في وصف حالة رعب خلقها التلفزيون: كيف تتعرف الى البلطجية وتميزهم عن الناشطين؟

حجم الخط
0

راجي بطحيش

لن أغفر للتلفزيون الرسمي بجميع قنواته وكذلك هالة سرحان وبرنامجها ‘ناس بوك’ الذي لا أعرف كيف أوصفه.. أو تحت أي فئة تلفزيونية أدرجه… وهل هنالك ‘جانر’ تلفزيوني في العالم يندرج تحت فئة ‘البرامج الحوارية السادية – المازوشية’. ما علينا سوف أخصص لهذا ‘الشيء’ المثير والفضائحي وليس بالضرورة أنه سلبي والذي يسمى ‘ناس بوك’ زاوية مستقبلية كاملة وشاملة وأكثر… لن اغفر لهؤلاء لأنهم مارسوا الترهيب النفسي على المشاهدين وإثارة الفزع مما جعلني ألغي زيارتي التي أخطط لها منذ أشهر إلى القاهرة واترقبها لحظة بلحظة وخاصة أنني أنتظر تلك البرهة التاريخية التي سأستقل فيها سيارة أجرة من المطار… حيث ستدخل سيارة الأجرة القاهرة من الجهة الشمالية الشرقية دون أن تستقبلك صورة عملاقة لحسني مبارك بنظارات شمسية وشعر ممعن بالسواد والتفحم مع مرور الزمن… ولكن الإرهاب الفضائي الذي مارسته القنوات الرسمية وبرامج الدردشة اللامتناهية… التي كانت تكرر وبصورة فاضحة للغاية حقيقة أن أي نعم أزيلت صور مبارك من الشوارع التي تمتد من المطار إلى منطقة وسط والبلد وبالفعل لن تجد صورة مبارك وأنت داخل إلى نفق الأزهر ولكنك ستجد عشرات القناصة على أسطح البنايات كما سيوقفك البلطجية وفلول النظام وأنت تتسكع لوحدك أو أنت ورفاقك في شوارع مصر الحبيبة… لقد كنت أتابع برنامج هالة سرحان بشكل شبه يومي هذا الأسبوع وفي كل حلقة كانت تبث الرعب والهلع وتشدد على غياب الأمن في الشوارع وعلى انتشار البلطجية وتوقيفهم للناس… اختلقت في الشهر الماضي جميع الأسباب لأبرر فيها نيتي زيارة مصر في إجازة العرش القصرية. كانت أولى الحجج وأسخفها على الإطلاق هي سعيي لاستخراج شهادة وفاة وأوراق ثبوتية لعمي الذي كان يعيش في القاهرة وتوفي في ظروف طارئة قبل عشر سنوات (يمكن استخراج هذه الوثائق عبر السفارة الفلسطينية بالقاهرة). أما الحجة الثانية فكانت محاولة تنظيم توقيع لكتابي الأخير ‘بر- حيرة بحر’ من قبل بعض الأصدقاء القاهريين من الحقل الأدبي. أمّا الحجة الثالثة فكانت رغبتي بكتابة مجموعة نصوص عن مصر ما بعد الثورة من خلال شخصيات كنت أنوي مقابلتها ومحاورتها من وجهة نظر شخصية حول السينما المستقلة، والموسيقى والشعر والمثلية وغيرها.

كل هذه الحجج كانت واهية وغير مقنعة على الأقل بالنسبة لي أو بالأساس بالنسبة لي، خاصة أنني كنت سأسافر وحدي وأقيم وحدي في أحد الفنادق. فقبل زيارة القاهرة لا حاجة لتخطيط أي شيءô تتناسل الأمور وحدها.. هكذاô وأحيانا تتغير كل المخططات ولا يحدث شيء بمجرد أن يتعثر الشخص في أزمة سير على كوبري 6 اكتوبر في طريقه من وسط البلد لمنطقة مصر الجديدة أو بالعكس. كل الحجج إذا منطقية وقابلة للحدوث ولكنها قد لا تحدث أيضا. أما السبب والذي أكشفه بعد فوات الأوان أن رغبتي كانت بزيارة القاهرة والتواجد هناكô ببساطة هكذا. فالقاهرة هي مدينة شبابي بامتياز؛ فحيفا والقدس وتل ابيب – يافا كانت تبدو كالقرى الصغيرة والفقيرة بعد كل مكوث في القاهرة لزيارة دار عمي والفرار من الفندق والتسكع في الشوارع وخوض المغامرات التي يتضح بأثر رجعي أنها خطيرة جدا. ولكنه الإحساس بالألفة والأمان والبيت في المدينة التي كان دفء حضنها يذوب كل خوف ورهبة.

عندما حصلت أحداث السفارة الإسرائيلية كنت بصدد تقديم طلب الحصول على فيزا ووجدتني أحوم بالسيارة حول مقرّ السّفارة المصرية في شارع بازل في تل أبيب مستثقلا الذهاب مباشرة وتقديم استمارة الطلب، ولكنني لم أجد في جميع المرات مكانا أوقف فيه عربتي (حجة أخرى) أو أنني لم أرد خيانة رغبة الثورة في قطع العلاقات الإسرائيلية المصرية. فسلمت جوازي لمكتب سياحة نصراوي وحصلت على الفيزا بسهولة مريبة شجعتني على السفر. وبما أننا كبشر نسعى دائما لتجميد علاقتنا بالأماكن وحفظها كما يناسبنا ويحلو لنا فقد جاءت أحداث ماسبيرو المؤلمة في 9 أكتوبر لتزرع الهلع في بدني قبل أسبوع تمامًا من موعد السفر. الهلع والوساوس والسيناريوهات المرعبة. خفت (ويا لأنانيتي) من أن تتحول مشاعر الأمان والألفة والبيت لمشاعر ريبة وخوف ورغبة بالهروب وبالتالي ذكرىôوقد غذى الترويج الفضائي للفوضى وخاصة في أعقاب أحداث ماسبيرو ذلك الهلع المتنامي وخاصة انني أب تجاوز الأربعين… ماذا لو أوقفني أحدهم في الشارع وطلب مني جواز سفري واكتشف الجواز الإسرائيليô كيف سأتجول بالجواز الإسرائيلي وسط هذه الظروف وهذه السجالات؟ وكيف سأميز فلول الوطني من الناشطين الحقيقيين؟ وما موقفي مما يحدث؟ لم أعد أعرفô وهل يمكنني أن أصرح بسهولة في جلسات المثقفين كما لسائق التاكسي أنني غير مقتنع بالنضال على أساس طائفي وأن الإنسان بفطرته وبغايته ليس كائنا دينيا فقط واحتجاج الأقباط يجب أن يكون جزءا من النضال الوطني المصري الشامل من أجل الحياة الكريمة والكرامة والحرية أولا وأخيرا ووجودهم لا يُختزل ببناء أو هدم مبان مقدسة إفتراضيا لا تساهم بشيء في رفاهية الفرد. وماذا لو احتد النقاش بيني وبين أحدهم وقرّر متكرما انني لست فلسطينيا بل إسرائيلي لأجد نفسي منبوذا في أحسن الأحوال في مدينة شبابي أنتظر موعد الطائرة المغادرة إلى تل أبيب قرب قبر عمي.

ولكني لم أُلغِ رحلتي إلا عندما اتصل بي محامي العائلة ليبلغني أنّ موضوع الوثائق غير مُلحّ وهو يحتمل شهرًا إضافيًا وتلك بحق حجّة قوية. ولكنني بحق وكغيري من بعض السياح المزمنين لمصر يبدو انني وقعت ضحية خدعة إعلامية ترهيبية كانت تخدم أكثر ما تخدم مقولة مبارك ‘إما أنا أو الفوضى’ وكأن البلطجية سيكونون بانتظار الزوار في مطار القاهرة وتحديدا في قاعة الوصول برفقة سواطيرهم وقنابل المولوتوف…. ومع ذلك فما أسهل توزيع الإتهامات عبثا وخاصة بعد تثبيت إلغاء السفر.. أما لماذا ‘لن اغفر’ .. لأنني شاهدت في برنامج الإعلامي الرائع يسري فودة ‘آخر كلام’ على القناة المشرقة on-tv ما يشبه التأكيد أن بدعة البلطجية هي أختراع خبيث من الإعلام الرسمي في إطار الثورات المضادة وتعطيل الإنتخابات وان الأمر لا يتعدى أعمال الزعرنة والإجرام الذي ينتشر في كل الدول غير الرهينة في أيدي الأذرع الأمنيةالجندي الأشهركما كان متوقعا ويا للملل القاتل فقد غطت التلفزة الإسرائيلية إطلاق سراح ‘جلعاد شاليط’ الجندي الأشهر في إسرائيل والنجم القادم لتلفزيون الواقع، بشكل كثيف يصل حد الإكراه، وبشكل أحادي جدا حيث يقف جلعاد البريء والنحيل مقابل ألف وأكثر من القتلة و’المخربين ‘ الذين لا أسماء لهم ولا ملامح… وجاء الخطاب التلفزيوني الإسرائيلي موحدا وغبيا غلى أبعد الحدود كما حاول الإعلام تسويق وهم ‘شعب إسرائيل الواحد والمتجانس يعانق جلعاد شاليط’ .. وهكذا جلعاد جاء وجلعاد خرج وجلعاد ابتسم وجلعاد سعل وجلعاد دخل إلى الحمام… ولكن الأمر الذي كان بحق يهز الأعصاب ويثير المشاعر العدوانية أكثر وأكثر هو الحرص الدؤوب من قبل المقدمين والمعلقين وخاصة في القناة العاشرة ‘الليبرالية’ في التشديد على التفوق الأخلاقي لإسرائيل على محيطها المعادي و ‘الغرائزي’ التي وجدت نفسها في وسطه صدفة.

كاتب من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية