رؤوس فارغة

كان قطاف هذا العام متواضعا، لقد أكلت الطيور أغلب البذور التي بذرتها وزرعتها وعاثت في أغلبها فسادا.
أضاف: غلتنا هذا العام كانت أقل مما كنا نجنيه في الأعوام السابقة من ثمار الملوخية والخيار والخس والبندورة والباذنجان والبقدونس والنعنع وغيرها.
بقيت صامتا أسمع ولا أعلق، واوزع ناظري بين قسمات وجهه وبين البقول والخضروات التي جاء بها من حقلنا الريفي القريب من بيت العائلة، الذي استمر بالعيش فيه بعد أن وجدت وظيفة في المدينة وانتقلت إليها مع عائلتي الصغيرة.
ثم تابع حديثه قائلا: يبدو لي إنهمن الأفضل لنا غيجاد وسيلة حماية لأحواض حقلنا غير ما نعرفه وألفناه؛ لقد أكلت الطيور معظم بذور هذا الموسم.
سلألت أخي ناصر الذي يكبرني بخمس سنوات: ما الجديد في هذا الأمر؟ وأضفت: ما أعرفه أن الطيور دائمة التواجد في أماكن كثيرة ، خصوصا في القرى الريفية وحقولها، فهل استجد من أمرها غير ذلك؟.
ابتسم أخي وعلق: هذا فعلا ما جئت أخبرك به، وأتشاور فيه معك.
قلت : فعلت خيرا علنا نجد حلا مناسبا لما تشكو منه.
قال: إسمع يا أخي.. طبعا وكما تعرف، فإن الزراعة والمزروعات لها مشاكلها الكثيرة، مثل اختيار السماد المناسب للأرض والبذور المناسبة.. ثم البذار والسقاية ورعاية ما ينمو من بذور وحمايتها والقطاف وغير ذلك. أضاف: وكما تعرف أيضا فإن الرياح الشديدة تؤثر على المواسم، ودودة الأرض يمكن أن تأكل من البذور، والحر والبرد غير العاديين يؤثران. كما إن العشب البري الضار- النجيل – يمكن أن يؤثر على النباتات الأخرىويسلبها حصتها من الغذاء المناسب .. والحيوانات والطيور، نعم الطيور يمكنها أن تفشل موسما كاملا من الزراعات وتقضي عليه.
علقت: أراك تكثر من التشديد على خطر الطيور على المزروعات، فهل هناك ما هو جديد في هذا الأمر؟.
أجاب بسرعة: هنا هو بيت القصيد، كما يقولون يا أخي. يبدو لي أن الطيور تغيرت. لقد أكلت معظم بذور هذا العام.
علقت متسائلا: وهل كانت لا تأكل البذور قبل هذا العام، خصوصا إذا ما واتتها الفرصة المناسبة؟.
أجاب: بلى لقد كانت تفعل ذلك من قبل، لكنها زادت من الأكل والعبث والتخريب خلال هذا الموسم.
ما اسباب ذلك حسب اعتقادك، وما الذي تغير وتبدل؟.. بادرته متسائلا.
قال: لقد راقبت الأمر جيدا، ولعدة أيام، فوجدت أن الطيور لم تعد تخاف من الفزاعات التي نضعها على حواف أحواض الحقل، وباتت تنقد البذور والنباتات بكل جرأة وبلا خوف.
استغربت الأمر، وعلقت: غريب ما تقول يا أخي، فما الذي حدث حسب ما تعتقد؟
أجاب: بل إنني متأكد ، لقد رأيت بعيني وسمعت بأذني.
سألته: ما الذي رأيت وسمعت يا أخي؟.
أجاب قائلا: فعلا هو غريب ما رأيته وما سمعته. لقد رأيت الطيور تنزل وتقف على رأس البيضة * ولا تأبه لها إذا ما حركتها الرياح، ولا تفر خائفة مسرعة إذا ما صدر منها صوت احتكاكها بالعصا التي وضعت على رأسها.
ضحكت وعلقت: هل كفت الطيور عن أن تكون طيورا، وما الذي حدث؟ وما الذي غيرها؟.
أجاب: أنا في حيرة من أمري وأمرها، ولا أدري ما الذي حدث لها.
أضاف: كنت منذ صغري أرى أهلي يضعون فزواعة البيض المفرغ من محتوياته على رأس العصي لتخويف الطيور ومنعها من الاقتراب من الحقول المزروعة أو المبذورة حديثا. واستمكرت الأمور هكذا، بحسب ما أعرف وتعرف ويعرف الناس. أما ما حصل في موسم البذار هذا العام، فإنني لم أجد له التفسير المناسب حتى الآن.
سألته: هل يمكن القول أن الطيور اكتشفت أن فزاعات البيض ما هي إلا ؟!
أجاب بلهفة: بعد أن تنهد وارتاحت قسمات وجهه بعد تشنج وحيرة: قد يكون في ما تقول بعض الحقيقة.
علقت: وما الحقيقة بحسب ما رأيت وسمعت؟
ابتسم وعلق متشككا: ومن أين لي أن أعرف طبائع الطيور؟
أضاف: مع ذلك فإنني لاحظت أن بعض البيض – الفزاعة كان ساقطا عن عصيه، وأن تلك العصي كانت واقفة كشواهد بلا رؤوس.
علقت متسائلا: أي أنها اصبحتلا تخيف بعد اكتشاف حقيقتها.
أجاب متمهلا ومفكرا بتساؤل: هل هي الرياح التي أسقطت قشور البيض؟ أم أن الطيور اكتشفت.. ربما بالصدفة أن ال فأسقطتها وداستها بقوائمها بعد ذلك؟!.
استغربت ما ذهب إليه أخي من استنتاجات، مع ذلك فإنني سألته: ما الذي تقترحه علاجا لهذه المشكلة المحيرة؟.
أجاب بسرعة وكأنه كان قد فكر في الحل من قبل: ما علينا إلا تغطية أحواض حقلنا بخيم بلاستيكية حماية لها من عوامل الطبيعة، ومن هجوم الطيور عليها خصوصا.
علقت لا مانع ادي، فأنت أخبر مني بهذا الأمر. ثم ناولته مبلغا من المال مشاركة مني في مشروعه الجديد.
وسيلة من وسائل تخويف الطيور، وهي عبارة عن بيضة مفرغة من محتوياتها من خلال ثقب صغير في رأسها، ثم توضع على عصا أو على عود قصب أو خلافه، ويتم تثبيتها على حواف حقول وأحواض الزراعات محدودة المساحة. وعندما يهب الهواء وتأخذ بإصدار أصوات وتتمايل وتصطدم بهذا الجانب أو ذاك من العصي أو العيدان، فإن الطيور تخافها ولا تقترب من الحقول المنصوبة على جوانبها.

سليمان الشّيخ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية