أحمد الحملي بنك المعلومات الذي أشهر إفلاس إسرائيل

حجم الخط
0

رحيل الرائد الإذاعي بعد نصف قرن على الجبهة الإعلاميةالقاهرة “القدس العربي” من كمال القاضي: لم تتجاوز تغطية وفاة الإذاعي الكبير أحمد الحملي رئيس شبكة الإذاعات الموجهة شريط الأخبار بالقناة الأولى برغم أن القيادي البارز كان أحد المناضلين الكبار ومؤسس الشبكة العبرية التي تختص بمعرفة لغة العدو وفك شفرتها للتمكن من رصد نقاط الضعف والقوة. فبحسب المبدأ القائم على الحكمة التي تقول ‘إعرف عدوك’ كان الالتزام من جانب الراحل أحمد الحملي بكافة التعليمات التي اصدرها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر حين أمر بتفعيل دور الإذاعات الموجهة وبصفة خاصة البرنامج العبري لتكون نوافذ مفتوحة على العالم يستقي منها المعلومات السياسية وتعرف من خلالها الشعوب الحرة مكانة مصر ووضعيتها في ظل التكتلات والتحالفات القائمة بين الدول.

لقد تولى الحملي مسئولية البرنامج الإسرائيلي أو العبري في الستينيات بعد أن تم ترشيحه لعبدالناصر بوصفه الأكثر كفاءة والأقدر على تحمل المسئولية وكان حينئذ شاب في مقتبل حياته المهنية ومشهور بالوطنية والحماس، استطاع المذيع النابه اختراق كافة الحصون الإعلامية الإسرائيلية فقد دأب على ترجمة كل ما وقع تحت يديه من معلومات تتصل بالأمن القومي الإسرائيلي وخطط المواجهة الإذاعية، حيث كانت الإذاعة هي الوسيط الأنشط في ذلك الوقت، كما استطاع ان يحصل على معلومات تختص بأساليب التشويش التي تتبعها الدولة الاستعمارية في إحداث ذبذبات بالتقنيات المصرية الإعلامية، علاوة على تفوقه في إجادة التحدث باللغة العبرية إجادة كاملة، ومن هنا جاء اختياره للسفر مع الرئيس السادات في رحلته الى القدس عام 79 فيما عرف بمبادرة السلام أو كامب ديفيد، الأمر الذي أزعج وقتها رئيس الوزراء الإسرائيلي بيجن لكون الإعلامي المرافق يعرف أكثر مما ينبغي عن إسرائيل وشعبها وأسرارها العسكرية وقد أسر للسادات بذلك في حوار جانبي حسب ما كتب أحمد الحملي في مذكراته وما نقله عنه تلاميذه ومن بينهم الإذاعي سيد عبدالسميع المدير العام بالبرنامج العبري وكبير مذيعي نشرة الأخبار وأكثر من احتكوا به طوال مشواره الإعلامي.

ولرئيس شبكة الإذاعات الموجهة دورا بارزا ايضا في الرد على الدعاوي اليهودية من أن أجدادهم شركاء في الحضارة المصرية وأنهم الذين بنوا الأهرامات الثلاثة خوفو وخفرع ومنقرع فقد اثبت الحملي بالوثائق والمستندات ما ينفي هذه المزاعم ويضحد الأدلة اليهودية الملفقة، حتى أنه اعتبر بعد الحملة التي شنها ضدهم بالإذاعة المصرية من ألد الأعداء لإسرائيل ومثقفيها لا سيما ان ما أثار الحقد ضده تمكنه الشديد من جمع المعلومات السرية والاحتفاظ بها لدرجة أن البعض وصفه ببنك المعلومات الأخطر على المشروع الصهيوني التوسعي، خاصة بعد تقديمه للبرنامج التليفزيوني وقيامه باستعراض الوثائق وتحليله لما ينشر في الصحف العبرية بشكل عميق يختلف عن الطريقة التقليدية المتبعة ببعض البرامج والمحطات، لقد رحل الإعلامي الوطني مخلفا ورائه العديد من المخطوطات والمؤلفات يتصل معظمها بتحليلات مهمة في مضامين الإعلام الإسرائيلي الموجه فلم يكن يرى فيه ما هو خارج عن التوجيه السياسي فالخطاب الإعلامي العبري سياسيا بالضرورة حتى وإن كان برامج ترفيهية فهي لم تظهر للجمهور إلا بعد مرورها على صناع القرار وخبراء في فنون البث والتلقين، وتزيد العناية بالبرامج إذا تم تخصيصها للأطفال والمراهقين فالتأسيس النفسي والتربوي على كراهية العرب من المسلمات الإعلامية في التليفزيون الصهيوني والوسائل الأخرى، لذا فإن ما تضمنته القراءة المتأنية لأحمد الحملي في صلب الجوهر الثقافي بالخطاب الإسرائيلي كان ضرورة حتمية للإطلاع على لغة العدو ومهاراته في تسريب الكراهية للنشء الصغير تجاه العرب للقضاء على نتوءات التعاطف التي من الممكن أن تتسبب فيها الصور الفضائية المنبثة عبر الأقمار الاصطناعية عما يحدث من مجازر وجرائم ضد الأطفال الأقران في غزة والقدس والضفة وغيرها من المناطق الواقعة تحت الاحتلال.

المفارقة الغريبة والمثيرة في مسيرة الكادر الإعلامي الكبير أحمد الحملي أنه لم يحظى بالشهرة الكافية داخل مصر برغم ذيوع صيته في إسرائيل ربما لأن جزء من مهمته كان سرياً أو مفترض أن يكون سرياً أو لكونه لم يهتم على المستوى الشخصي بتلميع نفسه والاقتراب من الأضواء لإحساسه بأنه في مهمة قومية طوال الوقت تستدعي أن يعمل في صمت بعيدا عن صخب الشهرة والأضواء.

رحل الحملي بعد أن رسخ المباديء الوطنية لدى كل العاملين بالإذاعات الموجهة وأرسى قاعدة الأمانة على كل تفصيله كبيرة أو صغيرة تتضمن معلومة لم يأت أوان ذكرها فهو كما أشرنا سلفاً بنك المعلومات التي تقترض منه وقت الحاجة وحين يكون مسموحاً بالاقتراض.

رحم الله الإذاعي الراحل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية