عبد الرزاق قيراط يتندّر التونسيّون على أصحاب القنوات الفضائيّة الخاصّة فينعتونهم بعبارة ‘باعث القناة’ تهكّما وسخرية من بعض صنيعهم في سعيهم لخدمة مصالحهم على حساب مصالح المشاهدين، هذا إن بقي لهم مشاهدون.
كانت البداية مع الباعث الأكبر قياسا على عبارة ‘المجاهد الأكبر’ التي أطلقت على الزعيم بورقيبة. إنّه باعث قناة حنبعل الذي زيّن لنفسه أو زيّنوا له بأن ينظّم حملة لشكر ذاته والثناء على أعماله الخيّرة التي شمل بها الفقراء والمنسيّين في ربوع الجمهوريّة التونسيّة، وانطلقت كاميرا حنبعل تجوب البلاد طولا وعرضا لجمع كلّ عبارات المديح لباعث القناة العربي نصرة، استعدادا – ربّما – لنُصرة ترشّحه في انتخابات رئاسيّة قادمة.
وكان موعد الأخبار على قناة حنبعل مخصّصا حصريّا لتغطية أنشطة باعثها وهو يستقبل رؤساء الأحزاب والشخصيّات الوطنيّة ليستعرض معهم ‘الأوضاع التي تعيشها البلاد والمستجدّات على الساحة المحليّة والدوليّة’ كما كانت تفعل القناة سبعة مع الرئيس المخلوع.
ونعلم الآن أنّ الحملة فشلت سريعا بعد أن حوّلها التونسيّون إلى نوادر عادت بالوبال على باعث القناة فجاءته سهام النقد من كلّ حدب وصوب، وتحوّلت شخصيّة الزعيم المنتظر إلى طرفة من طرائف المشهد التونسيّ الجديد، وصارت الجملة المضحكة ‘شكرا لباعث القناة’ مقدّمة وخاتمة لكلّ شيء وعنوان أزمة عاشتها حنبعل وباعثها حتّى أرسل فرق التصوير مجدّدا تستجدي من شكروا الباعث ليحلفوا بأغلظ الأيمان أنّ شكرهم كان من تلقاء أنفسهم وليس بطلب من شخص آخر لغاية في نفسه.
قناة أخرى ولكن باعثها يشرف هو أيضا على حملته باعتباره رئيس العريضة الشعبيّة ورئيس الجمهوريّة التونسيّة بداية من 1 نوفمبر 2011 وهو يؤمن إيمانا قويّا أنّ مرشّحي عريضته سيفوزون بأغلبيّة المقاعد في المجلس التأسيسيّ لينصّبوه بالتالي رئيسا للبلاد في ذلك التاريخ! ويطلّ الباعث ذاك على التونسيين في كلّ ليلة في برنامجه الذي تقوم فكرته على الحوار ولكنّه يفتقد إليه لأنّ باعث القناة ومرشّح العريضة الشعبيّة يحاور نفسه فيسأل ويجيب على امتداد ساعات طويلة دون كلل أو ملل. وصاحب القناة والعريضة الشعبيّة كان شعبيّا حقّا في ملبسه وطريقة عرضه لأفكاره متقرّبا بذلك من الشعب التونسيّ المقدم على انتخابات خلال أيام قليلة. وكان شعبيّا في مضمون وعوده التي مسّت جميع الفئات، فهو عازم على إقرار مجانية العلاج لكل التونسيين ومجانية التنقل لكلّ المتقاعدين وراتبا قارا لكلّ العاطلين. وهو ملتزم بأن لا يهان تونسيّ واحد في المطارات والموانئ على أيدي رجال الشرطة وأعوان الجمارك. والطريف المسلّي في الأمر ليس بالضرورة ما يعلن من تلك الوعود، وإنّما الطريقة التي تقدّم بها، فالسيد صاحب القناة الذي يلعب دور المحاور والمنشّط والضيف في آن واحد يفاجئك بالغناء تارة فيردّد مقاطع من أغنيات تونسيّة أو شرقية، ويمزج في أغلب الأوقات بين الجدّ والهزل أو هكذا يخيّل لمن يشاهده فيلتبس عليه الأمر حين يريد أن يفهم ما يجري أمامه، خاصّة أنّ مقدّم البرنامج الجالس قربه والذي يعمل عنده براتب غالبا ما يتحوّل إلى قطعة ديكور لا حول لها ولا قوّة. أما إذا تكلّم ذلك الصحفي المنشط فللتعبير عن التأييد والولاء لباعث القناة.
ويتكرر المشهد نفسه في كلّ ليلة، لنسمع صاحب القناة متحدّثا عن ثقته الكبيرة في الوصول إلى هدفه. والدليل على تلك الثقة المفرطة أنّه أصبح يذكر التواريخ التي سيتسلّم فيها الحكم من الرئيس المؤقّت فؤاد المبزع بدقّة عجيبة والمواعيد التي سيعطي فيها الأوامر لتحويل وعوده إلى قرارات على الأرض. وقد حوّل تكرار تلك الأقوال حلم باعث القناة في الوصول إلى كرسيّ الرئاسة إلى حقيقة يعيشها ويمارسها في أعجب حملة انتخابيّة يخوضها مرشّح في لندن من أجل الدخول إلى قرطاج!
أمّا العاصفة الحقيقيّة فجاءت من قناة نسمة بعد عرضها لفيلم إيرانيّ بلهجة تونسيّة كان هدفه المبطن التشويش على الحملة الانتخابيّة لتيار بعينه. والرسالة التي قرأها جميع من تابع الفيلم تنبّه التونسيين إلى خطورة أن يمنحوا أصواتهم للإسلاميين عموما لأنّهم سينقلبون على مكاسب المجتمع فيضيّقون على الحرّيات التي يتمتّعون بها في مجالات عدّة تتصل بالملبس والمشرب والعلاقات الجنسيّة خارج إطار الزواج في سيناريو مشابه لما حدث في إٌيران بعد الثورة على حكم الشاه.
لكنّ الفيلم الإيرانيّ أحدث صدمة لدى الكثير من التونسيّين الذين استفزّتهم مشاهد تشخّص الذات الإلاهيّة وتعرّضها لما يشبه التوبيخ من طفلة صغيرة ساءها ما تعيشه من أحداث في طهران.
وقد جلب هذا التعدّي على المقدّس غضبا غير مسبوق على باعث قناة نسمة وخرجت المسيرات المندّدة به وبمن يحيط به من العاملين المحسوبين على تيّار يجاهر أصحابه برفضهم احترام المقدّسات للشعب التونسيّ دفاعا عن حريّة التعبير والابداع. ولأنّ الغضب عمّ أغلب المدن التونسيّة، والأحداث آخذة في التطوّر إلى ما يشبه الفتنة، سارع باعث القناة إلى الاعتذار على موجات راديو المنستير مقرّا بالخطأ الذي ارتكبه ومعبّرا عن احترامه لمقدّسات المسلمين وهو منهم.
إنّه عرض سريع لأزمات تعيشها الفضائيات التونسيّة الخاصّة، أو يعيشها أصحابها وهم يعبّرون عن طموحاتهم السياسيّة. قنوات لم تبلغ ربّما النضج والحرفيّة ولا تعرف معنى الموضوعيّة والحياد وكلّها أدوات لا مفرّ منها لتحقيق النجاح الذي تعمل الصحافة من أجله لا من أجل من بعثها.
كاتب من تونس