الأناكوندا العجوز والربيع العربي

حجم الخط
0

الولايات المتحدة الأمريكية، ذلك العملاق الكاسر المرعب اقتصاديا وعسكريا، لن تخيف أحدا عما قريب إن استمر حالها وحال نخبها وطبقتها السياسية في التدهور، فأفعى الأناكوندا تلك، كما تبيح لنفسها أن تتصرف، أو كما حلا لها تسمية نفسها أو بالأحرى تسمية أول وأكبر عملية عسكرية واسعة النطاق لها بأفغانستان بعد غزوها بقليل، تبدو وكأنها قد ‘عجّزت’ أو أنها بدأت تفقد أنيابها وقوتها الضاغطة شيئا فشيئا.

بالأمس القريب كان يمكن لقلة الأمريكيين المحتكرين لدواليب السياسة والاقتصاد أن يقولوا لبقية مواطنيهم أي للتسعة والتسعين بالمئة المتبقين: ‘انظروا إلى حال المواطنين بالعالم الثالث، فهم يعانون الفاقة والتخلف تحت حكم أنظمة شمولية فاسدة وغير رشيدة (وذلك كله صحيح وأكثر)، بينما تنعمون باختيار ممثليكم وقادتكم (من بيننا نحن القلة المحظوظة طبعا) فيسهرون على تحقيق ما أنتم فيه من أمن ورفاهية’، فماذا عسى حكام أمريكا ‘الأغنياء’ أن يقولوا اليوم لمواطنيهم ‘الأغبياء’؟ ماذا عساهم يقولون لمواطنيهم وقد اكتشف هؤلاء أن البحبوحة المزعومة زائفة، وأن مزاعم الاقتصاد القوي لم تكن إلا وهْما جعلهم يبذرون بلا حساب ويستدينون بلا تحسّب؟ ما الذي يمكن أن يقدمه الساسة الأمريكيون كمبررات لسوء تدبيرهم المزمن وللعجز المتستَّر عليه طوال سنوات؟ اتضح اليوم للأمريكي العادي قبل المختص أن هناك خللا جوهريا في النظام السياسي الأمريكي ذاته، فإذا اعتبرنا أن مجالات الاقتصاد والأمن والحريات هي المحك الحقيقي لمدى نجاح أو فشل نظام سياسي أو نموذج ديمقراطي ما، فإنه من اللافت أن النظام الأمريكي قد فشل في تحقيق ولو معيار من تلك المعايير اللازمة مجتمعة للحكم على ‘جودة’ نظام ما إن صح التعبير، فلا هو نجح اقتصاديا إذ تبيّن أن فشل الاقتصاد الأمريكي مزمن وأنه كان نتاج سياسات متعاقبة فاشلة، ولا هو حقق للمواطنين أمنهم المنشود حيث أراد النظام الأمريكي إصلاح خطأ توليد الإرهاب وتغذيته بسياسات عرجاء منحازة إلى الظّلَمَة ضد المظلومين والمهجّرين، أراد إصلاحه بخطإ أكثر جسامة وظلما وتكلفة، هو خطأ غزو أفغانستان والعراق، ليقرّ الساسة الأمريكيون أنفسُهم فيما بعد أن العراق خال من أسلحة الدمار الشامل وليتضح أن أفغانستان خال من بن لادن، ناهيك عن أن مجال الحريات قد بدأ هو الآخر بالانحسار منذ أن اتخذت الإدارة الأمريكية الحرب على الإرهاب ذريعة للتراجع عن العديد من المكتسبات الحقوقية للمواطن الأمريكي وللتضييق على بعض الأقليات وتهميشها. إلى اليوم يتذكر العالم كيف أن انهيار الاتحاد السوفياتي كان مفاجئا وسريعا، وكيف أنه كان نتاج تضافر عوامل شكّلت مجتمعة ما يشبه ‘الخلطة القاتلة’، وكان من بين مكوّنات تلك الخلطة، إضافة إلى العامل الاقتصادي والتورط العسكري بأفغانستان، وجود ‘النموذج الناجح’ المتمثل في ‘الآخَر’ الأمريكي والغربي الرأسمالي ‘الحرّ’ الذي طالما انتقده الحكام السوفييت وبشَّعوا صورته لدى مواطني الاتحاد. واليوم يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية ماضية على نفس الدرب، فالوضع الاقتصادي الأمريكي في أسوإ حالاته، وانعكاسات ذلك على الوضع المعيشي للمواطن الأمريكي بدأت تزداد حدة ووضوحا في مجالات حيوية كالصحة والتعليم والسكن والوظائف، إضافة إلى وجود ‘الآخر الجديد’ أي العربي والمسلم الذي عوّض ‘الآخر السوفياتي القديم’، فالآخَر الجديد وإن لم يحقق بعد البحبوحة والحرية المرجوة، قد انتفض ودوّت انتفاضاته وثوراته في الآفاق. لذلك يمكن القول إن الربيع العربي سيُسهم بشكل من الأشكال (وقد بدأ) في إتمام جهوزية الخلطة المؤدية إلى انتفاضة أمريكية قد لا تكون سلمية وقد تؤدي إلى تفكك سريع للنظام الفيدرالي الأمريكي. نعم، ذلك ‘الآخر’ المذموم الذي طالما استهدفته الإدارات الأمريكية وشوهت صورته لدى المواطن الأمريكي، ذلك المنبوذ الذي طالما جُرّد من ملابسه على الحدود وفي المطارات، صار يثور ويغيّر الأنظمة ويسعى إلى محاصرة الفساد، فكيف لا يثور الأمريكيون ضد نظام اتضح فساده، خصوصا وأنه صوّر لهم أنهم الأعلون ليستفيقوا على حقيقة أنهم مفلسون وأنه يقودهم إلى انهيار محتوم؟ أم أن احتجاجات نيويورك وواشنطن وغيرهما لا تعدو أن تكون مجرد ‘فلكلور ثوري’ على حد التعبير الظريف والصحيح نوعا ما لمذيعة الجزيرة وهي تصف ‘الحراك’ بالمغرب؟ عبد اللطيف البوزيدي – المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية