الطيب ولد العروسي ألهمت الثورات العربية الكثير من الكتاب فعبروا من خلال إنتاجاتهم الإبداعية في مجال الشعر والقصة والمسرح والخاطرة، وكذلك في ميدان الدراسات والتأملات السياسية والفكرية والاقتصادية عن هذا الغضب العربي الذي عكست فيه الجماهير العربية بكل شرائحها غضبها وثورتها وتمردها على الحكم السائد، وعلى الأوضاع المزرية المتعبة، وراحت تتساءل هذه الجماهير عن مستقبلها منطلقة من واقعها.
وفي الواقع هناك الكثير من الذين شككوا في مستقبلها إن أرادت أو ثارت على حكامها معللين ذلك بأن ما يجري من تحركات وانتفاضات وموت وغضب مقرون بالاعتصامات التي امتدت لأكثر من نصف عام، ما هو إلا من صنع الغرب وعلى رأسه أمريكا، ومنهم من يرى بأن الوضع وصل إلى حد لا يطاق وبالتالي قال الشباب كلمته الحاسمة، وسيحرص على مسيرة ثورته المجيدة، وفي هذا الإطار يدخل كتاب الدكتور محمد الجويلي، الصادر حديثا في تونس والواقع في 280 صفحة من الحجم الكبير، وهو بعنوان ‘بنفسج الدكتاتورية’، حيث حلل اسم هذه الزهرة التي وظفها النظام المخلوع لمدة 23 سنة، ومن كثرة توظيفها هذا انتشرت في كل التراب التونسي، فمن هنا أخذ الكاتب عنوان مؤلفه والذي يرى فيه بأن الشيء حينما يتجاوز حده ينقلب إلى ضده، أو حينما يوظف خطأ بشكل غير أخلاقي، أو لكي يخدم مصلحة شخصية ضد المصلحة العامة يصبح توظيفه نوعا من الدكتاتورية، وللعنوان هنا مغزى كبير، ونستطيع من خلال تحليلنا لرموز الكلمتين ‘بنفسج الدكتاتورية’ أن نصل إلى بعض مكامن ومعطيات الكتاب، فنحن إذن أمام مجموعة مقالات أو خواطر أو دراسات كتبت في ظرف وجيز مثل ‘زوجة الرئيس القادم’ ‘إرحل’ ‘الهمامة’، ‘ليلى والذئب’ و’الثورة والثور’ ، و ‘من تركبه الثورة ومن يركبها’ إلى غير ذلك. بدأ العمل عنها ‘كلها من وحي ثورة 14 جانفي’ (بداية الثورة التونسية) أي بداية فعل التأمل والكتابة انطلاقا من تاريخ يفصل بين مرحلتين، مرحلة الدكتاتورية التي وظفت كل شيء من أجل أن تنعّم وتلطّف وجودها، لأنها كانت مرحلة الحكم الواحد وقد استولت عائلة الحاكم على خيرات كل التونسيات و التونسيين، وبالتالي فهي مرحلة قمع واستبداد شديدة ضد شعب لم ير منذ استقلال بلاده (1956) سوى حكمين، حكم بورقيبة الذي وبرغم أنه كان مثقفا ومجاهدا ووطنيا وإنسانا وهو لم ينهب البلد ولم يثر نفسه على حساب الدولة، غير أنه دخل في نرجسية اقتربت من الهوس ومن حب الذات لدرجة أنها تركت أو أنجبت بن علي وأصحابه، أي خلّفت إنسانا آخر لا يمت للأول بأي صلة من الناحية الثقافية والأخلاقية والإستراتيجية، فكما يقول المؤلف فإنه ‘ لا يمكن أن ننسى اليوم أحببنا أم كرهنا أنّ ابن عليّ ولد من الرحم السياسي لبورقيبة’ ثم يواصل قائلا بأنه ‘ لا تجوز المقارنة بين الرجلين على أكثر من مستوى، فبورقيبة مثقف وصاحب مشروع حضاري، ولم يعرف عنه فساد مالي، ولكن عيبه الكبير أنّه مسؤول بصفة مباشرة في توريثنا كتركة ابن عليّ. انشغل بنفسه أكثر ممّا انشغل بمستقبلنا، أفرغ الساحة من زعماء كبار يأخذون عنه المشغل، بل هيّأ التربة الثقافيّة السياسيّة لخلق نفس الكليشيهات والآليات في صناعة ‘زعامة’ ابن عليّ وعبادة شخصيته’. ثم يتحدث عن زوجة الرئيسين، بحيث يرى أن الأولى (أي زوجة بورقيبة) كانت قد وقفت بجانب رئيس مثقف ومجاهد وواع، والثانية وجّهت زوجها هي وعائلتها نحو الثراء الفاحش على حساب الشعب التونسي، وهذا ما يمثل المرحلة الثانية التي كانت صعبة وشديدة القساوة والوطأة على الشعب التونسي.
لذا فكتاب الدكتور محمد الجويلي الذي يحلل هاتين الظاهرتين منطلقا من وقائع عاشها هو كشخص أثناء حكم بن علي، وبورقيبة، وبالتالي عاشها ورفاقه وأهله، والتي يصفها بمرحلة البوليس السري الذي يكتم أنفاس الناس ويلاحقهم في كل وقت وفي أي مكان، يرى بأنه من حسن الحظ أن حكم بورقيبة ترك مؤسسات سياسية وثقافية وقانونية، هذا يدل على أن الكاتب غير راض عن هذا الحكم، لكنه لكي يستطيع أن يحلل أو يعلل تمرد وثورة 14 جانفي التي تفتح مرحلة ثالثة أمام الشعب التونسي، هذه المرحلة أتت بعد نضال مرير وبعد ثورة قادتها طلائع الشعب التونسي وشبابه، وذهب ضحيتها الكثير من الشهداء، وتبقى مفتوحة على احتمالات كثيرة، ولكن رغم كل شيء، فإن الكاتب يحدوه الأمل بأن الشعب التونسي قد أخذ مستقبله ووضعه بين يديه، وأن هذا الوضع تعيه أغلب الدول العربية مما يبين تعطش شعوبها إلى الحرية والديمقراطية والعيش الكريم، إن هذه الشعوب قادرة على أن تحافظ على مكاسبها لأنها لم تخلق لأن تعيش تحت وطأة الدكتاتوريات والتخلف.
ومهما كانت الظروف والأوضاع المستجدة فإنها لن تكون أحقر وأتعس من مرحلة الرئيس المخلوع الذي كان فيها الحاكم الفرد و ‘سيد’ الموقف، هذا بالإضافة إلى سلوك وأساليب زوجته التي أحاطت نفسها بعائلتها ومن دار في فلكهم مما زاد في الطين بلة، ومما فاقم من تكالبها على أموال الشعب التونسي والتصرف فيه بشكل يدعو إلى الحيرة.
فالثورة فعلا كانت من صنع الجميع، وغنى لها الكبار والصغار، وهذا ما نراه في بداية الكتاب حينما قرر الكاتب الرحيل والعودة إلى تونس، بعد أن درّس سنة في جامعة الرياض، إذ كان ‘أطفالي يغنون للحرية، رغم أنهم عاشوا ثورة بلدهم من خلال ما تقدمه الفضائيات والتلفزة الوطنية التونسية’ وعندما وصلت العائلة إلى مطار تونس انسجم الأولاد بسرعة فائقة مع الشارع التونسي، وكانت اهتماماتهم الأساسية هي معانقة الحلم الجميل الذي صنعه لهم أطفال آخرون يكبرونهم بسنوات ووعيا بظروف الثورة والآمال المعلقة في رقابهم جميعا.
هكذا يتطرق الكاتب إلى القضايا التي تمر بها تونس، أو التي عرفتها بأسلوب هزلي وساخر يتداخل فيه توظيف الحكاية الشعبية التي عجنت طفولتنا، وبعض الوقائع التي عرفتها تونس سواء مع الحكم البورقيبي، أو مع بن علي، حيث يتمنى أن لا تكون زوجة الرئيس المقبل مثل ليلى الطرابلسية التي حصلت على الدكتوراة في الحقوق و ‘أشرف’ على رسالتها أحد الأساتذة الجامعيين، أي يتمنى أن تكون امرأة عاقلة واعية تهتم بأمور دنياها ولا تتدخل في أمور الشعب التونسي، كما يأمل أن يكون الرئيس المنتخب في خدمة الشعب وليس العكس.
يقف الكاتب طويلا عند المعارضة التونسية والتي تنقسم بشكل أساسي إلى أربعة فصائل، اليسارية وهي تتكلم بنفس اللغة وتريد أن تصل إلى نفس الغايات والأهداف ويسيرها أناس يكادون يحملون نفس اسم العائلة ولكنهم لا يعملون على لم هذه الأحزاب في حزب واحد متعدد الرؤى وثري التوجه، وذلك لكي يدخروا جهودهم فعلا لخدمة الصالح العام ويوحدوا ويقاربوا رؤاهم لكي يعملوا على إنشاء معارضة يسارية قوية بأفكارها وواقعية في طموحاتها وأهدافها.
هناك أيضا العروبيون أو القوميون والذين يشير إليهم المؤلف بأنهم أقل انقساما من اليساريين، لكنهم أيضا هم الآخرين ينادون بتحقيق نفس الأهداف ويطرحون خطابات قريبة من بعضها، لكنهم متفرقين بين عدة أحزاب، ثم يأتي الليبراليون وهم على نفس الشاكلة.
يضاف إلى هؤلاء وأولئك الأحزاب السياسية ذات التوجه الإسلامي المتمثلة أساسا في حزب النهضة والذين يشير إليهم المؤلف بأنهم أثروا أو نهلوا من المدرسة التركية، وبدأت ممارستهم وخطبهم تختلف عما كانوا عليه، ويدعون إلى انتهاج الديمقراطية، لكن يوجد فيهم المتشدد، وهو في الحقيقة بعيد عن فهم الإسلام هذا الدين الذي يدعو إلى السلم والتآخي بين الناس والشورى بينهم وليس على القتل والتطرف ورفض الحداثة والحوار والديمقراطية وهي أحد الشروط والمكتسبات الأساسية التي نادى بها شباب تونس.
عرف بعض قادة هذه البانوراما الحزبية سجون بن علي، حيث قبعوا عدة سنوات، راحوا اليوم يطالبون أو يلفتون انتباه الناس إلى هذه المعطيات، التي لا تجردهم من نضالهم لكنها لا ترشحهم بالضرورة لتسيير البلاد، الذي تحكمه صناديق الاقتراع لا غير. إذ يعبر عنها في مقالته ‘الشرعية السجينة’ قائلا: ‘تستمد شرعية الحكم فقط من البرامج ومن صندوق الاقتراع وتلك هي الديمقراطية’. لا يتعجب المؤلف من وجود مائة حزب تقريبا في ظرف مدة قصيرة، لأنه يرى ذلك انعكاسا طبيعيا ومنطقيا لسنوات القمع والتطلع الدائم إلى الغد، إلى العيش بكرامة والحلم في خدمة البلد بطريقة أفضل، وبدون شك أن الكثير من هذه الأحزاب سيزول بعضها بعد انتخابات رؤساء البلديات والتشريعيات ثم انتخاب رئيس للبلد يكون محط آمال الكثير والذي يحلم المؤلف، ونحن معه، أن يخدم البلد ويحترم حقوق الناس، ويطبق القوانين بشكل عادل، فهذا الحلم هو الذي تطمح إليه الكثير من الأحزاب، وقبلها الشعب التونسي بكل فئاته. والجدير بالذكر أن المؤلف قد كتب معظم هذه المقالات وهو بعيد عن تونس، إذ يقول في مقدمة الكتاب ‘وسواء كان الغياب في أو عن الوطن، غيابا في الداخل أو في الخارج وهما مختلفان بكل تأكيد، فإن الكتابة وحدها بإمكانها ترويض الغياب وتجعله أقل توحشا ووحشة’. في هذه الحالة تحتضن الكتابة كاتبها، توفر له ملاذا وملجأ، تمكنه من أن يستحضر الغائب المعشوق تماما مثل فعل المتصوف في جبّته’، هذا ما نراه عند التوحيدي والكثير من الكتاب العرب الذين ذاقوا المنافي والغياب عن الوطن مكرهين لا أبطالا.