قبل ان يباد العرب

حجم الخط
0

أحمد الفرجاني منذ نحو أقل من سنة وجدتني أقلب في كتاب ‘صناعة العقل’ لمؤلفه كين روبنسون وليس غريباً أن أجد فيه الكثير من الأفكار المذهلة لكن ما فائدة الأفكار إن لم يتم ترجمتها على أرض الواقع والاستفادة منها في حل المشاكل التي تحيط بنا وتعصف بكياننا، فلطالما عانينا ولا نزال من التأخر والتبعية وغيبتنا الحضارية غير ما يضرب في كياننا من إشكالات لا تعد ولا تحصى كالبطالة والفساد (بمختلف أنواعه) وإنهيار التعليم وتفشي الأمراض الإجتماعية الى غير ذلك من الخوارم والإنتكاسات.

لقد ظهر مفهوم التبعية في إطار الاقتصاد في الستينات، تفسيراً للتخلف الذي اتسم به اقتصاد بلدان العالم الثالث؛ مما طرح في المقابل، ضرورات النمو المتسارع للوتائر الاقتصادية (مشمولة فيما بعد بالوتائر الاجتماعية والسياسية)، وهي التي اصطلح على تسميتها بالتنمية، غير أن اندماج هذا النمو، وتلك التنمية في الاقتصاد العالمي – وهو اقتصاد المركز المتقدم، الأمريكي والأوروبي، أو الدولة الصناعية، أو دول الشمال – جعل اقتصادها يخدم الاقتصاد العالمي، أو ما عرف باسم التنمية الموجهة للخارج، وقوامها تغذية المركز بالمواد والخامات والنفط، وتصريف منتجات المركز. نعم إن مفهوم التبعية، بدأ اقتصادياً، ثم ما لبث أن امتد إلى المجالات الكونية الأخرى، مع تحول العالم نفسه إلى قرية صغيرة كونية، بفضل استفحال تأثير سلطات العصر، لا سيما الاتصالات والمال والاقتصاد والمعلوماتية. إن الهزيمة الحقيقية التي تحدث بداخلنا وتقتل ذواتنا، عندما يغدو مبلغ طموحنا هو تقليد الآخرين وتبني أفكارهم، بحيث نحلق حول شخوصهم، ونبرع في تلقي الأفكار دون صناعتها، وفي استهلاكها دون القدرة على توليد أفكارنا الخاصة؛ فتتعطل حواسنا عن العمل، ويُقتل في ذواتنا القدرة على المبادرة والتجديد.

إن تربية القوالب لا تُخرج غير نسخ مكررة تتآكل شخصيتها، ويبهت طموحها، ويخفت بداخلها نبض الإبداع، وقد تذهب بصاحبها إلى موتِ فكرهِ وضعف عقله.

لقد تميز في جيل الصحابة أبو بكر الصديق بورعه، وعمر الفاروق بحزمه، وأبو عبيدة بن الجراح بأمانته، وخرج منه أبو ذر الزاهد، وابن عباس الفقيه؛ والكل قد تربى على مائدة واحدة، وتتلمذ على يدي معلم واحد ملهِمٍ في صناعته، فريدٍ في تربيته، مؤيَّد بالوحي في خطواته. ومع روعة الانبهار به وعظيم شخصيته وتنوُّع شخوص من حوله، غير أنه – صلى الله عليه وسلم – أبدع في كسر قوالب الجمود، فأخرج جيلاُ متفرداً في فكره، متفرداً في عظمة نفوس أصحابه، يحمل كل منهم عالَماً من التميز الخاص والإبداع الفريد.

ونحن اليوم (كما لا يخفى على أي بصير) أصبحنا نعيش في عالم كثيف المعرفة وفي مجالات عدة فها هو الدكتور حسين كامل بهاء الدين وزير التعليم الأسبق في مصر يقول: إن المجالات الحاكمة في العالم الآن هي مجالات كثيفة المعرفة، وهذه نراها في الفضاء والطيران، والمواد الجديدة، والإلكترونيات الدقيقة، والاتصالات الفائقة، والكمبيوتر والوسائط المتعددة، والتكنولوجيا الحيوية الخ، وهذه المجالات (كثيفة المعرفة) هي التي تحقق قيمة مضافة كبيرة، فالقيمة المضافة لمستلزمات صناعة الفضاء تساوي 20000 مرة القيمة المضافة لطائرات القتال السريع وهي 2500 مرة، كما أن القيمة المضافة للسوبر كمبيوتر هي 1700 مرة والقيمة المضافة للفيديو كاميرا 280 مرة القيمة المضافة للتليفزيون الملون 16 مرة والقيمة المضافة لسيارات الركوب 10 مرات، أما الفرق الهائل في القيمة المضافة لهذه المنتجات هي في مقدار المعرفة الموجودة في كل عنصر أو كل منتج علي وجه التحديد، ونحن دون شك لا نستطيع أن نحقق أي ميزة تنافسية إلا بدخول عصر هذه المجالات الحاكمة وتحقيق صناعة كثيفة المعرفة فالدول التي استطاعت أن تحقق تقدمًا اقتصادياً هائلاً دخلت من هذا الباب، وإلى وقت قريب حتى منتصف القرن الماضي لم يحدث أن تقدمت دولة من عداد الدول النامية إلى الدول المتقدمة إلا بقرن كامل من التنمية المتصلة المطردة، وقرن كامل من الضبط الصارم للزيادة السكانية. أما الآن وفي إطار الموجة الثالثة فإن هذه المدد قد تناقصت إلى حد بعيد، وأصبح من الممكن عن طريق الصناعات الكثيفة المعرفة أن نحقق قيمة مضافة كبيرة، وأن نختصر سنوات التقدم إلى أقل قدر ممكن، وبالتالي فليس هناك من مجال إلا أن نحقق هذا بدخول عصر الصناعات الكثيفة المعرفة وهذا لن يكون دون أن نوفر صناعة جديدة ومتجددة لعقول أبنائنا الشباب.

إنَّ هُناك فرقاً كبيراً بين إدراك المُفردَاتِ وحفظ المُتونِ وسردِ المسائلِ، وبين صِناعةِ العقلِ؛ فالعقلُ هو الآلةُ التي تدخلُ فيها هذه المُفردات لينتج لنَا مخرجاتٍ تتشكلُّ بحسب هذه العقلِ. ولقد غابت حضارتنا ونسينا مجدنا الذي كان فيما مضى من قرون يوم أنتكست عقولنا فكنا بين أرادات لا تهتم ببناء العقول وصناعتها ولا تنطوي على ضرورة أن تتظافر الجهود من أجل هذه المهام التشريفية العالية الضرورية، وبين مفرط بما توافر منها دون أن نحتويه ونوفر له المحاضن اللائقة ومن هنا كان ما عرف بالإستنزاف التي أصيبت به الأمة من جراء هجرة عقول أبنائها، والأمم متى ما أستنزفت من أغلى ما تملك أصبحت أمة فارغة ضعيفة هزيلة. ولن ننسى في هذا الخضم كلمة أ.

د.

أحمد سامح عميد كلية طب القصر العيني يوم قال بأنه على العرب صناعة العقول قبل أن يبادوا أو يستعبدوا، كما أننا لن ننسى موجهات المفكر Gunter Dueck يوم أشار إلى أن النجاح والكفاءة يتصاعدان مع الذكاء ليشكلوا أطر لإدارة العقل المبدع الذي يمكن أن يأتي بالعجائب متى ما أهتم بصناعته جيداً وكأنه يشير إلى أن هذه الصناعة (صناعة العقول) هي المدخل الأعظم لحياة الإنسانية الطموحة المتألقة التي تنظر لخدمة البشرية، وهو المدخل الحضاري لثبات الأمم وسيادتها أيضاً. وسيبقى في هذه الأمة الخير حتى قيام الساعة (الحديث موضوع لكن معناه لا يجادل فيه)، فها هي إرادات علمائها تتأوج لتقدم روائع العلوم والفنون وتثبت قدراتها بكل قوة ولا تبقى عند حدود النظريات بل تأتي بتجاربها التطبيقية وبنوازلها الإحترافية لتبني وتصنع العقول وبشكل لم يسبق له أي مثيل من قبل. وهنا واحدة من تلك المحاور المتألقة في مجال صناعة العقول وهي تقدم بشكلها الحضاري المنفتح على الآخر والمستقبل للتنوع بكل مرونة وبهاء.’كاتب مصري مقيم في استراليا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية