جريمة على الكورنيش .. بين بلع لفافة البانجو و سرقة مدرعة الجيش

حجم الخط
0

د. محمد عبدالغنيما أشبه”اليوم’بالبارحة، شباب مصري في مقتبل العمر يقتل علىأيدي أبناء جلدتهم. الأول الشهيد خالد سعيد أحد أهم شرارات ثورة 25 يناير و الذي قتل على أيدي أفراد الشرطة في صيف 2010 على مقربة من كورنيش الأسكندرية. و الثاني هو الشهيد مينا دانيال أحد ثوار هذه الثورة و قد قتل هو و رفاقه على أيدي رجال الجيش على كورنيش نيل القاهرة. الأول قتل في عصر مبارك و اتهموه بقتل نفسه إثر بلعه للفافة مخدر البانجو. أما في الجريمة الثانية فكان عدد الضحايا أكبر حيث قتل مينا مع أكثر من 20 شهيدا و أظهر المجلس العسكري (حاكم مصر وقت وقوع الجريمة) بلادة و استهتاراً’في تفسير (أو تبرير) الجريمة، تتفوق على تلك التي أظهرها النظام السابق. فلقد أنتشرت أقوال كثيرة بعد الجريمة تقول أن المجلس يدعي أن المدرعة التي دهست أخوتنا كانت قد سرقــــت من قبل المتظاهرين،’في واحدة من أقوى مشاهد هذه الثورة أستعباطاً. لاحقاً صرح المجلس في مؤتمره الصحفي أن أحدى’المدرعات كان يقودها شخص بملابس مدنية و أن التحقيق جار في ذلك، في محاولة للإيحاء أن الجيش غير مسؤول عن دماء القتلى.’فإذا كان المجلس العسكري يفعل ذلك لينافس نظام المخلوع فنحن نقر و نعترف له أنه قد فاز . فلقد’قتل خالد سعيد في شارع جانبي أمام مجموعة من جيرانه المذهولين، بينما”قتل مينا و رفاقه يوم 9 أكتوبر تشرين الاول في وجود’الأف الأشخاص في موقع الجريمة،’في أحد أهم شوارع العاصمة،’و كانت هناك كاميرات كثيرة و قنوات تلفزيون متعددة و لكن ذلك لم يمنع المجلس من أختلاق قصة لا يصدقها عاقل و أخذ في نشرها بلا هواده. و في كلتا الحالتين رفضت السلطة الحاكمة’أن تنتصر للعدالة’بمحاكمة و محاسبة المتهمين بشكل حقيقي. رفضت السلطة التضحية بحفنة من المتهمين و في المقابل و ضعوا الدولة في مهب الريح، مما خلق حالة من السخط الشعبي الذي عجل بسقوط نظام مبارك و سيؤدي إلى نفس النتيجة مع المجلس العسكري أجلاً أم عاجلاً إلا إذا عدل هذا المجلس من تعامله مع الموقف.’سيتذكر التاريخ يوم 9 أكتوبر تشرين الاول 2011 أو الأحد الدامي كأحد أكثر أيام مصر المعاصرة حزناً، و ربما يتفوق على نكسة 67، ففي هذا اليوم الأسود كان المصريون على موعد لمواجهة بعضهم البعض جنوداً و مدنيين. و كان الداعي و المضيف هو المجلس العسكري الذي أخذ في أستعمال حلول أمنية لمشاكل سياسية و أجتماعية. قبل الخوض في تفاصيل من الذي أطلق الطلقة الأولى و من الذي حمل حجراً لابد من الأعتراف أن هذا المجلس هو الذي تسبب في وضع جنود مصريين في مواجهة مواطنين مصريين لأنه ترك المشاكل تكبر وتتعاظم عن عمد أو’سوء’إدارة. نتذكر انه بعد خلع مبارك و عقب أندلاع الثورات في بقية الأقطار العربية كان بعض الناس يشيرون أن الجيش السوري و اليمني لابد أن يتعلما من الجيش المصري أنحيازه للثورة، فأبى المجلس أن يصبح الجيش المصري رمزاً و أختار له أن يتعلم و يقلد مجازر الجيش السوري ونسيت قيادة الجيش أن تنظرا غرباً الى ليبيا لترى نهاية قيادة الجيش التي أستعملت قواتها في قمع الشعب. مما يدعو للحسرة أنه في بعض الدول تتحول الميليشيات إلى جيوش، أما في مصر فجار الأن تحويل الجيش من جيش وطني إلى ميليشيا لتحقيق أهداف أعضاء المجلس العسكري.’لابد من الأعتراف أن مظاهرة 9 أكتوبر و التي أتجهت الى ماسبيرو كانت مظاهرة مسيحية ولكن كان ضمن المتظاهرين كثير من المسلمين. قد يختلف البعض مع صواب أو خطأ تنظيم هذه المظاهرة على هذا النحو في هذا التوقيت، و لكن يصعب على أي منصف ألا يعترف بمشروعية مطالب مسيحيي مصر والتضامن معهم. و يستحيل علي أي مخلوق يتمتع بصفات الأنسانية أن يبرر تعامل جيش نظامي مع متظاهريين مدنيين بهذا للأسلوب الوحشي حتى لو’أساءوا ‘التصرف، ولا أظنهم قد فعلوا’في هذه الواقعة. لابد أن ندرك أن النظام السابق قد نجح خلال الأربعين عام الماضيه’في تحويل مسيحي مصر الى طائفة بعد أن كانوا جزءا لا يتجزء من النسيج الوطني. و لقد راق هذا كثيراً لرأس الكنيسة لأنه أتاح له التحدث بأسم ملايين المسيحيين و المفاوضة بالنيابة عنهم. ولذلك تقهقر أخوتنا المسيحيون إلى داخل أسوار الكنيسة حتى عند مطالبتهم بأشياء لا علاقة لها بمعتقدهم الديني. ثم’رأينا المسيحيين يتحررون من هذه القيود و يتظاهرون خارج أسوار الكنيسة مع أخوتهم المسلمين في أعقاب تفجير كنيسة القديسين في ليلة عيد الميلاد الماضي. ثم رسخوا هذا التحرر و عظموا هذه اللحمة الوطنية الرائعة منذ أندلاع الثورة. و لقد أدرك المجلس العسكري أنه ما كان للثورة ان تنجح لولا حالة الأتحاد التي تولدت في ميدان التحرير و بقية ميادين مصر، و على رأس صور الأتحاد المختلفة كان أتحاد مسلمي و مسيحيي مصر. و حيث أنه أصبح جلياً الأن أن هذا المجلس يعمل على أجهاض الثورة فقد بدأ يعمل جاهداً على أفساد هذه اللحمة. فعلى أقل تقدير’هيأ الأجواء للسماح لأستقطاب ديني غير مسبوق، وبدأ في شحن الناس ضد بعضهم البعض حول أمور عقائدية وسياسية لينشغل الناس بهذه الأشياء و التي لا تعتبر من أولويات المرحلة الحرجة التي نمر بها فينفرد هو في إدارة البلد و’تهيئة المرحلة القادمة لخدمة أهدافه و مطامع فلول نظام مبارك. فبعد أن’هيأ المشهد عن عمد أو نتيجة لتباطؤه و أستعماله حلولا أمنية بدأ التحريض و نشر أكاذيبه عن المتظاهرين عبر آلته الأعلامية العفنة والتي تسمى بالتليفزيون المصري، و مصر منه براء. ظهر مذيعون يدعون المواطنين ‘الشرفاء’ بالنزول الى الشارع و حماية الجيش، في دعوة صريحة لوضع الشعب في مواجهة بعضه البعض.’و أظهرت الأيام اللاحقة كذب ادعاءاتهم’في’هذا الليلة المشؤومة. وبعد بضع أيام على هذه الجريمة’عقد المجلس العسكري مؤتمرا صحفيا حول أحداث ماسبيرو، و تخيل بعض اصحاب النوايا الحسنة أن المجلس سيجيب على تساؤلات كثيرة أعترت’عقل الشارع المصري، ولكن كعادته أفتقد المجلس البوصلة السياسية و عرض تساؤلات أكثر من الإجابات. و أظهرت قيادات المجلس تعاطفاً و تفهماً مستفزاً لتجاوزات أفراد القوات المسلحة في هذه الليلة بحجة ‘تعرضهم لضغط نفسي’ هـــذا التفهم الحنون والذي لم نعهده من المجلس لم يقابله تفهم لبعض تصرفات المتظاهرين الذين رأوا أخوة لهم يدهسون تحت المدرعات. وكأن المجلس يريد أن يقول أن هؤلاء المتظاهرين ليسوا ‘بشراً أو مصريين مثل الجنود الذين يسعى المجلس لتبرير تجاوزاتهم. و تناسى المجلس أن من المفترض أنه يتحدث عن أفراد جيش نظامي وليس اناسا يقفون في لجنة شعبية ليس لهم قيادة و لم يمروا بعملية تدريب و أعداد نفسي و ذهني، فحاول تصويرهم كمجموعة من الهواة التي تتلاعب بهم مشاعرهم. وإذا كانت هذه حقيقة فهي كارثة بكل المقاييس.’صدمنا من رد فعل بعض المصريين و موافقتهم على أو محاولة تبريرهم قتل أنسان بهذه الطريقة الوحشية. بعض هؤلاء حاول أستعمال حقه في التعبير عن رأيه السياسي لنشر سمومه. ولم يلتفتوا إلى أن الموقف الذي نحن بصدده ليس سياسياً و لكنه موضوع متعلق بحقوق الأنسان بأمتياز. وببساطة لا يحق لأي أنسان أو مؤسسة أزهاق روح أنسان آخر بهذا الأسلوب حتى لو أفترضنا أن المجنى عليه مذنب، و إلا صرنا نعيش في غابة. من الممكن أن يقاس تقدم الأنسان و أرتقائه النفسي بمدى مقدرة الفرد على التواصل النفسي وشعوره بآلام الآخرين، بالرغم من بعد المسافة أو عدم وجود معرفة شخصية مسبقة. فالمدافعون عن هذه الجريمة أو الذين يطالبون بتهدئة زائفة على حساب دم الشهداء أنما يفتقدون الأرتقاء النفسي الذي يمكنهم من الأحساس بآلام الأخريين. بالأضافة الى هؤلاء الناس’عديمي الأحساس فهناك بين المصريين مسلمون و مسيحيون متطرفون كثر، و للأسف بينهم من يرتدون ملابس رجال الدين. ورأينا كرههم جلياً لكل من هو مختلف معهم، و كان تحريضهم ضد (الآخر ) مفزعاً. فبعد أن كان أحد هتافات الثورة ‘أرفع رأسك أنت مصري’ سمعنا من حرفها الى ‘أرفع رأسك فوق أنت قبطي’ و ‘أرفع رأسك فوق أنت مسلم’. و لم يدرك كلا الفريقين أنه إذا نجح (و ذلك لن يحدث)في رفع رأسه منفرداً لن يرى من حوله إلا الدمار و من خلفه الخزي و’العار. فمصر لن تكون مصر بعد أستئصال أو أستبعاد أحد أبنائها. ويجب التنويه هنا أن الترجمة الحرفيه لقبطي تعني مصري، فكلنا كمصريين أقباط، سواء’كنا مسيحيين أو مسلمين. ولنعلنها جميعاً و بقوة أن لا خط أحمر أهم من الخط الأحمر الذي يحمي كرامة المواطن المصري، بل سأزيد على ذلك أن أي خطوط أخرى حمراء لابد أن تستمد شرعيتها من قدسية كرامة المواطن المصري. كلمة أخيرة لزم توجيهها إلى المجلس العسكري، نحن جيل عاهدنا أنفسنا و من قبلها مصر أن نحيا بعزة و كرامة، دون الرضوخ لضغوط الداخل أو املاءات الخارج و هكذا سنحيا حياتنا و نبني مصرنا، على أسس العدل و المساواة و المواطنة. وعندما يكتب الله لنا الموت’سنأبى أن نموت إلا’مرفوعي’الرؤوس. فحتى إذا قضينا تحت مدرعاتكم سترتفع أرواحنا الى عنان السماء تعانق المجد و تسكن في صدور و عقول رفاق لنا و أجيال مصرية قادمة ليستكملوا ما عجزنا’عن تحقيقه.” عضو الكلية الملكية البريطانية للأطباء النفسيين’ناشط سياسي و من’مؤسسي مجموعة” مصريون متحدون””ت

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية