أيها السادة: القذافي لم يكن دمية!

حجم الخط
0

من منا لم يصفق لهذه الثورة الليبية؟ أي مكابر عنيد لم ير في هذه الثورة خلاص أمة رزحت تحت نير الإستبداد المقيت دهرا طويلا؟ من منا لم يبتهج لتحرير نراه تدشينا لهذه المغامرة الهائلة مغامرة التحرير الكبير؟ نعم بالتأكيد هناك حلف الناتو الذي من شأنه أن يفسد عرس التحرر الديمقراطي، ولكن من منا لم يراهن على النخبة الثورية الليبية وقدراتها الرائعة تكتيكا وإستراتيجيا؟

اليوم ونحن نرى الطاغية يسقط نجد أنفسنا في دوامة هذه السقوط المتبادل. نراه واقفا ملطخا بدمائه ثم مهانا فمداسا مقتولا! ثم نراه جثة مجرجرة فمجرورا من شعره ثم معروضا أمام كل الكاميرات لكل القنوات عبر العالم… ثم… ثم… الخ من منا لم يستشعر رعشة غضب؟ من منا لم يهتز أسى وانفعالا أمام ممارسات تنتمي لعهود كنا نعتقدها غابرة؟ متى كان الأسير يقتل ولو كان طاغية بهذا الشكل البربري؟ متى كان القتيل تنتهك حرمة جسده ولو كان ديكتاتورا؟ متى كنا نضحك ونرسم شارة النصر أمام وجه رجل ميت وبين يدي ربه ولو كان مستبدا؟

تتناسل الأسئلة ومعها هذه الغصة في حلوقنا، فالثورة الليبية منذ اندلاعها اضحت جزءا من هويتنا النضالية ومعلمة مشرفة في سجل أحلامنا ومطامحنا. ألم تكن هذه الثورة جميلة بهؤلاء الرجال الاشراف، بهذا الإصرار العنيد بهذا الحس الرائع من المسؤولية وهذه البصيرة التحليلية النيرة لإشكاليات الظرفية التي تعيشها ليبيا ومحيطها؟ ألم نكن من خلال ‘الجزيرة’ والصحافة العالمية نتعقب خطى هؤلاء الرجال معركة ورؤية واستشراف آفاق الغد؟

هل يمكن القول ان كل هذا تلطخ، كل هذا تهشم بفعل هذه اللقطات المخجلة؟ لماذا تتملكنا ونحن نرى تلك الصورالمأساوية رغبة الصراخ في وجه هؤلاء الثوار: ويحكم أيها الرجال إن هذا الرجل الأسير ليس دمية، ولكنه إنسان مسن هزيل سقط بين أياديكم وإذا فهو تحت حمايتكم؟! ويحكم هذا الرجل ليس أيا كان إنه العقيد القذافي. إنه ليس فقط مجرد طاغية ولكنه جزء حي ونابض من التاريخ الليبي. إنه الإبن المخلص لهياكل الإستبداد العربي. إنه الساكن في قلب التحولات الفكرية والسيكولوجية للمجتمع الليبي أي هذه التحولات التي أفضت لهذه الثورة المباركة.

فكيف نقتل هذا الرجل ونقيم عرسا احتفاليا بذلك؟ أو ليس الأمر يتعلق بمأتم؟! أوليس الأمر يتعلق بنحيب على الديمقراطية المغدورة، على العدالة المداسة؟!

مرة أخرى القذافي ليس دمية نغرس فيها السكاكين ونجرجرها ضاحكين ساخرين! كلا وألف كلا. إن الأمر يتعلق برجل استولى على الوطن الليبي مقدرات وثروات ومؤسسات. ومع كل هذا الأمل والحلم ومستقبل الأجيال. وإذا فإن الرجل أكبر من رمز. وأهول من معلمة. وحياته أكثر من ثمينة، ومحاكمته لحظة تاريخية تحدد الأسئلة الأخطر، وتطرح المواعد الأهم مع الهوية والطموح الديمقراطي.

شر الشعوب ذلك الشعب الذي يطوي أخطر الصفحات في حياته دون أن يتوقف لحظة لقراءتها وإثارة الجدل والحوار حولها. وشر الديمقراطيات تلك التي نشيدها بذاكرة مشوهة! والقذافي ليس صفحة وكفى ولا ذاكرة وكفى. ولكنه أرشيف قرابة النصف قرن، أرشيف طافح بأهول الوثائق، عن أهول الإعدامات وأقبح المؤامرات وأردأ المغامرات. وأكثر من هذا سيل لا متوقف عن إختطافات وتبذير لا حدود له لثروات الأمة وحسابات في صناديق أعداء الأمة. أوليس الرجل أكبر بكثير من هذه الجثة المبصوق عليها؟ أوليس أكبر بكثير من هذا الشخص البائس المداس المرتجف خوفا أمام جلاديه الوحوش؟ يا للمفارقة المدهشة، القذافي أسكت خصومه دوسا وقتلا وإهانة، وهاهو اليوم يعرف نفس التصرف! فهل جلادوه من نفس طينته!

؟ ألم يقولوا لنا أنهم ثوار، لكن الثوار هم قبل كل شيء البديل الأخلاقي والسياسي والحقوقي بامتياز؟ يا للأسى.. القذافى كان يسكت خصومه لأنه لا يريدهم أن يتكلموا، فالكلام محرر لأن الخطاب منير، لأن الحجة تفحم وتعري المستور! وهاهي الثورة تسكت القذافي نفسه لنفس الأسباب، ولسبب آخر أفجع وأهول وهو الرغبة العارية في الإنتقام المتوحش. لنتصور للحظة واحدة القذافي أمام المحكمة. لنتصور هذه الملفات المفتوحة، إنه ساعتها وقد فقد كل شيء. لم يعد له من ملاذ إلا الحقيقة يدلي بها عارية حتى يعري خصومه. حتى يفحم خصومه. والذين يتربع بعظهم على سدة السلطة. والذين حتى الأمس القريب كانوا من جملة خدامه الأوفياء لا يحلفون إلا باسمه، ولا يدينون إلا بما جاء في كتابه الأخضر من حقائق مطلقة.

بالضبط كما كانت ملامح القذافي المقتول ملطخة متسخة. كذلك كانت ملامح الثورة ساعتها. وكنا نشعر برغبة صبيانية في أن نمد أيادينا لجيوبنا، لعلنا نخرج منديلنا، فنمسح به ما لطخ ذلك الجبين الكريم لتلك الثورة المباركة التي أعادت لنا الإحساس بالعزة بعد طول سراب. الدكتور بن بنور أحمد[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية