رأي القدس هدأت الضجة الاعلامية التي بلغت ذروتها اثناء صفقة تبادل الاسرى بين حركة المقاومة الاسلامية ‘حماس’ والسلطات الاسرائيلية، وتم بمقتضاها الافراج عن حوالى 500 اسير كدفعة اولى مقابل الافراج عن الجندي الاسرائيلي غلعاد شليط، ولكن تداعيات هذه الصفقة ما زالت مستمرة وان بزخم اعلامي اقل.
هناك تطوران لا بد من التوقف عندهما، الاول اعلان عائلة يهودية تقيم في مستوطنة قرب مدينة نابلس في الضفة الغربية عن مكافأة مقدارها 100 الف دولار لمن يقتل اسيرين فلسطينيين جرى الافراج عنهما في صفقة التبادل هذه بادعاء انهما قتلا اثنين من افراد العائلة قبل 13 عاماً. اما التطور الثاني فهو اعلان وزارة الخارجية الامريكية ان حكومة بلادها اعربت لاسرائيل عن قلقها لشمول صفقة التبادل على سجناء فلسطينيين خطرين من ضمن السجناء المفرج عنهم، وانها ابلغت الحكومة الاسرائيلية بمخاوفها في هذا الصدد وابلغتها معارضتها اطلاق سراحهم.
لو ان اسرة فلسطينية عرضت هذه المكافأة لقام العالم الغربي ولم يقعد، ولجرى اتهام الفلسطينيين، والمسلمين جميعاً من خلفهم، بانهم اناس متوحشون متعطشون لسفك الدماء لا يحترمون تعاقداً، ولا يلتزمون باتفاق، ولكن لان هذه الاسرة اسرائيلية، وتقيم في مستوطنة غير شرعية فوق ارض فلسطينية مسروقة، فانها تستطيع ان تفعل ما تشاء، وتعبر عن تعطشها لسفك دماء اسيرين تحررا باتفاق، وجرى ابعاد احدهما الى تركيا والآخر الى قطاع غزة، دون ان يوجه اليها اي لوم او حتى عتب. فهؤلاء مثل حكومتهم فوق كل القوانين والاعراف، اليسوا هم من شعب الله المختار؟
اما ما يثير الصدمة فذلك التصريح الغريب والمستهجن من قبل وزارة الخارجية الامريكية الذي يعترض على اطلاق اسرى ‘خطرين’ في اطار هذه الصفقة، وكأن هؤلاء سينخرطون فور الافراج عنهم في التخطيط لعمليات ارهابية ضد الولايات المتحدة الامريكية ومصالحها في العالم.
الافراج عن جميع الاسرى تم بعد جولات من المفاوضات بين حركة ‘حماس’ والسلطات الاسرائيلية تواصلت طوال خمس سنوات من عمر اختطاف شليط، ومرت بمراحل صعبة، ولا نرى سبباً لمثل هذا القلق الامريكي، اللهم الا اذا كانت الادارة الامريكية الحالية اكثر اسرائيلية من الحكومة الاسرائيلية نفسها.
انه امر معيب ان تتخذ الادارة الديمقراطية الامريكية مواقف مخجلة كهذه، وتخرج بذلك عن كل الاعراف الدولية، وهي التي من المفترض ان تشجع صفقة التبادل هذه وتضغط على الحكومة الاسرائيلية لاتمامها لاعادة الفرحة الى اكثر من الف اسرة فلسطينية حرمت منها لعقود، الى جانب اسرة الجندي الاسرائيلي غلعاد شليط.
اننا لا نستغرب هذا الموقف الامريكي المخجل والمعيب، فعندما يفقد الكونغرس الامريكي اتزانه ويصفق اكثر من ستين مرة وقوفاً لبنيامين نتنياهو في حفلة نفاق سياسي ليس لها مثيل في تاريخه (اي الكونغرس) وعندما يؤكد الرئيس الامريكي باراك اوباما انه سيستخدم حق النقض ‘الفيتو’ ضد طلب الرئيس محمود عباس لعضوية فلسطين في الامم المتحدة، فان علينا ان نتوقع صدور بيان عن وزارة الخارجية الامريكية يعترض على بعض المفرج عنهم في الصفقة المذكورة تماماً وجنباً الى جنب مع الجماعات الاسرائيلية الاكثر تطرفاً في اسرائيل.
هذه ليست امريكا التي جسدت في فترات مشرفة من تاريخها مساندتها لقيم العدالة وحقوق الانسان والانحياز الى المظلومين المحرومين المضطهدين في العالم. كما انها ليست امريكا التي تؤكد ليل نهار انها زعيمة للعالم الحر. فأي زعامة هذه التي تحرص ان تكون اكثر اسرائيلية من الاسرائيليين، وتزدحم سجونها باكثر من ثمانية آلاف معتقل وتحتل اراضي عربية، وتفرض حصاراً على مليون ونصف المليون فلسطيني، وتقتل مليون عراقي في غزو غير شرعي قائم على اكاذيب تحت عنوان الديمقراطية والحريات.