عواصم ـ وكالات: اعرب المسؤول الثاني في المجلس الوطني الانتقالي الليبي محمود جبريل مساء الاربعاء في طرابلس عن مخاوفه من ‘فوضى’ قد تنتج من ‘معركة سياسية’ شرسة.
وقال جبريل ‘بطبيعة الحال، ننتقل من مرحلة الثورة الى مرحلة الدولة ونتوافق على نظام سياسي قائم على دستور واضح. ما حصل اننا نتجه الى معركة سياسية لم تحدد قواعدها’. وكرر ‘اننا انتقلنا من معركة وطنية الى معركة سياسية كان ينبغي الا تحصل قبل التاسيس للدولة’. ونبه جبريل الى ان ‘احد السيناريوات المرعبة هو ان ننتقل من حرب وطنية الى الفوضى’. وتبرز مخاوف في ليبيا ما بعد معمر القذافي على خلفية تنازع محتمل على السلطة بين القبائل والمناطق وبين الاسلاميين والليبراليين. واعرب جبريل عن امله مجددا بمغادرة منصبه والتفرغ لـ’تطوير المجتمع المدني في ليبيا على قواعد صلبة’. واوضح ان ‘المعركة السياسية تتطلب مالا وسلطة وتنظيما واسلحة، وانا لا املك شيئا من كل ذلك’، مؤكدا انه لم يعد قادرا ‘على تقديم اي شيء الى الشعب الليبي’. الى ذلك تعرض زعماء ليبيا الانتقاليون لانتقاد متزايد من مقاتلين يتهمونهم بعدم بذل الجهد الكافي من أجل جرحاهم الذين يلفظون أنفاسهم متأثرين بجروح كان يمكن مداواتها في الميدان أو يعانون في المستشفيات المكتظة.
وتزيد قضية جرحى الحرب الذين تقدر أعدادهم بعشرات الآلاف من التحديات التي تواجه المجلس الوطني الانتقالي بينما يحاول إعادة النظام بعد الانتفاضة التي أطاحت بالزعيم المخلوع معمر القذافي.
وأمام مستشفى الجلاء في مدينة بنغازي بشرق البلاد تجمع العشرات في اليوم الثالث من احتجاج على طريقة تعامل المجلس الوطني الانتقالي مع المقاتلين بقيادة حمزة سعد محمد (28 عاما) الذي أصيب بطلق ناري في فخذه ويقول إنه يحتاج إلى علاج طبي معقد في الخارج.
وقال محمد وهو يجلس على كرسيه المتحرك وكان يتدثر بالعلم الليبي الجديد ويحيط به بعض من الجرحى والأطفال الذين يحتجون ‘إنهم يتاجرون بدمائنا… لديهم سيارات فارهة ومنازل فاخرة بينما نعاني نحن’. وأضاف ‘أمضينا ست ساعات دون مضادات حيوية لدى وصولنا إلى هنا. يساعدنا طلبة الطب المتطوعين وهم يقومون بمهمة رائعة… لكن ماذا عن المجلس الوطني الانتقالي؟’ويقول مقاتلون آخرون إنه في حين أن الجمعيات الخيرية تقدم المساعدة للجرحى وأسر القتلى فإن المجلس الوطني الانتقالي لا يتحرك بالسرعة الكافية لمساعدة الكثير من الجرحى.
وقال جريح من المقاتلين طلب عدم نشر اسمه إنه لو كان المقاتلون في الجبهة يعرفون كيف يعامل الجرحى لكانوا سيفكرون أكثر من مرة قبل الانضمام للهجوم على مدينة سرت المعقل الاخير للقذافي.
وزاد الأمور تعقيدا رغبة متزايدة من الكثيرين للعلاج في أوروبا مما أدى إلى تولد المرارة لاعتقادهم أن المجلس الوطني الانتقالي يملك المال الوفير بعد الإفراج عن أرصدة في دول أجنبية وهو ما ينفيه زعماء ليبيا.
وحاول عبد الحفيظ غوقة نائب رئيس المجلس الوطني الانتقالي يوم الثلاثاء تهدئة المشاعر في اجتماع محتدم مع ممثلين من الوحدات الميدانية وقال إنه يبذل قصارى جهده في وضع غاية في التعقيد بينما تتزايد أعداد الجرحى بالعشرات يوميا.
وقال بعد أن تكالب عليه جرحى المقاتلين وفشل في إقناع محمد بإلغاء احتجاجه إن المجلس يعرض عليهم جميعا فرصة السفر للخارج لكن طبقا للأولوية وإن طبيعة الإصابة ذاتها هي المؤشر الوحيد الذي يجعل الأطباء يقررون إرسالهم للخارج.
وفي مؤشر على أهمية هذه القضية أوفد المجلس الوطني الانتقالي فرقا طبية اجنبية من بنغازي إلى سرت لإقامة مستشفى ميداني بعد أن شكا مقاتلون في الميدان من عدم وجود مستشفى واستمع مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي لشكاواهم خلال اجتماع لرابطة للمقاتلين.
وقال عضو في فريق إغاثة يتكون من أكثر من عشرة أفراد توجه إلى سرت وطلب عدم نشر اسمه ‘الكثير في الجبهة إما ينقلون إلى بيوتهم أو إلى المستشفى قبل إسعاف الحالة ويلقون حتفهم بسبب الصدمة…. نحتاج إلى إقامة مركز لفرز الجرحى’ لتحديد أي الحالات التي لها أولوية.
وتمثل طريقة تعامل المجلس الوطني الانتقالي مع الجرحى اختبارا حقيقيا للمجلس.
وقال ناصر الدين أبو كتف وهو أستاذ للعلوم السياسية ويعمل مع المجلس الوطني الانتقالي إن هناك الكثير من المطالب من الجرحى وأسر القتلى. لكنه اضاف أن هناك قدرا هائلا من الافتقار للخبرة السياسية في البلاد وفي بعض الأحيان يتولد لدى الناس توقعات غير واقعية.
ومضى يقول إنه في حالة عدم تعامل المجلس الوطني الانتقالي بسرعة كافية فربما تتحول إلى مشكلة خطيرة نظرا لأن المقاتلين تعلموا طريقة واحدة فقط لحل المشكلات.
وفي الوقت ذاته وفي عنبر ممتليء بأسر الجرحى في مستشفى الجلاء رقد الطالب فؤاد عبد الكريم البالغ من العمر 23 عاما مصابا بحمى بعد إصابته بطلق ناري في 17 شباط (فبراير) وهو يوم له أهمية رمزية في الانتفاضة الليبية نظرا لأنها كانت المرة الأولى التي تطلق فيها قوات القذافي النار على حشود المحتجين.
ومضى يقول وهو يكشف الندوب التي تمتد بطول ساقه المتورمة ‘دفعت أسرتي 13 ألف دولار مقابل العلاج في مصر وتونس… هناك تلف لحق بالعصب وعدوى فيروسية معقدة للغاية لا يمكن علاجها في الأردن أو تركيا.. أريد الذهاب إلى المانيا’.(رويترز)