دولة فلسطين في ربيع عربي

حجم الخط
0

أحمد شاهين

قدم رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، بصفتيه، في 23 / 9 / 2011، طلبا إلى هيئة الأمم المتحدة لقبول فلسطين في الهيئة الدولية دولة عضو. وقد لقي سلوك الرئيس الفلسطيني ترحيبا شعبيا في مناطق الضفة الغربية، بينما اعتبرته شوارع حركة حماس في غزة أمرا سلبيا وتنازلا عن الثوابت الفلسطينية التي يأتي حق العودة على رأسها. ولم يلغ عباس في كلمته التي ألقاها في هيئة الأمم المتحدة قاعدة التفاوض مع إسرائيل على قضايا الحل النهائي: الحدود والمياه والقدس وحق العودة؛ إنما يسعى إلى شكل مختلف للتفاوض، حيث سيكون بين دولتين: إسرائيل وفلسطين، وحدد في طلبه / خطابه مرجعية التفاوض التي جاءت في صيغة ‘دولة على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشريف’ والفكرة ليست جديدة فقد طرحها الإسرائيليون في عهد أولمرت على الفلسطينيين، الذين رفضوها باعتبارها دولة بلا حدود، وأصروا، في حينه، على التفاوض على قضايا الحل النهائي بحيث يكون موضوع الدولة ختامها. قرئ الترحيب الشعبي لخطاب عباس، في المناطق الفلسطينية، على أنه تحد للولايات المتحدة ومقدمة لإخراج الموضوع الفلسطيني من وصايتها، ووضعه تحت وصاية الأمم المتحدة. والعالم كله يعرف أن هيئة الأمم المتحدة بكل منظماتها لا تستطيع شيئا من غير التأييد الأمريكي، الممول الرئيسي لهذه الهيئة. وفي إطار ذكر التمويل، شكا الرئيس الفلسطيني في تصريح له من أن الدول العربية لا تدفع التزاماتها لفلسطين، وقال انه لا يعرف السبب، وهو يقصد ضمنا أن العرب يتركونه رهينة للدول الغربية المانحة. وقد هددت الإدارة الأمريكية السلطة الفلسطينية باستخدام الفيتو في مجلس الأمن لرفض الطلب الفلسطيني، كما هددت بوقف المساعدات المالية التي تقدمها لها سوى ما يتعلق منها بمجال التعاون الأمني مع إسرائيل. وقد وضع الكونغرس الأمريكي هذا التهديد موضع التنفيذ في، 30 9 2011، بوقف تحويل 200 مليون دولار للسلطة الفلسطينية مخصصة للدواء والغذاء. والأمن كان موضوع خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أمام الهيئة العامة للأمم المتحدة، وطالب عباس بالتفاوض المباشر معه، وبالاعتراف بإسرائيل دولة للشعب اليهودي. وكان خطابه موجها إلى الرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية، أكثر منه إلى الأمم المتحدة التي ذكر أعضاءها بمواقفهم السلبية من إسرائيل. وأشار في مجال الحديث عن الأمن إلى انسحاب إسرائيل من غزة ومن جنوب لبنان، وتلقيها بالمقابل صواريخ حماس وحزب الله؛ كما ذكر بعدم قدرة السلطة الفلسطينية على ضبط الوضع الفلسطيني ‘تلك السلطة التي لم تستطع الصمود سوى يوم واحد أمام حماس’، والكلام لنتنياهو. والأهم في هذا الأمر أن إسرائيل ترى أن قيام دولة فلسطينية يعني ‘تدمير دولة إسرائيل’، حيث أن قيام دولة فلسطينية سيحصر إسرائيل في حدود ضيقة يتصارع داخله هذا اللمم اليهودي، إذا توقف التخويف الذي يجمعه. ومن غير المعروف ما الذي سيحققه الرئيس الفلسطيني من قبول فلسطين عضوا في هيئة الأمم المتحدة، إذا تجاوزنا القيمة المعنوية لمدلول الدولة؟ فعلى الأرض يمارس الاحتلال الإسرائيلي كل السلطات التي هي من حق دولة فلسطين، بما في ذلك حق رئيسها حتى بالتحرك فيما بين القرى الفلسطينية؛ والدولة لا تكون دولة ما لم تمارس سيادتها في حدود إقليمها الجغرافي. ثم لن تستطيع الأمم المتحدة دعم الحق الفلسطيني في ممارسة السيادة ما لم تكن هناك قوة قادرة على إخراج إسرائيل من الأراضي الفلسطينية؛ وهذه القوة القادرة على ذلك هي الولايات المتحدة الأمريكية التي تعارض بقوة طلب الرئيس الفلسطيني عضوية الهيئة الدولية، على الرغم من أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما كان قد حدد شهر أيلول / سبتمبر 2011 موعدا لتحقيق الحق الفلسطيني في دولة قابلة للحياة. الربيع العربي: استراتيجيات جديدة، حدث بدءا من نهاية العام الماضي (2010 ) وبداية العام الحالي (2011) ما لم يكن متوقعا من أي من مراكز القرار، أو التحليل، في العالم، حين انفجر الوضع الاجتماعي في تونس لتتبعه مصر ثم ليبيا واليمن وسورية وإلى حد ما في البحرين والمغرب؛ وقد سقط كل من نظام بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر، والعقيد القذافي في ليبيا، وما زال الحراك الاجتماعي مستمرا في اليمن وسورية، ومن غير المعروف إلى أين سيمتد تموجه، حيث تشير محاولات حكومات المنطقة، التي لم يطلها الموج بعد، استباقه من خلال إجراءات احتوائية، يتخيل هؤلاء الحكام أنها قد تمتص هذا الغضب المخزون الذي لا يعرف أحد شكل انفجاره؛ كان آخر مظاهرها إعلان الملك عبد الله بن عبد العزيز حق المرأة السعودية بالمشاركة في انتخابات مجلس الشورى والمجالس البلدية الدورة القادمة، خوفا على ما يبدو من ‘ثورة حريم’. وفي إطار هذا الحراك في المنطقة، وما قد يأتي به، تحضر القضية الفلسطينية، بما هي موضوع استقطاب سياسي قابل للتوظيف في معارضة السلطات القائمة التي تميل جميعها، دون استثناء، إلى التسوية مع إسرائيل تحت عنوان ‘عملية السلام’؛ وقد ظهرت الملامح الأولى لمثل هذا الاستقطاب في تفجير خط الغاز الذي يمد إسرائيل بالغاز المصري، وفي حصار سفارة إسرائيل في القاهرة الذي اضطر السلطات المصرية إلى ‘تهريب’ السفير الإسرائيلي. ومن باب التذكير: لقد بدأ عبد الناصر التفكير في الثورة حين كان محاصرا في الفالوجة في فلسطين أثناء حرب 1948، كما فكر مؤسسو حزب البعث كل من جانبه: ميشيل عفلق وصلاح البيطار، وأكرم الحوراني تأسيس كل من حزب البعث، والحزب العربي الاشتراكي، اللذين اندمجا فيما بعد وصارا حزب البعث العربي الاشتراك، فكروا في مشاريعهم السياسية هذه حين كانوا يقاتلون في فلسطين مع قوات فوزي القاوقجي. وقد شغل هذان الاتجاهان القوميان الحراك السياسي في المنطقة وما زالا حتى الآن تحت راية ‘تحرير فلسطين’ التي بدأت بشعار طرد العصابات الصهيونية، أو كما درج القول في حينه ‘رميهم في البحر’، ووصلت أخيرا إلى ‘الممانعة’؛ والممانعة لغة هي ‘الدلع’ قبل قبول العرض، حسب قول الشاعر: يتمنعن وهن راغبات. وترى السلطة الحاكمة في سورية ‘أن المؤامرة’ التي تمارس ضدها الآن عبر تحريك الشارع السوري هي بسبب ‘موقف سورية الممانع’. وقد رتب الامريكيون استراتيجيتهم لترتيب أمور الكون للقرن الواحد والعشرين على أساس الاستقرار القائم في منطقة الشرق الأوسط، وأن الاستبدال الذي قد يحصل في المنطقة سيكون استبدال وجوه حاكمة، وليس تغيير نظم، كما حصل في سورية، حيث حل الابن بعد موت أبيه، وكان يجري على قدم وساق إعداد جمال مبارك ليرث أبيه وسيف الإسلام ليرث العقيد وأحمد ليرث علي في اليمن. وعلى ذلك، كان يتم ترتيب ‘عملية السلام’ التي في إطارها ستقام دولة فلسطين بإشراف الإدارة الأمريكية، مع خلاف في أن تكون خاتمة العملية، حسب الجمهوريين، أو تكون في البداية حسب الديمقراطيين. ومع المجهول القادم الذي قد تحمله أمواج الحراك الاجتماعي العربي لن يكون بإمكان الإدارة الأمريكية، سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية، أن تسقط من يدها الورقة الفلسطينية التي تبقى في كل الأحوال ‘الورقة السحرية’ في إدارة شؤون هذه المنطقة من العالم، سواء فيما بين مكونات المنطقة السياسية كدول، أو داخل كل دولة، أوفي إطار التنافس الكوني بين القوى العظمى. والمحصلة الأمريكية: على الفلسطينيين أن ينتظروا. وهذا يريح إسرائيل. أبو مازن، بما يمثل الآن، لا يريد، على ما يبدو، تكرار ‘خطيئة’ رفض قرار التقسيم في 1947، أو الاعتماد على ‘المجهول’ الذي قد يحمله الربيع العربي، أو البقاء في شبكة المفاوضات الأمريكية / الإسرائيلية. ولذا، أيضا على ما يبدو، يريد الرئيس الفلسطيني ضمان الحصول على العنوان دوليا: دولة فلسطين، حتى ولو دولة على الورق، كما كانت دولة عرفات التي أعلنها من الجزائر في 1988. والباقي قد تحققه الأجيال القادمة التي قد تحرر كامل فلسطين.

يلخص ‘حق العودة’ طبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على فلسطين، فهو صراع على الجغرافيا المقدسة لدى الطرفين: بين من عاش عليها، وطرد منها (الفلسطينيون) ويحلم بالعودة إليها في إطار ثقافة ‘الموطن هو الوطن’، وبين من يعود إلى أرض ‘السمن والعسل’ مدعوما بالقوة الإسرائيلية، وبوعد إلهي تكرره توراته في أكثر من موقع؛ ولذا، فهو، من غير مبالغة، صراع على الوجود. في لقاء مع صحافي أمريكي، سأل الصحافي أبو عمار إذا ما كان يعرف كيف يرسم خريطة فلسطين، فقال، رحمه الله، طبعا. قدم الصحافي ورقة وقلما لياسر عرفات الذي رسم بكل سهولة خريطة فلسطين من النهر إلى البحر. فسأله الصحافي: وأين دولة إسرائيل؟ رد أبو عمار ببديهيته الأعجوبة: هذا ما سنتفاوض عليه. ‘ كاتب من سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية