مطاع صفدي
قد تعرف الثورة كيف تبدأ، لكنها لن تتنبأ كيف ستنتهي. والعرب يعيشون اليوم عصر الثورة، وإن لم يكونوا جميعاً منخرطين في أفعالها. لكن أية ملاحظة موضوعية يمكنها الجزم أن شبيبة العرب متلهفون للأيام العظيمة التي ستغير حياتهم الرتيبة الخاملة. فالمراكز المتحركة من الخارطة الصحراوية الهائلة أصبحت أحداثها اليومية بمثابة غذاء روحي، لا تنقل مجرد أخبار عن غرباء، بل تشرك الجميع، القريب والبعيد، في معاناة وتفعيل الحدث الثوري، ولو عن بعد. هذا الحدث غدا قضية شخصية لذاتية الفرد العربي اليوم. آلامُ الوقائع اليومية للثورة وانتصاراتها أو انتكاساتها لا تخصّ أصحابها وحدهم، ينتاب (الأمة) ثمة شعور ما بالمسؤولية العامة عنها، وانطلاقاً من هذه اللحظة تصير الثورة خياراً إنسانياً ممكناً في متناول الضمائر العامة، منحازةٌ إلى صفّ العادلين ضد الظالمين. فليس كلاماً مجرّداً أو خيالياً القولُ أن الثورة هي مغامرة القلّة بإسم الكثرة. المسألة ليست عددية فحسب، ولا هي محصورة في حدود ساحات الفعل والمواجهة المفتوحة في هذا البلد أو ذاك. كما أنه لا يحق لنا أن ننعت الحالة السياسية النفسية لأكثريات الأمة، أنها مستوحاة من مصير تاريخي أو ميتافيزيقي، لكنها هي الحالة المعبّرة عن الحدّ الفاصل بين احتمال الظلم والانحطاط إلى ما لا نهاية، أو السماح بإطلاق طاقات الغضب الإنساني المكبوت تحت أعتى شروط القمع والمهانة والتهميش لمئات ملايين العرب المحكومين بانسلاب الإرادة والكرامة معاً. مثلما خاضت معظم أقطار العرب معارك التحرّر من الاستعمار الأجنبي، حتى استردت استقلال أوطانها، فإنها تأخرت طويلاً حتى اضطرت أن تخوض معركة التحرّر الثاني من عسف الاستعمار الداخلي (الوطني). ما قيمة تحرّر الوطن ككل، إن لم يتحقق تحرّر المواطن الإنسان، ذلك أنه دلت تجربة نصف قرن أن الاستعماريْن متكاملان، وأن أحدهما يمثل نفسه وينوب عن الآخر في وقت واحد. معنى ذلك بكل بساطة أن يكفّ المثقفون عن ادّعاء أنهم يحيون في ظل أية دولة عربية مستقلة حقاً، معركة الاستقلال الفعلي لم يكتبها أيّ قطر حتى الآن عنواناً افتتاحياً لشخصيته الاعتبارية. فقد برهن الاستعمار (الوطني) أنه ليس متفوقاً في فن الشراسة والقمع على الاستعمار الأجنبي، بل هو الأشدّ فتكاً وتدميراً منه لبنية الفرد والمجتمع معاً. أصبح هو المغذي المباشر لمختلف عوارض التخلّف، والحارس الأمين لقواه وعوامله وزبائنه المتجددين، والمتغلغلين في كل شأن إصلاحي أو مدني سليم، لكي يَحْرفوه عن مساره الطبيعي العام؛ فإما أن يستغلوه لحسابهم أو يدمروه من أساسه.
ما يفعله الحكم المطلق هو أنه يلغي من أفق المجتمع أمامه، أهدافَه التلقائية في التقدم الموضوعي السليم، يستبدلها بالمصلحة الذاتية المتعلّقة بتدعيم أسباب بقائه، فكل فعالية عامة تصبح منوطة بإرادته، ومُقدَّرة بحسب مردودها عليه، من استزادة النفوذ أو الخوف من إضعافه، فالحكم المطلق ليس مجرّد سلطة سياسية غير محدودة، لكنها هي تلك السلطة التي لا تُبقي على أية مبادرات جماعية أو فئوية خارج هيمنتها. في سورية الأسد لا يمكن افتتاح ناد أهلي أو رياضي أو ثقافي من دون موافقة دوائر الأمن. لا يمكن إنشاء دكّان سِمانة في حي بدون إذن رسمي. الناس هناك كأنهم أشباح يتحركون دائماً تحت رقابة وتفعيل ريموت كونترول هابط من أعلى، ليس هناك ما يُسمّى عادة بحياة إجتماعية تابعة لأفرادها، ونابعة عن تصرفاتهم العفوية، أو معبرة عن مشاغلهم العادية. ما يمكن قوله أن مجتمعات الأنظمة المطلقة تُحْرَم من انطلاق نهضاتها الذاتية. يصبح فقدان الحرية السياسية مرتبطاً بتجريد الناس من شخصياتهم الإنسانية، يصيرون هم أنفسهم أشبه بعملاء النظام، رقباء متطوعين، على مآكلهم ومشاربهم لحساب معايير القمع ووسائله المباشرة أو الخفية.
إذا كان ملف الديمقراطية لم يُفتح إلا متأخراً في حقبة النهضة لما بعد الاستقلال الوطني، فذلك لأن أنظمة الاستعمار الداخلي تسلّمت عن الاستعمار الأجنبي الراحل كلَّ عدّة التسلّط والإجهاض والقمع، راحتْ تدفْن كلّ بذور النهضة في الأرض الموات، ما بين انعطاف انقلابي أو ثوري وآخر، كان يتتابع احتكارُ التغيير لشعارات القمم الزائفة في معظمها، مع الإبقاء على الهرم القومي والوطني أسيرَ استنقاعه العتيق والعميق. إذا كان للربيع العربي ثمّة عنوانٌ آخر واقعي، وليس بلاغياً شاعرياً فحسب، فهو أنه لا يفتتح فقط عصر الصراع الثاني ضداً على الاستعمار (الوطني)، بل سوف يكون عليه أن يرتدّ رجعياً وهو يتقدم أفقياً، ألا يكون اكتمالاً لتحرّر ناقص ـ من الاستعمار الخارجي ـ بل استعادةً شاملة لكلية هذا المصطلح العظيم: حركة التحرّر الوطني، باعتباره الاختراعَ الأعلى لكينونة التجوهر التاريخي، تعبيراً عن تلاقي ثقافة الحقيقة والعدالة مع نبالة الكرامة الإنسانية، ما بعد فراقٍ طويل بين هذه المُثُل، فرضتْه مظالُم التاريخ من حيث هي وجوهُه المقلوبة عن انتصاراته المهزومة.
يعيش العرب مجدداً حركة تحرير تتعدى وصفها بالوطني، لتصبح تحرراً لذات الإنسان العربي الذي لم يتح له مرةً المواجهةَ المباشرة مع أصول إشكالاته الوجودية. لا في شخصيته المعقّدة المركّبة، ولا في تاريخية مجتمعاته المتناقضة. فإن العجز المتنامي عن شق طريق ما نحو الديمقراطية، لم يكن سببُه التآمر الخارجي وحده. كما أن الاستبداد ليس هابطاً على رؤوس الناس من مكان غيبي مجهول. قد يكون الاستبداد السياسي هو اليد الضاربة المعطِّلة دائماً لحيوية المجتمع وحركيته، لكنه ليس نبتة غريبة عن تُربة وطنه. فكيف يمكن لعصر الطغاة الكبار أن يمتد عشرات السنين ـ ومن قبل لقرون عديدة ـ دون أن يصبح أليفاً متآلفاً مع المتعايشين مع آثامه، وإن كانوا من ضحاياه كذلك.
هذه النظرة التجزيئية لأعراض الحياة العامة العربية أضرَّت بتنميةِ نوعِ المعرفة الكلّية التي افتقدها الفكر السياسي، كما افتقدتها غالباً حركات التغيير الهرمي من أعلى قممه فحسب. وإذ يدخل العرب بوابة تاريخ جديد مختلف، فإنهم منشغلون بتشييع رموز الطغيان الماضي المستمر إلى مقابرهم المظلمة، دون أن يعرفوا بعد كيف يمكنهم أن يحبطوا مولَد جيلٍ جديد قائد لطغيان آخر، قد يتجاوز تجاربه السابقة إلى نموذجها المطلق. ذلك أن قوى الحرية في معظم مجتمعاتنا الثائرة، ليست فاقدة الانتظام الموضوعي المؤسسي بعد، فقط. بل ليست هي الممسكة بإرادة الحسم مقابل تراكميات الظلاميات من كل نوع حولها، وحتى في عقر دارها. فالتغيير مازال مفتقراً إلى التنوير بمعناه العادي الإجرائي وليس التاريخي والأنطولوجي فحسب. حتى لا يصير التغيير مهدداً بالتحول إلى تحركات خبْط عشواء، وقد تُبتلى كل وَثْبة ناهضة لإنجاز ثوري، بما لم تتوقعه أمامها من الموانع والعقبات غير المنظورة مقدماً. هذا رأي معروف لكنه قابل للتطبيق مراراً وتكراراً، وخاصة في التجربة العربية المعاصرة.
ما نقوله عن أحوال بعض آقطارنا المتخلّصة من أوثانها الكبار، أن ظروف ما بعد تحطيم رؤوس الأصنام هذه قد تشكّل التحدي الحقيقي للمواجهة مع أجسام الأصنام المتبقية بدون رؤوسها. يسأل العربي العادي: وماذا بعد القذافي، وهو لم يجد بعد الأجوبة الشافية على سؤاليه السابقين: ماذا (كان) بعد ابن علي ومبارك، وغداً ماذا سيكون الأمر بعد الأسد وصالح وغيرهما، وغير كل هؤلاء المنهزمين المنزاحين تباعاً عن صدور شعوبهم، ليس ذلك هماً عرضياً. إنه القلق الجمهوري الأعمق من الخوف على كل تغيير كبير، قد لا يملك الجمهورُ القدرةَ على إدارته. أو هكذا يظن الجمهور بنفسه، بعد أن عاش عصوراً مفعولاً به، ولم يكن فاعلاً بذاته أو بغيره أبداً. لكن الحرية الواردة فجأة تدعو الناس المترددين إلى تبنيها وممارستها، وإن أدمنوا التهرّب من دروبها، قد تكون الحرية هي الحمل الأثقل على الأكتاف الضعيفة. ومع ذلك فالإنسان مجبر على أن يكون حراً، وإلا فقد إنسانيته.
أسأل نفسي لماذا لا تأخذني الفرحة العارمة بانكسار كاريكاتور الديكتاتوريات العربية كلها، بل أكاد أشعر بلسعة حزن كئيب، أتذكر مثلاً أن أربعة خمسة وحوش ضاربة سرقوا نصف قرن من حياة أربعمائة مليون عربي بائس، جعلوا منهم مجاميع أصفاراً، منعوا أن تكون للناس حياتهم الخاصة والعامة معاً. جيلان أو ثلاثة أجيال من شعوب هذه الأمة، قضوا أعمارهم ما بين سجون بيوتهم المظلمة أو سجون النظام، ما بين منافي الوطن خارجَه أو داخلَه. فحين الحديث عن كرامة الشعوب المسلوبة ألا يكفي مثالاً قاهراً، أن أربعة خمسة رجال (قادة) تحكّموا في مفاصل التطورات البنيوية لأول نهضة يعرفها العرب بعد موات ألف سنة. فقد جددت عهودُ الاستعمار الداخلي أصولَ وأشكال الانحطاط القديم، أعادت كبت الإنسان النهضوي الحر تحت أثقال الخيبات الكبرى لمعظم رهانات الاستقلال السياسي المزعوم، ومن بعده أسقطت كلَّ سيادة حقيقية لشعب من شعوب هذه الأمة المغدورة، على أبسط مصائرها.
لعلّ انبثاق الثورة الشبابية يكون رمزاً رائعاً لإمكانية استعادة النهضة لحيويتها المقموعة. فالمهمة القصوى لنُخَب هذه الأمة ليس ادعاءَ ما لم يمكنهم أن يمتلكوه لذواتهم المعقدة من قدرة قيادية مثمرة في أي ميدانٍ، خرجوا من معاركه بخفي حنين. مُهمّتهم اليوم أن يعيدوا اصطفافهم وراء قوافل التغيير الفتيّة الصاعدة، ألا يحلموا ثانية أن يكونوا من فرسان المقدمة. فالتغيير الجديد له قوانينه الخاصة غير المكتشفة بعْد من قِبَل أية نظريات تنبؤية مستقبلية. وهو تغيير دولي بالمعنى السياسي، وكوني بالمعنى الأنطولوجي. وقبل صياغة نظريات التحليل والتأويل، كان من صُدف التاريخ أن شبيبة العرب صاروا هم الطلائع، وقد اعترف بهم شبابٌ من باريس ولندن ونيويورك. وأعلن بعض مفكري الغرب أنهم يستلهمون ثورة الربيع العربي كمثال لربيع غربي انطلقت بوادره منادية باحتلال (وول ستريت)، حيثما العشّ الأظلم لكبار سَحَرَة الرأسمالية العالمية المتوحشة.
ألا يكشف الربيع العربي أن طغاة أقطاره ليسوا سوى حفنة من سُرَّاق ثروات الأمة. وأن اللصوصية المنظمة هي أعلى أشكال السياسة الدولية والمحلية. وأن المعنى المركزي للديمقراطية هو استحقاق عدالة التوزيع لثروات الأمم بما يعادل استحقاق الناس لحرياتهم، مصونةً بكرامتهم الإنسانية. فالأصل في الاستبداد هو استباحة سرقة الغير وتجريده من إمكان حمايته لذاته وممتلكاته بإسم الحق العام.
قيل أن القذافي هرّب مئتي مليار دولار خارج ليبيا قبل أن يُعَفَّر رأسه بالدم والتراب وتُسحل جثته في واحد من أزقة مسقط رأسه مدينة (سرْت)، ولكن هل سوف يسترد الشعب الليبي، وليس أحداً بإسمه، أو من وراء ظهره، بعضَ أمواله المسروقة من لصوص (وول ستريت) وأشباهها، أفلا يحق للربيع العربي ألا يعيد إلى مواطنيه حريتهم وكرامتهم المسلوبة هذه المرة إلا مصحوبةً بخُبْزهم، كفافهم اليومي. تلك هي تأشيرة الخصوصية (الموضوعية) التي يُسبغها الربيعُ العربي على ديمقراطيته: ليس من عدالة لإنسان اليوم والغد إلا إذا استطاع أن يُرسِّخ معادلة الخبز مع الكرامة أساساً لمشروعية الكَسْب لمصلحة الفرد والجماعة. إنها المعادلة الأصعب، لكن من دونها ستكرر الثورة أخطاء مثيلاتها الفاشلة، حيثما يمكن للصوصية الفالتة أن تعيد إنتاج طغاتها جيلاً بعد آخر.’ مفكر عربي مقيم في باريس