيا، فبدت الاحداث واقعية، تلامس ما يعيشه كل مواطن عربي، خصوصا فيما يتعلق بربيع الثورات العربية. والقضايا التي طرحتها المسرحية في سياق الموضوع أو القصة الرئيسية للشخصية سلمى، تميزت بجرأة الطرح لما فيه من قضايا تمس مجتمعاتنا من الثورات العربية إلى تساؤلات وجودية وأحداث مجتمعية وغيرها، كلها دخلت في الحدث الرئيسي ورفدته بشكل إبداعي لتتكون سلسلة واحدة وخط درامي واحد مقطع بشكل سينمائي ومشاهد قائمة على فكرة الصدفة والتنقل في الزمن.
وتواصلت المسرحية بتصوير حياة ممثلة اسمها سلمى لديها حارس شخصي يدعى أبو فادي، وأدى دوره أحمد السرور، وبقي طوال العمل ملازما للممثلة في تفاصيل حياتها كافة، ومنها ما كلّف هو للقيام به، لكثرة التزامات الممثلة بتفاصيل التجهيزات للحفلات والأعمال التي تقدمها.
وتناثرت الأحلام لدى الممثلة التي أضاعت جواز سفرها، وبدأت بتوجيه الاتهامات جزافا إلى الآخرين، رغم مسؤوليتها المباشرة عن ضياع الكثير من أوراقها وأحلامها وصورها، التي ترمز إلى الكثير من ذكرياتها.
مجموعة مختلفة من الأحداث أو التفاصيل تداخلت لتجسد وتعكس حياة الممثلة، ضمن مشاهد بصرية مزجت بين الموسيقى والرقص، التي جعلت من العرض يبدو وكأنه بعيد عن الروتينية في تقديم الشخصية الرئيسية للممثلة، التي تسعى للذهاب إلى تكريم في دولة غربية على أعمالها.
وكان العمل تراجيديا بامتياز، حين تفقد الممثلة هويتها، مما حتم عليها البوح بالكثير من الأمور التي كان من الصعب عليها التحدث بها، فتحدثت عن شهداء الوطن العربي خلال الربيع العربي.
ولم تنس دروزة خلال العرض التركيز على ظروف الواقع العربي، وما يشهده الوطن العربي من ثورات، فجاءت تحية إلى الشعب التونسي بطريقة مغايرة؛ ارتدت فيه الممثلة ‘الطربوش’ التونسي وبدأت تتحدث باللهجة التونسية مع حارسها الشخصي أبو فادي، ليجيبها على الفور بعد أداء التحية ‘الآن فهمتكم’. وعرض خلال العمل اسكيتش قصير لمطالب الشعوب، لتحقيق مصالحهم من خلال المساواة وتحقيق العدل، عبر عدة مواقف تجلى بها الممثلون حاملين إطارات وهمية، والوقت يمر بدون الحصول على أي مطالب.
النقاش الذي يجري في محاولة بحث الممثلة عن هوية تثبت من تكون، جعلها تنقاد وراء أبو فادي الذي بدا طوال العمل متواضعا مثقلا بالكثير من الضغوطات، التي لم يبح بها، ليذهبا إلى المركز الأمني والبحث عن ‘هوية’ الممثلة.
وتطرقت دروزة خلال العمل إلى شرائح المجتمع المختلفة، من خلال تصوير أكثر من شخصية فقدت هويتها وتحاول البحث عنها، في مفارقة تضع المشاهد في صلب حياة هذه الشخصيات التائهة حتى في البحث عن ذواتهم.
تتعدد الحالات في العمل بين الكوميديا والتراجيديا بين الفرح والحزن الترادف والتناقض، كم هائل من التفاصيل اليومية التي تقدم بحلم صادم للواقع على الخشبة، واختتمت بعد أن تخرج مبارك من الشخصية التي جسدتها، لتتحدث عن كل ما يجري من عنف تجاه المرأة في المنزل وما يتعرض له المواطن العربي بشكل عام من انتهاك للحريات ومصادرة حق التعبير عن الذات.
وتذهب مبارك، في ختام العرض، وراء حلمها وربما أحلام الكثيرين، حيت تتبع فراشة تمر بجانبها، وتسدل الستارة على صوت الأغنية التي بدأ بها العرض للمطربة أسمهان ومنها؛ ‘دخلت مرة الجنينة أشم ريحة الزهور.. وأهني نفسي الحزينة وأسمع نشيد الطيور… بصيت لقيت ع الغصون بلبل ويّاه وليفه… واقف معاها بسكون أنا فرحت لما شفته… فارد جناحه عليها وبيراعيها بحنان… وهو من حبه فيها غنالها لحن الأمان… وقال لها يا ملاكي اللي تعوزيه اطلبيه… روحي وعقلي فداك حبيبك أوعي تسيبيه’. دروزة: ‘خسرنا المسرح ولم نربح السينما”خسرنا المسرح ولم نربح السينما’ بهذه العبارة اختتمت المخرجة سوسن دروزة مؤتمرها الصحفي الذي عقدته في قاعة فخر النساء زيد في المركز الثقافي الملكي للحديث عن مسرحيتها ‘الحادثة’ التي افتتحت عروض موسم مسرح الكبار.
ومسرحية دروزة الجديدة، وهي من تأليفها، وإخراجها، تواصل النبش من خلال بطلتها ‘سلمى’ – والتي تقوم بدورها الفنانة صبا مبارك- فيما قدمته من رؤى مسرحية وحياتية في مسرحيتيها ‘مصابة بالوضوح’ 2003، و’الخبز اليومي’ 2001، مواصلة مسيرة بطلتها ‘سلمى’ التي برزت في مسرحيتها ‘ذاكرة الصناديق الثلاثة’ 1998، وهي فكرة مشتركة بين المخرجة نفسها، والفنانة صبا مبارك، والمخرج السينمائي إيهاب الخطيب، ولدت فكرتها في المعمل 612، حيث اجتمعوا ثلاثتهم بهدف الخروج بعمل مسرحي جديد على الخشبة الأردنية، ومغاير لما اعتادته هذه الخشبة، تتماوج اللوحات المسرحية بين الكوميديا والتراجيديا، بين الفرح والحزن، ناقلة لوحات ‘منتقاة’ من التفاصيل اليومية التي تقدم بحلم صادم للواقع على الخشبة.
دروزة بينت في مؤتمرها الصحفي، الذي شاركتها فيه الممثلة الشابة هالة شقير، أن المسرحية من فصل واحد وتستمر قرابة الساعة، وتعد تجربة جديدة في المسرح حيث بدأ التدريب على المسرحية بنص أساسي غير مكتمل كانت كتبته دروزة، ثم أعادت كتابته ثانية، بعد مشاورات ونقاشات معمقة مع فريق العمل، بأسلوب ‘الورشة المسرحية’، بمشاركة النجمة الأردنية صبا مبارك بدور ‘سلمى’، يقوم سليمان الزواهرة بدور ‘السائق’، ومجموعة من الفنانين الأردنيين: حسن لافي، سليمان الزواهرة، منذر خليل مصطفى، يقومون بأدوار مختلفة منها: الفكرة، الراقصون، الحوار الوطني، الحياة، وغيرها. النص من تأليف سوسن دروزة ومن إخراجها وصاغته وأضافت عليه صبا مبارك وهو إنتاج وزارة الثقافة وجمعية المعمل 612، الأزياء والديكور هالة شهاب.
وبحسب دروزة تتحدث المسرحية عن ممثلة تتعرض لحادثة بسيطة، ثم تتوالى عليها الأحداث والصدف وتقف حائرة بين عجزها وبين أحلامها ومشاريعها وحضورها الفني والاجتماعي وتدور الأسئلة في عقلها: أيها له الأهمية والأولوية في حياتها.
والفنانة الأردنية هالة شقير لا تزال على مقاعد الدراسة الجامعية، تدرس الادب والثقافة في الجامعة الهاشمية، تحلم منذ طفولتها بالعمل المسرحي، لها عدد من الأدوار في مرسح الهواة، إلا أنها المرة الأولى التي تشارك في مسرح المحترفين. وكانت تحدثت عن طبيعة دورها في العرض حيث تقوم بعدة شخصيات، وأعربت عن سعادتها لخوض تجربة العمل المسرحي مع المخرجة دروزة والفنانة صبا مبارك.