الخريف الأمريكي يتخبط في الربيع العربي

حجم الخط
0

يبدو أن الربيع العربي سيتحول خريفا على الوضع الأمريكي – إيراني دون المرور بسحابة صيف بعد ساده خلال الأشهر الماضية صمت لم تعمر الهدنة الباردة طويلا بين الطرفين فعلى الأرجح كان اللهيب تحت الرماد حيث إندلعت سحابة دخان سوداء من البيت الأبيض لتغطي سماء طهران ومنطقة الخليج مرد ذلك الإتهامات أمريكية لإيران بالتخطيط لإغتيال السفير السعودي في بلاد العم سام. فهذه الإتهامات في هذا الوقت بالذات ليست بريئة، أو عفوية كنتاج لمعلومات مخابراتية ثابتة وموثقة وذلك لأسباب ودوافع عديدة سنتطرق لأهمها هذا وإن إفترضنا أن ما روجت له الولايات المتحدة الأمريكية صحيحا. فالغبار السياسي الملوث الذي عقب الإتهامات غطى الفضاء الأوروبي وحتى المؤسسات العربية الرسمية مثل مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية وبعض مواقع القرار العربي.

يحصل هذا مباشرة بعد التصريحات الأمريكية وكأنها حقيقة يقينية دون أن تقدم حكومة باراك أوباما مستندات ووثائق دقيقة غير قابلة للطعن تدين إيران بما أتهمت به لكن حكومة أوباما توخت أسلوب الضغط والتصعيد والتضخيم بسرعة وكثافة إعلامية وتهديدات لا تلائم الحدث وكأن الأمر قد حصل وهذا يدفع لأكثر من سؤال حول مدى مصداقية الإتهامات التي رفضتها حكومة أحمد نجاد ونفتها نفيا قطعيا ونتيجة لذلك هبت عاصفة التحدي بعد السكون من الجانبين.

بقطع النظر عن صحة ماورد على لسان الأمريكان بشأن تخطيط إيران لإغتيال السفير السعودي في واشنطن معظم المتابعين للشأن الدولي المتحرك بسرعة في الإتجاه المعاكس لما يرغب فيه المحور الأمريكي مما دفع بصقور البيت الأبيض للبحث والتفتيش عن ذرائع تقنع بها العالم من أجل العودة إلى حلبة الصراع بقوة مع طهران و الغاية منه تحجيم ‘هيمنة بلاد الفرس’ وتوغلها في مفاصل دواليب الشأن الداخلي لدول تعتبر إستراتيجية كمصر وسورية ولبنان وكذلك المغرب العربي بعد الثورات الذي إنعتق من جلباب ‘ماما أمريكا’ التي ترغب في المسك والتحكم في زمام الأمور التي إنفلتت نوع ما من هيمنتها بعد الذي حصل ويحصل في العالمين العربي والإسلامي الذي إستفادت منه إيران بشكل واضح على حساب أمريكا التي تعرف حكوماتها جيدا أنها لا تحظى بقبول حسن في معظم أوساط من الشعوب العربية والإسلامية التي تساند طهران حتى من قبل إندلاع ثورات الربيع العربي وليس الآن مع قليل من معارضات البعض من ذوي التوجهات ‘التقدمية الحداثية’ في العالم العربي الثائر والتي أستخدمتها المخابرات الأمريكية طويلا ضد رغبات وطموحات شعوبنا المقهورة والبائسة زمن أنظمة فقيرة الهوية والوطنية.. وحتى القومية. بعد الثورات العربية تخلصت إيران من ضغط بعض الإنظمة العربية العميلة للإمريكان على حساب شعوبها وقضايا الأمة وتدريجيا تصاعد تنسيقها مع هياكل ومنظمات المجتمع المدني خاصة منها بعض التنظيمات الإسلامية التي أصبحت الرقم الصعب في المعادلة السياسية في الوطن العربي ولا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوزها أو إقصاؤها او حتى تهميشها، ومستقبلا ستكون للتيارات الإسلامية التي معضمها تتوافق إلى حد بعيد مع نظام تركيا المعتدل (حزب العدالة والتنمية الحاكم) ومن جهة أخرى مع إيران التي تجمعها بطهران علاقة مستقرة رغم تباين موقف الطرفين – أنقرة وطهران- مما يحدث في سورية وهذا يزعج أمريكا وحلفاؤها وخاصة المملكة العربية السعودية التي تعيش أسوأ أوضاعها السياسية في ما يخص الشأن الخارجي، او حتى الداخلي المضطرب في سكون مخيف يبشر بإنفجار غير متوقع رغم الرتوشات والمكياج المستحدث من قيادة المملكة. فالتيارات الإسلامية باتت تتموقع وسط الخريطة السياسية العربية موقعا وتمسك بأهم خيوط القرار الداخلي رغم الضجيج المصطنع حولها بعد الثورات العربية ولن تكون في صف الأمريكان على حساب حقوق إيران رغم أن العلاقات بين إيران وبعض هذه الأحزاب الإسلامية التي يشوبها الخلاف وعدم الإستقرار والوضوح حول مواضيع معينة لم يبت فيها بعد. في المقابل إنكمش الدور السعودي في مجمل القضايا العربية وهي الحليفة الإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية (حامية نفط الخليج فقط وصاحبة القول الفصل في شأنه) خاصة بعد سقوط نظام مبارك الذي كان يمثل نقطة الإرتكاز في السياسة العربية الرديئة فتحررت القضية الفلسطينية من هيمنته وأصبحت تشعر المملكة العربية بنوع من العزلة، والنسيان وعدم قدرتها على التأثير في مجريات الأحداث المتسارعة في المنطقة إلا في القليل منها عبر مناورات هنا وهناك. هذا دون أن ننسى شعورها بالخطر بعد التطورات الأخيرة التي تساعد على تنامي الدور الإيراني تقريبا في كل الدول الثائرة شعوبها وخاصة على الحدود اليمنية ماعدى الثورة السورية التي مازال لم يلين تجاهها الموقف الإيراني الذي أزعج الأمريكان لأن أخطبوط طهران يمتد ويتوسع من أفغانستان إلى العراق مرورا بالشروق الأوسط النقطة الساخنة سياسيا وأمنيا وصولا إلى المغرب العربي المحرر.

مهما كان ومهما يكن فالولايات المتحدة الأمريكية كان على حكومتها أن لا تضخم ‘القصة (محاولة إغتيال السفير السعودي لديهم) وهي التي غطت جرائم الكيان الصهيوني بحق قادة ومسؤولين عرب تمت تصفيتهم في الوطن العربي على يد الموساد في وضح النهار وفي مقدمتهم قادة المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية.. وهي التي أرتكبت من الجرائم بحق الإنسانية ما يدعو للقرف.. لكن الحقيقة الواضحة هي رغبة اللوبي الصهيو- أمريكي في إعادة تشكيل خريطة العالم العربي بناء على الواقع الجديد الذي أصبح يمثل هاجسا للأمريكان رغم محاولاتهم تعتيم ذلك بتشدقهم بالإنحياز إلى صف الشعوب الثائرة من أجل تحقيق الديمقراطية والعدالة الإجتماعية فهل بقدرة قادر تحولوا من ضفة دعم الطغاة المستبدين على شعوبهم إلى دعاة ‘رفاهية الحياة’ لكن الواقع هو حالة الفزع التي تنخر أمريكا وإسرائيل من الداخل خوفا من أن يتغير الربيع العربي إلى الربيع الإسلامي وبذلك تفقد القوى الإمبريالية والصهيونية سلطة النفوذ والقرار وتتغير موازين القوى وتضيع مصالح مستعمرو الأمس وتتصاعد عمليات الضغط على العصابات المحتلة للأراضي العربية.

لقد أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تتخبط في سياسة يشوبها التردد والمد والجزر وكنتيجة السياسة العرجاء المترهلة أصبح قادة البيت الأبيض يرقصون رقصة الديك المذبوح ولم تحيد مخططاتهم السياسة القديمة عن الطريق الذي رسمه أسلاف حكومة أوباما وهي كلما تأزم الوضع الداخلي والخارجي يهرعون إلى خلق بؤر صراعات ومشاكل وحروب من أجل الهروب إلى الأمام محاولين فرض هيمنة من قديمة بأساليب جديدة محورها الأصلي لغة القوة وعرض العضلات لأن ساستها لا يتقنون إلا لغة الترهيب والتهديد والوعيد وهذا الأسلوب الأحمق هو الذي أوصل العالم برمته إلى هذا الدرك الأسفل من الفوضى والإقتتال والثورات وإن لم تتعقلن ‘ماما أمريكا’ ستجر العالم إلى كوارث ومصائب أكثر مما عاشه لن تحصل منه إلا على تدهور إقتصادي أكبر وتحركات إجتماعية نتيجة ما يعانيه دافعو الضرائب في أمريكا من بطالة وفقر ومشردين في الشوارع. عبد الستار العياري – تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية