هل سينتقل الجرب العراقي الى ليبيا؟

حجم الخط
0

حالة ‘التحرير’ الاجرب التي اصابت العراق جعلته منبوذا في وسط اشد ما يخشاه الاصابة بالامراض الوبائية، فالجرب الذي اجتاح العراق لم يفتك بالطبقة الجلدية التي تسطح الاعمدة الاقتصادية والادارية والعسكرية والقانونية والسياسية والاجتماعية والثقافية والنفسية للدولة العراقية، وانما امتد عميقا فيها كمحاولة منه للنفاذ الى النخاع القيمي للشخصية العراقية التي تشربت ملامحها عبر نسيج تاريخي ومعرفي يمتد لحقب سحيقة، فلم يكن الغزو والاحتلال مجرد مرورعابر على بلاد عصية، ولا حملة عسكرية لاسقاط نظام حكم كان مصدر ازعاج لاصحاب الشأن، انه محاولة لتوطين منظومة قيمية بديلة تقصي الوطنية العراقية الى الابد، لتحل محلها قيم التشرذم الدونية وبأثر رجعي يشوه الماضي بكل مافيه، لصالح حاضر بغيض ومصير هابط لايمكنه المثول الا بكفالة ووصاية القوة الخارجية المارقة!

عندما بزغ ربيع الثورات العربية من تونس ومصر، اصاب خدم الاحتلال في العراق شيء من الحرج الجارح، لان ذريعة استحالة التغيير من الداخل قد تهافتت امام اصرار الوطنيين والاحرار في ساحات التحرير والتغيير، الذين كانوا وهم يواجهون قمع السلطات يهتفون ضد اي تدخل عسكري اجنبي، فلم يتسكع طلاب الحرية امام ابواب وساحات البنتاغون والسي اي اية، تكسبا وارتزاقا وتأليبا على اوطانهم كما كان يفعل خدم الاحتلال في العراق، فالثوار يتمسكون دائما بسلاح التمييز بين الحاكم والوطن، لقد تأمل ازلام الاحتلال الامريكي بفشل ذريع لتلك الثورات، كي يثبتوا لانفسهم بانهم كانوا على صواب حينما سلموا انفسهم لارادة المحتل، الذي لولاه لما حلوا هم محل النظام المجتث، ولما لم يحصل ما تمنوه ادعوا وبصلفهم المعهود، بان هذا الربيع العربي قد جاء بتأثير تيار التحرير العراقي!

تصوروا عراق بريمر وبلاك ووتر وعراق ابوغريب والفلوجة، العراق المعوق والى الابد باشعاعات اليورانيوم المنضب، عراق الانهيار والدمار، هو فنار للربيع العربي، اي مغالطة تلك التي يسوقها خدم الاحتلال الامريكي في العراق المنكوب؟

عندما بدأ الحراك الشعبي في بنغازي وطرابلس كان الامر متسقا مع نسق ذلك الربيع المشع من خدي حدود الشرق والغرب الليبي، وبعد ان انحرفت الامور الى تدخل الناتو بقرار دولي لحماية المدنيين، هلهلت قلوب حكام المنطقة الخضراء، وكأن لسان حالهم يقول: الان تساوت الرؤوس، جائنا مع الامريكان لحكم العراق، والناتو سيجيء بثوار ليبيا لدست السلطة فيها، وكلا الامرين، تحرير وتغيير وتثوير!! ما يؤكد هذا الشعور وهذا المنحى عند حكام المنطقة الخضراء، هو كلام المالكي اثناء استقباله لاحمد جبريل رئيس المكتب التنفيذي للمجلس الوطني الانتقالي الليبي حيث قال: ان العراق يعلن تأييده للتغيير في ليبيا، ويعرض عليها تجربته في بناء الدولة، خاصة وان البلدين قد عاشا ظروفا متشابهة.

ليس العتب هنا على المالكي فهو بحاجة ماسة لمثل هذا الخلط بالمنطلقات والتبعات، لانه يصب بخانة تطبيع الوضع العراقي المنبوذ، والتغطية على حالته المزرية، انما العتب كل العتب على السيد احمد جبريل لانه بحاجة لشهادة غير مجروحة، بحاجة لدعم من دول كاملة السيادة، بحاجة لاسناد من حكومات ناجحة في مهامها، بحاجة لدعم من دول مستقرة وغير مفخخة في دستورها واجراءاتها، دول غير مرشحة للانفلاق والتقسيم، حكومات مشهود لحكامها بالنزاهة، وليس الفساد الذي حطمت ارقامه القياسية كل المقاييس، كنا نأمل ان يبتعد مغتربوا الثورة الليبية، عن شبهة الشبه مع الجماعة العراقية اياها، والتي اصبحت ذراعا للاحتلال الامريكي، ما ورد من كلمات متبادلة في زيارة السيد جبريل لبغداد المحتلة المختلة، يبعث على الاعتقاد، الملتبس، بان شبيه الشيء منجذب اليه!

للتغيير في ليبيا سماته التي تختلف جذريا عن التدمير الذي حصل في العراق، ومن الحكمة والوفاء ان يتجذر التغيير الليبي بمنأى عن اي اقتران بالتلوث الاحتلالي في العراق، فتدخل الناتو ليس احتلالا، وليس اجتثاثا، وليس تقسيما للبلاد، ولا يجب ان يكون اكثر من دعم دولي لثورة عزلاء، والعبرة ستكون حتما بالنتائج، لان الشعب الليبي وقواه الحية قادرة على التمييز بين الحالتين، وقادرة ايضا على عدم اتاحة الفرصة لجعل ثمن تدخل الناتو وسيلة لابتزاز التغيير الحاصل في ليبيا، شعب عمر المختار كشقيقه الشعب العراقي، سيرفض حتما وبقوة بان يكون ثمن انعتاقه من الاستبداد، هو تقبله لحالة الجرب الاحتلالي. جمال محمد تقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية