ليبيا امام استحقاقات نظام ما بعد القذافي

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي

انتهى عهد القذافي بقتله، وهذه هي النهاية المحتومة للطغاة والمستبدين والظالمين. انها فرصة اخرى امام الحكام الديكتاتوريين الجاثمين على صدور شعوبنا العربية، الذين ماتت قلوبهم وتكلست مشاعرهم فما عادوا قادرين على الاستفادة من الدروس والعبر، وما أكثرها من حولهم. ان سقوط القذافي صفحة اخرى تضاف الى صفحتي سقوط حسني مبارك وزين العابدين بن علي اللتين اثلجتا صدور عشاق الحرية من ابناء الامة. فبعد نيف واربعين عاما متربعا على كرسي الحكم، حانت نهاية ديكتاتور ليبيا وهو الذي استخف بعقول البشر واسترخص حياتهم، وقتل الآلاف منهم، من بينهم 1200 معتقل قتلوا في يوم واحد من العام 1992، بسجن أبو سليم. ويندر ان تكون نهاية الطغاة الا مثيرة للجدل، لان حياتهم كذلك، بسبب سياساتهم ومنطقهم وانعدام الاعتدال من سلوكهم. معمر القذافي جسد ذروة الاستبداد والحكم الفردي من جهة والتشوش الذهني والاضطراب النفسي والقيمي من جهة اخرى. فالرجل الذي تقمص الناصرية عندما قام بانقلابه ضد الملكية في 1969 تميز بتغير مواقفه وانتماءاته. فهو القومي الذي سار على خطى عبد الناصر في مطلع عهده، وهو اليساري المنحاز للمعسكر الاشتراكي، وصديق الانظمة الشيوعية الدائرة في فلكه، وهو العروبي الذي انطلق بقوميته كهوية لنظام حكمه، ولكنه نفسه الذي اعلن لاحقا انه الافريقي الساعي لاقامة وحدة دول القارة السوداء. والقذافي هو الرئيس المعادي للغرب والامبريالية والنظام الرأسمالي، ولكنه هو الرئيس الذي تقرب للغرب عمليا بعد سقوط نظام صدام حسين، وتخلى عن مشروعه النووي الذي قام بتسليم مكوناته كاملة للولايات المتحدة. القذافي كان مؤسس ‘الجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية’ ولكنه مارس دور الحاكم المطلق الذي لا يقبل بمنافسة من قريب او بعيد. هو ‘رجل الجماهير’، ولكنه ايضا الحاكم المنعزل عن شعبه، سواء في القصور المشيدة باموال الشعب، ام في الخيام التي تنصب في الصحراء لاستقبال الزعماء والمسؤولين الاجانب. كان القذافي حاكما علمانيا مفرطا في علمانيته، ولكنه كان ايضا الحاكم الذي طرح منظورا ‘اسلاميا’ من وجهة نظره، باجتهاده الشخصي وتفسيراته للدين، ليصبح ‘الكتاب الاخضر’ منهاج النظام السياسي الذي أسسه والذي لم يخترق الحدود الليبية بل بقي محصورا بذلك البلد الذي لم تر اجياله الحالية حاكما آخر. اطروحاته تلك دفعت بعض العلماء بعد مقتله للقول بعدم جواز قبره في مقابر المسلمين، بدعوى انكاره السنة النبوية. كان ظاهرة متميزة من بين الديكتاتوريين العرب، ولكن القليلين اعتبروه مفكرا سياسيا يجدر بهم الاحتذاء به وبافكاره. وبرغم ‘ثوريته’ التي لا تضاهى، فلم يعرف عنه موقف خارق للعادة ازاء القضايا الكبرى التي واجهت الامة، ولم يتصد مباشرة للعدوان الاسرائيلي او التدخل الغربي المباشر. وسوف يظل التاريخ حائرا امام الظاهرة القذافية التي مازجت في الوجدان الشعبي العربي بين القيادة السياسية الجادة والمهرج البارع الذي يردد الناس كلماته، ليس تأثرا بها او حبا فيها، بل لانها مثيرة للضحك او الدهشة او الاستغرب.

وهكذا انتهت الحقبة القذافية بعد انتظار طويل، ولكن لم ينته الجدل حول الوضع الليبي، بل ان هذه النهاية الدموية فتحت ابوابا للجدل ليس حول مستقبل ليبيا فحسب، بل حتى الطريقة التي لقي بها حتفه، وودع الدنيا بعد سبعين عاما عاش اغلبها متربعا على كرسي الحكم برغم دعاواه بعكس ذلك. ويمكن القول ان الطريقة التي لقي بها مصرعه بعد القاء القبض عليه في العشرين من تشرين الاول/اكتوبر 2011 ستظل نقطة سوداء في تاريخ الثورة السياسية الليبية، لان تصفية الاسرى مرفوضة في الفقه الاسلامي وكذلك في القانون الدولي. فهناك حصانة خاصة لأسرى الحروب مهما كانت جرائمهم، تمنع التمثيل بهم او الحط من انسانيتهم. وما حدث في ليبيا كان مغايرا لذلك. فقد تمت تصفيته بعد ان رآه العالم خارج اطار القانون، فمن الذي اعطى الاوامر بتصفية القذافي وكافة افراد طاقمه السياسي ومن بينهم نجلاه ووزير دفاعه؟ بل ان البعض قارن بين الطريقة التي تمت بها تصفية القذافي وتلك التي قتل فيها اسامة بن لادن. ففي الحالين كانت الفرصة مؤاتية لالقاء القبض على الشخصين، بهدف محاكمتهما بشكل عادل وانزال الحكم الذي يستحقانه بعيدا عن روح الانتقام. كما ان ترك جثته تتعفن اياما قبل دفنه كان هفوة لا تنسجم مع روح الاسلام. ومن بين الفروق بين اصحاب المبادئ وغيرهم انهم يلتزمون بها، ولا يتحركون خارج اطرها، حتى لو كان ذلك على حساب عواطفهم. اما العمل خارج مقتضيات تلك المبادىء فيفرغها من محتواها ويسلب الاشخاص شرف الانتماء والمبدئية. ومن مقتضيات اقامة الحكم العادل ممارسة العدل بين الناس، ومنهم الاعداء. فلا يجوز المساومة على العدالة او التخلي عنها من اجل مصلحة آنية، لان تلك المصلحة قد تزول، ولكن تظل العدالة قيمة انسانية واسلامية، وقد فرض القرآن الكريم على الانسان ممارسة العدل مع الاعداء: ‘ولا يجرمنكن شنآن (عداء) قوم على ألا تعدلوا: اعدلوا هو اقرب للتقوى’. انها دعوة للتجرد من المشاعر العاطفية والمواقف التي تفرضها الظروف، والتشبث بما تمليه القوانين الشرعية الالهية.

وهكذا يبدو الربيع العربي قادرا على تحقيق اهدافه بشكل متواصل وبوتيرة لا تنقطع طويلا. فسقوط نظام القذافي انهى مرحلة قاتمة من ذلك الربيع، اذ بدت الازهار أقل نضارة وكادت سحب الرجعية والتخلف تخفي شمس الثورة تماما. وكان الوضع الليبي بداية التشويش على المد الثوري، اذ تدخلت قوى الثورة المضادة على خط التغيير بسرعة مذهلة، وحولت الثورة التي بدأت شعبية وجماهيرية، الى حركة دموية مسلحة في محاولة لسلب الامل من نفوس الثوار في بقية البلدان. كانت هناك خشية من تحول الثورات الى حالات اضطراب داخلي وحروب اهلية بعد ان استجمعت تلك القوى فلولها وتحركت لاجهاض الثورات او التحكم في نتائجها او هندسة الانظمة التي ستنجم عنها. وما تزال قوى الثورة المضادة تسعى بدون كلل او تعب لاحتواء الظاهرة قبل فوات الاوان، لان نتائج انتصار اية ثورة لن تكون لصالح تلك القوى التي تعمل ليلا ونهارا لحرف مسار الثورات. وستكون ليبيا البلد الثالث الذي سيشهد تدخلات علنية وسرية متواصلة سواء من دول حلف الناتو التي قادت الحرب العسكرية لاطاحة نظام القذافي ام دول مجلس التعاون التي شمرت عن ذراعيها لتتدخل بشكل سافر في شؤون الثورات وتحول بينها وبين الانتصار الحاسم. فقد تدخلت، من خلال دعوة الجامعة العربية لحلف الناتو للتدخل، لتحول الثورة الشعبية الى صراع مسلح لا يمكن حسمه الا بالتدخل الاجنبي. فما الفرق على صعيد المعايير الديمقراطية بين انظمة مصر وتونس وليبيا وبقية الانظمة العربية التي تحكم شعوبها بالاستبداد وتطبق مبدأ التوارث بديلا عن مبدأ التداول السلمي على السلطة؟ ما الفرق بين نظام القذافي والنظام السعودي الذي لا يتوفر على اية آلية ديمقراطية توفر للشعب حق المشاركة السياسية وتمنع السلطات من التعسف في استعمال صلاحياتها، وتحرر اجهزة الدولة كالاستخبارات واجهزة الامن والجيش والقضاء والاعلام من هيمنة النخبة الحاكمة، سواء كانت الحزب ام القبيلة؟ ان سقوط نظام القذافي يجب ان يكون محطة اخرى على طريق الثورات العربية، ليلهب حماس الجماهير خصوصا في الجزيرة العربية لينطلق قطار التغيير وفق المسارات الثورية في بقية البلدان. كان نظام القذافي مثيرا للجدل منذ ايامه الاولى، فقد نشأ في إثر انقلاب عسكري قاده معمر القذافي في الاول من ايلول/سبتمبر 1969 ضد النظام الملكي آنذاك، وتزعمه شخص بقي على رأس الهرم 42 عاما متواصلة، وبدأ في سنواته الاخيرة الاعداد لاستخلاف نجله، سيف الاسلام، الذي ما يزال مصيره مجهولا. وفي غضون أقل من عشرة اعوام ارتكب القذافي واحدة من ابشع الجرائم. ففي آب/اغسطس 1978 اختطف الزعيم الديني اللبناني، السيد موسى الصدر، ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، لدى وصولهم الى طرابلس لحضور مؤتمر اسلامي. وعلى مدى الاعوام الثلاثة والثلاثين لم يعرف شيء عن مصيرهم، بينما يصر نظام القذافي انهم لم يزوروا ليبيا التي كانوا متوجهين اليها على متن طائرة من بيروت. هذه الجريمة بقيت في الوجدان اللبناني لان مصير الثلاثة غير محدد حتى اليوم. وظل القذافي على منصة الحكم يمارس ما يشاء بدون ان يرعوي او يستمع لمن ينصحه. فاعتقل معارضيه وعذبهم حتى الموت. وفي 1996 حدثت مجزرة سجن ابوسليم، حيث صدرت الاوامر بقتل السجناء الذين احتجوا ضد اوضاع السجن، فاستعملت الاسلحة الخفيفة والمتوسطة وقتل 1170 معتقلا حسب ارقام المعارضة آنذاك. واستخف القذافي بشعبه وفرض عليهم ‘الكتاب الاخضر’ الذي ألفه عام 1975 وفيه يعرض أفكاره حول أنظمة الحكم وتعليقاته حول التجارب الإنسانية كالاشتراكية والحرية والديمقراطية، مدعيا انه أوكل الحكم للجان الشعبية وانه لا يحتل منصبا رسميا، واطلق على ليبيا اسما غريبا غير مسبوق، لتسويق افكاره الغريبة التي سعى لتسويقها بالمال والدعاية. واتهمه الغرب بالضلوع في تفجير طائرة بان امريكان في العام 1989 التي قتل فيها 270 شخصا اغلبهم من الامريكيين، واجبره لاحقا على دفع غرامة باكثر من ثلاثة مليارات دولار لعائلات الضحايا. واتهمته بريطانيا بدعم الجيش الجمهوري الايرلندي، كما اتهم بتفجير مقهى ليلي في برلين قتل فيه شخصان امريكيان وامرأة تركية وجرح فيه اكثر من مائتي شخص، ثم دفع تعويضات باكثر من 35 مليون دولار للجرحى، ومبلغا كبيرا آخر لعائلتي القتيلين الامريكيين. وتعتبر السنوات العشر الاخيرة من حكم القذافي فترة ‘التوبة’ من الاعمال التي قام بها سابقا، حيث تصالح مع الغربيين، خصوصا بريطانيا وامريكا، وزاره رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، ست مرات في طرابلس، وفقا لبعض التقارير. وبعد سقوط نظام صدام حسين في 2003، سارع القذافي للتخلي عن مشروعه النووي وقام بتسليمه كاملا للولايات المتحدة، وذلك حفاظا على نظامه من الاستهداف الغربي.

هذا التقارب مع الغرب لم يفده كثيرا، فسرعان ما انقلبت الدول الغربية ضده، وتدخلت لحماية المدنيين بعد اندلاع الثورة الشعبية في شهر شباط/ فبراير الماضي، التي تفاعلت ظروفها وانتهت بقتله الاسبوع الماضي. وبرحيله طويت صفحة سوداء في تاريخ ليبيا، وبدأت مرحلة يكتنفها الكثير من الغموض. فليبيا التي تحررت من سلطة القذافي واستبداده واجهزة امنه الشرسة، تتطلع للحرية والامن والممارسة السياسية الديمقراطية. مع ذلك يجدر الحذر من التفاؤل المفرط لاسباب عديدة: اولها ان الناتو لن يكون بمعزل عما يجري في ذلك البلد الذي ساهم بشكل مباشر في اسقاط نظامه، وتكبد خسائر مادية كبيرة، وبالتالي فالمطلوب اتخاذ سياسة واضحة حول مدى الانصياع لطلبات الناتو خصوصا في مجالات الاعمار والانتاج النفطي والتنقيب عن النفط والغاز، وعلاقات ليبيا الخارجية. ثانيها: ان الفئات التي تحالفت ضمن ‘المجلس الوطني الانتقالي’ غير منسجمة فكريا او سياسيا، وقد برزت بعض التصدعات والاختلافات في ما بينها ازاء العديد من القضايا، خصوصا بين الاسلاميين والليبراليين. ومن هنا تنطلق ضرورة التعجيل بكتابة الدستور الذي يحدد هوية الدولة وفق الارادة الشعبية، ليصبح مرجعية حاكمة على الجميع. ثالثها: ان التغيير في ليبيا جاء بدعم مباشر من دول خليجية سو ف تسعى للتأثير على المستقبل السياسي في ليبيا لمنعه من التحول الى ايقونة ديمقراطية حقيقية تكون حلقة وصل بين مصر وتونس اللتين تستعدان للوصول الى صيغة حكم مستقرة بعد ثورتيهما في ظل مقاومة خليجية وامريكية غير قليلة للتحول نحو انظمة ديمقراطية حقيقية. وهنا تجدر الاشارة الى الانتخابات التونسية للمجلس التأسيسي المخول كتابة دستور دائم للبلاد، التي اجريت هذا الاسبوع والتي حققت حركة النهضة بزعامة الشيخ راشد الغنوشي فيها تقدما ملحوظا. وهذه اولى ثمار ربيع الثورات العربي. رابعها: ان انتشار السلاح خلال الشهور الثمانية الاخيرة يمثل مشكلة حقيقية ويهدد باضطراب امني وسياسي في حال اختلاف الفصائل ضمن الائتلاف الذي استلم السلطة بعد سقوط القذافي، وثمة خشية من تكرار تجربة العراق وافغانستان والصومال، برغم التفاؤل الكبير لدى النخبة التي تدير شؤون البلاد. ولذلك فمن الضروري التوافق على تشكيل جيش وطني تنضوي تحته العناصر المسلحة بعد حل الميليشيات المختلفة، وهذا يتطلب التخلي عن الفئوية والحزبية الضيقة. خامسها: ان مسألة المصالحة الوطنية ضرورة لتحقيق التوافق، ولذلك مطلوب الابتعاد عن روح الانتقام، والتوجه للتحقيق في مظالم النظام السابق، والاستفادة من التجارب السابقة خصوصا في جنوب افريقيا، وتشكيل لجنة ‘الحقيقة والمصالحة’ لتحقيق عدالة انتقالية معقولة. سادسها: تعميق ثقافة الانتماء الوطني والديني، وتشجيع الاعلام الحر المحلي على تكريس ثوابت المجتمع وتوفير فضاءات واسعة للتعبير الحر والمشاركة الواسعة في صياغة القرار السياسي وتحريك الحوار الوطني على اوسع مدى. وفي ظل التجربة التونسية، والانتخابات التي جرت مؤخرا فان امام الليبيين تجربة واحدة على الاقل استطاعت الانتقال خطوة واحدة على الاقل الى الامام على الطريق الديمقراطي. ومع انها تجربة فتية لا يمكن اطلاق الحكم النهائي بشأنها بعد فان نتائجها في الايام القليلة المقبلة سوف تكون مؤشرا لمدى القدرة على الانتقال من الاستبداد الى الديمقراطية بعد انتصار الثورة الشعبية. ومن المؤكد ان الوضع الليبي أخطر من بقية البلدان التي حدثت فيها ثورات شعبية، مثل تونس، ولذلك تحتاج الفترة الانتقالية قدرة فائقة على ادارة الازمات، وهذا يتطلب تعاون جميع الفصائل الوطنية ضمن اطار الاصلاح والبناء وبناء الدولة الحديثة التي تتفاصل مع العهد القذافي وتنطلق الى فضاءات اوسع. فاذا نجحت في ذلك فسوف يتفوق التفاؤل على التشاؤم، وتتوجه الهمم للبناء بدلا من الجمود والاكتفاء بالمراقبة السلبية عن كثب. أيا كان الامر فان سقوط ديكتاتور آخر في عالمنا العربي خطوة مهمة على طريق تحريره من الاستبداد والديكتاتورية والحكم الفردي والقبلي، ودافع للأمل والعمل والصمود والوعي لكي تتحقق الحرية ويزول الظلام.’ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية