‘سيذكر التاريخ دوماً أن ثورة 25 يناير ثورة مصرية خالدة، طهرت مصر من مشروع إستعماري محلي الصنع، كان من شأنه أن يحول مصر من جمهورية إلى مملكة يتوارثها آل مبارك، ويعاونهم في ذلك قلة من الفاسدين والمنافقين واللصوص، لكنه ـ أي التاريخ ـ سيذكر أيضا على صفحاته أن ثمة فلولا للنظام ظلوا في ضلالهم القديم يريدون عودة الظلم والقمع والفساد، وحتى كتابة هذه السطور ما زالت محاولاتهم مستمرة لإغتيال الثورة وتشويه صورتها’. عندما خرج الشباب في 25 يناير إلى ميدان التحرير، كانت النظرة الغالبة لهم، سواء من الاجهزة الامنية أو بعض فئات الشعب بأنها ستكون مجرد تظاهرة بها هتافات وشعارات تطالب بمزيد من الحرية وعودة الحقوق المسلوبة، وربما إشادة بثورة الياسمين في تونس، ثم يعودون إلى بيوتهم بعد عملية قمع سريعة بقوات الأمن المركزي، حينها لم يكن أحد في مصر يتصور أن الامر سيتحول إلى ثورة تطول رأس النظام وتسقطه، لينتهي عهد من الفساد والظلم والقمع، لم يكن لينتهي لولا تلك الثورة المجيدة، توالت الأحداث بشكل متسارع، وسيتعذر سردها في هذه المقالة، لكن دعنا نتحدث عن الأحداث في وقتها الراهن وما نعيشه هذه الأيام، صحيح أن المليونيات تلاقي أحياناً نقدا من بعض الاحزاب والائتلافات، لكن لا يجب إنكار أنها كانت ذات فضل تمثل في كونها ورقة ضغط لتغيير حكومة شفيق التي لم يكن راضياً عنها غالبية الشعب، أيضا في جلب حسني مبارك إلى القفص ليحظى بمحاكمة مدنية أمام القضاء العادي، والتي نرجو من الله ان تكون محاكمة عادلة حتى النهاية، في رأيي فإن إيجابياتها أكثر من سلبياتها، لكن وجود من يندسون داخل الجموع في الميدان وغيرها من التجمعات الجماهيرية هم من يخربون ويشوهون صورة الثورة بأكملها، ويجب على من ينتقدون المظاهرات الفئوية أن يميزوا بينها وبين المليونيات الجماهيرية التي تطالب بأهداف الثورة وضرورة تحقيقها وتعديل مسار الثورة كلما إنحرف عن المسار المرسوم الذي يأمله الشعب.
أتعجب من بعض المسؤولين الذين دفع الميدان بأسمائهم ووضعهم الثوار في مناصبهم يطالبون الان بالتخلي عن بعض الاهداف التي طالبت الثورة بها وسعى الثوار من أجلها، وأُزهقت أرواح طاهرة في سبيلها، وللعلم فإن كل المطالب مشروعة وكلها قابلة للتحقق فهي ليست مستحيلة، أتعجب من فلول النظام القديم كونهم ما زالوا باقين في مناصبهم الحساسة ويدّعون من الحين للآخر فضلهم على الثورة! يحزنني أن نعود إلى النظام القديم تدريجياً، بل انني قد بدأت أشعر بأن شيئاً لم يتغير من الأساس، نفس الفكر القديم في الإدارة ونفس طريقة التعامل مع المواطن، بل وإزداد الأمر ليصل إلى حد معاقبة المواطنين على ما قاموا به من ثورة، فعبارة ‘إبقوا خلوا الثورة تنفعكم..’ بدأت تكرر كثيراً ممن أثّرت الثورة عليهم سلباً كونهم كانوا ينعمون في ظل الفساد السابق، ويتمتعون بإمتيازات جائرة في ظل حكم الحزب الوطني المنحل، لا أستاء من تلك العبارة بقدر ما أحزن من عبارة ‘حالنا قبل الثورة كان أحسن، يا ريت الثورة لم تحدث.. ‘، كيف؟! هل الظلم والقمع والفساد والتزوير والمعتقلات والتعذيب أفضل؟ هل الكذب والتدليس والنفاق وسرقة خيرات البلد أحسن؟ هل منا من كان يشعر بأنه مواطن حقيقي ذو كرامة محفوظة وحقوق مصانة؟ بل هل منا من كان يشعر بأنه كان يعيش في بلده وليس في بلد الحكومة وأسرة مبارك؟
هذه الكلمات في عهدة التاريخ لتقرأها الاجيال بعد 30 عاما أخرى، أي كمدة مماثلة لتلك التي حكم فيها مبارك مصر: إن ثورة 25 يناير لا تقل شأناً عن الثورات التي حدثت على مر تاريخ الدولة المصرية، بل هي أعظم.. كونها خلصت البلاد من إستعمار محلي كان من شأنه ان يحول الجمهورية إلى مملكة يتوارثها آل مبارك ويعاونهم في حكمها الفاسدون والمنافقون واللصوص، مبارك ليس الأب كما ظل الإعلام الرسمي أو حتى المستقل المحسوب على الحزب الوطنى البائد، فالأب يحافظ على مصلحة أبنائه ويضحي بكل شيء في سبيل إسعادهم، وهو ليس بطل أكتوبر الأوحد بل إن كل مصرى فقط الأب أو الأخ أو الابن أكثر بطولة ورجولة منه، فمبارك قد عاش ليحصد الأوسمة والمناصب التي ضحى من أجلها أبطال آخرون، حتى الدماء التي سالت والأرواح التي أُزهقت من أجل تحرير دول عربية أخرى لم يتذكر أبناء تلك الدول من استشهدوا من أبناء الشعب في سبيل تحريرهم وأظهروا التعاطف مع مبارك وكأنه هو من ذهب لتحريرهم! كل مدرسة أو مستشفى أو بناء هو من إنجاز سواعد مصرية حرة عمّرت وشيّدت من أجل هذا الوطن، كل جنيه تم صرفه في البناء هو من خيرات وموارد هذا الوطن وليس من مال مبارك الخاص، مبارك ليس أبانا.. فالمصري الذي يقف بالساعات في طوابير الخبز وطوابير انابيب البوتغاز ليس لهم أب يقضي معظم وقته على سواحل شرم الشيخ! عاشت مصر عظيمة بأبنائها، وعاشت ثورة يناير تلك الثورة الشعبية التي شارك فيها غالبية الشعب إلا أن قلة من الفلول ظلت على ضلالها القديم، تأمل في أن يعود الفساد والظلم، وحتى كتابة هذه السطور مازالت محاولاتهم مستمرة لإغتيال الثورة وتشويه صورتها.
أحمد مصطفى الغــر