هل يمكن أن تُقرأ من منظور أن الخليجيين ‘أقليات في مجتمعاتهم؟’: ما سبب سوداوية المسلسلات الخليجية المتلفزية؟

حجم الخط
0

أ. د. علي الهيل يسأل كثيرون في استغراب شديد ويتساءل آخرون في حيرة أشد من نقاد ومشاهدين عاديين خارج الخليج العربي وبالتحديد في البلدان العربية الأخرى بصورة متكررة يجعلها تشكل ظاهرة سوسيودرامية متلفزة عن سر كثافة الحزن الأسود والسوسيوتراجيديا والبكاء والعويل والصراخ والألم وفلتان الأعصاب في المسلسلات الخليجية.

ويبدو أنهم لا يستطيعون أن يحددوا بالضبط من أين يأتي الخليجيون بكل هذا الكم الهائل من الأسى الممزوج بالإحباط والإسقاط والقهر وخيبات الأمل رغم أن فِرَقَ العمل في المسلسلات الخليجية تتكون من أفراد خليجيين مقارنة بغيرهم في مجتمعات عربية أخرى يحيون في رغد من العيش كمعظم أهل الخليج طبعا مع وجود إختلافات ديمُغْإقتصادية لا بد من الإقرار بها وهي طبيعية ربما تبعاً للسياسات الإقتصادية والإعاشية والتوظيفية ودرجة اهتمام الحُكْم أو الحكومة بالمواطن ودرجة إشراك الحكومة المواطن بشكل أو بآخر في الإستفادة من إقتصادات الدولة ومن سلعها الإستراتيجية وتأتي على رأسها الغاز والنفط وهي مناحٍ تتفاوت فيها حكومات دول الخليج العربي وأحيانا يكون التفاوت واسعا لعوامل كثيرة؟ وتلكمُ حقيقة تِليدْرامية واضحة. فإن كل مسلسل خليجي أُنتج وتُلفز حتى الآن من غير أن نجد إستثناء واحداً يمكن أنْ يخرجه عن القاعدة النمطية أو لنقل عن التنميط التراجيدي المبالَغِ فيه بتعسف ملفت للنظر والإنتباه إلا وكانت حجوم كميات التراجيديا فيه أكبر بكثير من سابقه وما تلاه أو ما سيتلوه من مسلسلات من السهل كثيراً أن تتوقع فيه النمط نفسه والذي كثيرا ما ينظر إليه المشاهدون الخليجيون على أنه ممجوج ومكرور ويبعث برسائل خاطئة عن الأسرة الخليجية باعتبار أن ثمة نظرية تذهب إلى أن العمل الفني كالمسلسل المتلفز يمكن أن يُعتمد من قِبَلِ الخارج أو الأجانب على أنه مرآة صادقة أو تقريبية لحالة مجتمع ما. وفي الحالة الخليجية حتما المسلسلات الخليجية المتلفزة كما هي عليه الآن ودائماً مشوهة بل ومحطمة لواقع الأسرة الخليجية ونتيجة لذلك يتشعب السؤال ويمتد التساؤل إلى ‘هل أنَّ قصص المسلسلات الخليجية وسيناريوهاتها (خططها) تعبر عن ما يدور في البيت الخليجي وتعكس أحوال الأسرة الخليجية وكأن الأسرة الخليجية لا عمل لديها سوى أن تصرخ وتعول وتبكي وتصب الدموع وتعيش في نَكَدِ الدنيا والدنيا بكل نعيمها لديها أو على الأقل لدى معظم الأسر الخليجية؟’. وعندما بحثت في أجوبة كُتَّاب القصص والسيناريوهات والمنتجين والمخرجين والممثلات والممثلين، لم أقتنع بشكل كافٍ بتفسيراتهم والتي تكاد جميعها تُجمع على أنَّ إذا أردتَّ لمسلسلك ان ينجح فعليك بحشوه بجرعات كبيرة من البكاء والعويل، بل وذكر بعضهم أن الكثير من محطات التلفزة الخليجية تشترط السوداوية والتراجيديا العالية في درامية المسلسل ومثال على ذلك (الممثل والفنان السعودي المقيم في الكويت إبراهيم الحربي في مقابلة مع تليفزيون قطر خلال شهر تموز / يوليو). والخلاصة أن تفسيري السوسيوتحليلي هو قد يُعزى إلى كوْنِ العاملين في المسلسلات الخليجية جزءاً من الأقليات الخليجية في عُقر مجتمعاتها، ولأن ذلك كذلك وهو بلا ارتياب دقيق وصحيح في المطلق فإن الزلة ‘الفْرويْدية’ (وهو أن تُظهر بعفوية أمرا تحبُّ أن تبديَهُ غير أنك تحرص على إخفائه لسبب ما أو لأسباب) لدى القيِّمين والقائمين على إنتاج المسلسلات يمكن أن تكون وراء طبيعتها المُغْربَة في السوداوية أو ‘العقل الباطن’ إفتراضا هو الذي يُحتمل أو يُرجح ربما أن يكون الكاتب الحقيقي للمسلسلات الخليجية، فالبكاء والصراخ والعويل وكل أشكال التراجيديا المكثفة هي في الواقع صرخات إحتجاج على شتى صور الغزو الثقافي غير المتجانس بل المتضارب إلى حد الإرتطام ورفض ليس بالضرورة للأكثريات الوافدة من كل حدب وصوب وإنما وفقا للملاحظة العلمية الإمبيريقية الواقعية لأخلاقيات كثير من الوافدين والتي يُنظرُ إليها على أنها ‘منحرفة أو غير لائقة على أقل تقدير’ من منظور ثقافة الخليجيين وطريقة تفكيرهم المحافظة والقائمة في كثير من جوانبها على قيم الدين الإسلامي وأنها بالتالي يمكن أن تشكل تهديداً على المدى البعيد إن لم يكن على المدى المنظور والآني لبقائهم الإجتماعي والديني والسياسي والإقتصادي والجغرافي ولبُنيتهم الثقافية بشكل عام. وبصرف النظر عن أوجه الإتفاق أو الإختلاف حول مثل هذا الطرح وإن لم يصرح به أهل المسلسلات ربما توجساً من أن يُتهموا بالعنصرية أو بمعاداة الآخر فإن ذلك لا شك يمكن أن يُعتبر قلقا مشروعاً وجديراً بأنْ تُعنى به وهذا هو المأمول الجهات ذات الصلة في مجتمعات الخليج العربي آحاديا أو جمعيا من خلال آليات ‘مجلس التعاون لدول الخليج العربي’ حتى لا تتفاقم الظاهرة وتتحول ربما إلى معضلة أو إشكالية يصعب محاصرتها والخروج من تشابكاتها. *أكاديمي وكاتب قطري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية